تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

التدريب وأهميته في العمل الإسلامي

الفصل الأول معنى التدريب وأهميته ووسائله وتأصيله من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 23-101 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 62 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالتدريب وأهميته في العمل الإسلامي

الفصل الأول

معنى التدريب وأهميته ووسائله

وتأصيله من الكتاب والسنة

وعمل السلف الصالح

23

المبحث الأول

معنى التدريب

وأهميته ووسائله

المطلب الأول: معنى التدريب وأهميته

التدريب لغة: يقال: درَّب فلان فلاناً بالشيء ودرَّبه على الشيء: عَوّده ومَرّنه (١).

إصطلاحاً: (( عبارة عن نشاط منظم يركز على الفرد لتحقيق تغير في معارفه ومهاراته وقدراته لمقابلة احتياجات محددة في الوضع الحاضر أو المستقبلي، في ضوء متطلبات العمل الذي يقوم به المرء، وفي ضوء تطلعاته المستقبلية للوظيفة التي يقوم بها

(١) (( المعجم الوسيط )): د ر ب.

25

في المجتمع )) (١).

أو هو:

(( مجموعة من البرامج المهتمة بالتعليم وتحسين المهارة الفنية ليؤدي المتدرب إنجازاً أفضل )) (٢).

أو هي مجموعة النشاطات التي تعلم المدربين وتحفزهم، وتثرى قيمهم، وترتفع بمستويات تفكيرهم، وتحسين مهاراتهم القيادية والأساليب التي يتبعونها (٣).

فالتدريب - على هذا - باختصار هو ارتقاء دائم، وانتقال من طور إلى طور، وهو مواكبة ومقاربة لما عليه الماهرون والأقوياء في مناهجهم القويمة وطرائقهم المستقيمة ونشاطاتهم الفاعلة.

(١) (( حول التربية والتعليم )): ٣٩٨.

(٢) (( دليل التنمية البشرية )): ١١.

(٣) المصدر السابق، بتصرف يسير.

26

العلاقة بين التدريب والتنظير

أالعلاقة بين التدريب العملي والتأهيل النظريّ:

التدريب أحد قسمي التأهيل؛ إذا التأهيل قسمان: نظريّ وعمليّ، وكلا القسمين مهم لا يُستغنى عنه، لكن البرامج التدريبية تفترض وجود مستوى محدد من الفهم والوعي، ومن ثَمَّ السعي للبناء عليه، فيصحُّ أن يقال إذاً: إن إلقاء المعلومات والتأكد من فهمها أمر لا بد منه قبل الشروع في التدريب، وكل تدريب غير مسبوق بإلقاء المعلومات الظرورية محكوم عليه بالقصور أو الفشل، وهذا القدر من المعلومات يحدده نوع كل نشاط أو مهارة يُراد التدريب عليها.

ب العلاقة بين التدريب والتخطيط:

التخطيط سمة العصر، قد اعتني به اعتناءً ظاهراً،

27

حتى أن المؤسسات الضخمة تخطط لخمس وعشرين سنة قادمة أو أكثر في بعض الأحيان، وتنفق بسخاء على التخطيط ومؤسساته.

و (( يجب أن يتميز البرنامج التدريبيّ الناجح بالاستمرارية المخطط لها بإتقان، وهذه الاستمرارية سوف تضمن ألا يصاب المتدربون بالركود، بل تكفل تزايد قدراتهم ونموها المطّرد، كما أنها ستزيل التكرار والإعادة ... ويمكن أن يتيح الفرصة لتقويم المتدربين وتوزيعهم على المجالات المختلفة بعد إعدادهم وتأهيلهم )) (١).

والتخطيط الجيد يراعي خصوصيات المشاركين مع الأخذ بالاعتبار المستوى الحالي للتعليم والقدرة على الفهم لديهم (٢).

ولا بد أن يعلم ويُدرَك أنه لا يوجد برنامج تدريبيّ موحد يمكن أن يناسب جميع المتدربين على تنوع مشاربهم واتجاهاتهم؛ إذ قد يناسب مجموعة ما ما لا يناسب الأخرى، وقد يكون المناسب لمجموعة محددة في زمن ما ليس بمناسب لها نفسها في زمن تالٍ أو سابق، وهكذا ...

(١) المصدر السابق: ٢٩٢ بتصرف يسير.

(٢) المصدر السابق.

28

وكل ذلك يراعيه التخطيط القويم والإعداد الجيد.

جـ- العلاقة بين التدريب والتطبيق:

هناك فجوة كبيرة بين التدريب والتطبيق في عالمنا الإسلاميّ المعاصر، إذ أن عدة عوامل تضافرت لتؤدي إلى هذا الأمر، ولا أجد مساغاً لذكرها هاهنا، فكم من متدرب على أمر بذل فيه جهده وصرف فيه زماناً طويلاً من عمره، حتى إذا تخرّج فيه واستعد لتطبيق ما مَرِن عليه إذا به يُضطر للعمل في مجال آخر، والأمثلة من عالمنا الإسلامي أكثر من أن تحصر، فهذا طبيب ماهر ذكي أعرفه درس في كلية الطب وبذل لها وقتاً ثميناً وصرف فيها خلاصة شبابه، حتى إذا فرغ من سنة الامتياز وأقبلت عليه الوظائف أمره أبوه أمراً جازماً أن يتولى إحدى شركاته ليعمل في مجال لهم يعهده من قبل، ولم يأنس في نفسه ميلاً إليه، فضُرب بعُرض الحائظ كلُّ ما بذل من جهد وأنفق من وقت.

وآخر درس الهندسة النووية سنوات طويلة وتخرج فيها (( دكتوراً )) وحاز أعظم الشهادات الغربية، حتى إذا عاد إلى بلاده صدم بالحقيقة المرة وهي أنه لا يستطيع أن يطبق ما تدرب عليه طويلاً في بلاد الغرب، وإذا لا يستطيع أن يطبق ما تدرب عليه طويلاً بالحقيقة المرة وهي أنه لا يستطيع أن يطبق ما تدرب عليه طويلاً في بلاد الغرب، وإذا بالمعامل غير المعامل، وإذا بالعقبات توضع أمامه، هذا الذي درس زماناً طويلاً وصرف على الدراسة والتدريب زهرة شبابه وأجمل

29

أيام حياته، إذا به يُوضع في مكتب وثير ليوقع على أوراق إدارية، أو يترأس اجتماعات لا ثمرة لها على الحقيقة.

واسألوا أساتذة الذرة المسلمين الذين رأوا أن عودتهم إلى ديارهم ستصيبهم بكثير من الإحباط ففضلوا البقاء في عسل الغرب الممزوج بالسم، على أن يعودوا إلى حنظل خالص أو بيت نحل فارغ.

واسألوا الدكاترة والمهندسين، وأصحاب الدرجات العليا من (( ماجستير )) و (( دكتوراه )) في شتى التخصُّصات العلمية والذين عملوا في وظائفَ دنيا بعد تخرجهم لا تمتُّ بصلة لما تدربوا عليه ودرسوه، فقد شاهدت (( دكاترة )) وحملة (( ماجستير )) يعملون مضيفين في شركات الطيران، وكل ما تطالب به شركات الطيران من مؤهلات دورة لمدة أربعة أسابيع مع تحصيل شهادة الكفاءة أو الثانوية بحسب الحاجة، فما الذي ساق صاحب هذا المؤهل العالي ليعمل الحاجة، فما الذي ساق صاحب هذا المؤهل العالي ليعمل في هذا المكان؟ وهذا ضربته مثالاً وإلا فالأمثلة كثيرة كثيرة.

وهذا الذي ذكرته منطبق على أناس كثيرين التحقوا بكليات الدعوة والشريعة وأصول الدين، ودرسوا طويلاً ثم بعد تخرُّجهم لم يجدوا عملاً مناسباً ليطبقوا فيه ما درسوه وما تدرَّبوا عليه نوعاً من التدريب، وهذا ملاحظ مشاهد في كثير من بلدان العالم الإسلامي لغلبة البطالة وقلة الوظائف.

30

أهمية التدريب

العالم المتقدم مادياً يسعى بقوة للوصول إلى المثال المطلوب في كل جوانب الحضارة المادية، ويبذل بسخاء في سبيل هذا الأمر، ومن أهم الوسائل التي تصل بالمجتمع إلى إتقان الحضارة واستيعابها لهو التدريب الذي (( يشكل مدخلاً رئيساً إلى تحسين إمكاناتنا الحالية، وتحسين أدائنا، وهو الوسيلة الفعالة في بلوغ الأهداف التي نرسمها.

إن من المجمع عليه الآن أن ما يتعلمه المرء وما يكتسبه من مهارات أهم بكثير مما ورثه عن آبائه من ذكاء وألمعية، فالتقدم العلمي الهائل وما أفرزه من وضعيات واعتبارات مختلفة جعل كل ما هو فطري ضئيلاً وقليل الجدوى في التعامل مع الأشياء والنظم المعقدة ...

إن الحاجة إلى التدريب تنبع مع اعتبارات عديدة، ونذكر منها:

١ - اكتساب معلومات جديدة:

عن المعلومات التي كانت بحوزة المدرس أو الموظف أو العامل قبل الانخراط في العمل تتآكل مع مرور الأيام، فيضيق نطاق المعرفة لديه، ويحتفظ بالحد الأدنى الذي يساعده على أداء مهمته على نحو قاصر أو شبه مقبول، إن

31

طول الخدمة يؤدي إلى التكرار والرتابة مما يقتل روح التجديد والاستمتاع بالعمل.

هذا وإن بإمكان التدريب أن يشعر المتدرب باكتساب معلومات ومهارات وطرق جديدة لا عهد له بها، كما أن بإمكانه أن ينعش معلومات ومعارفَ ذبلت ...

٢ - التدريب طريق الارتقاء:

إن الذين لا يشعرون بالحاجة إلى التدريب هم أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة، وكلما اقتربت الأمة من بؤرة الحياة المعاصرة شعرت أن حاجتها إلى التدريب والتطوير أشد، ولذا فمن غير المستغرب إن تكون أمريكا على رأس قائمة الدول المهتمة بالتدريب حيث تنفق عليه بسخاء بالغ، وتذكر بعض الإحصاءات أن أمريكا حكومة وشعباً تنفق على التدريب سنوياً ١٢٠ مليار دولار ...

ومن اللافت للانتباه أنه كان في أمريكا عام ١٩٥٨ (٣٢) محطة تلفازية تعُني بالتعليم والتدريب، ومعظم دولنا الإسلامية خالية من أية محطة تعليمية أو تدريبية إلى اليوم.

٣ - التدريب طريق استيعاب التقنية الحديثة:

التطور السريع الذي يعيش فيه العالم اليوم يوجد في كل ساعة آلات جديدة ومواد جديدة، يكشف ويبِّين قوانين

32

ونظماً جديدة، واستيعاب كل ذلك يحتاج إلى أن يسعى الناس إلى التدريب مهما كانت المشاق أو الأكلاف ... )) (١)

٤ - الثقة في النفس وقدراتها وطاقاتها:

ومن جوانب أهمية التدريب القصوى أنه يكسب الشخص المتدرب ثقة في نفسه، وقوة في انطلاقته لم يكن يجدهما في نفسه من قبل؛ إذ المرء مجبول على الخوف مما يوكل إليه ويُناط به، ويحسب لذلك حسابات متعددة، فإن دُرِّب على ماهو مقدم عليه فإنه يزول بذلك ما يجده في نفسه من تخوف وتحسس وجهود وقصور، ويقبل راضياً سعيداً على ما كلف به من أعمال مهما عظمت أهميتها وصَعُب القيام بها.

وما قصة موسى عليه الصلاة والسلام - التي سأذكرها بالتفصيل إن شاء الله تعالى في ثنايا البحث- إلا مثالاً واضحاً على أهمية التدريب للانطلاق والتطبيق؛ حيث دربه الله تعالى على مواجهة فرعون وكيفية استعمال العصا واليد، وطمأنه كل التطمين، فانطلق واثقاً قوياً - صلى الله عليه وسلم -.

(١) (( حول التربية والتعليم )): ٣٩٨ - ٤٠٠ بتصرف يسير، وقد نقل المصنف من عدة مصادر ذكرها في كتابه.

33

٥ - شمول التدريب لجوانب كثيرة في الحياة:

وهذه الجوانب المذكورة في الأهمية ليست قاصرة على أشياء محددة، لكنها تعم جوانب كثيرة وتشملها، فـ (( نحن بحاجة لمن يعلمنا فن الحوار وفن الصمت، ومن يعلمنا الكفَّ عن الإدمان على بعض الأشياء وبعض التصرفات، كما أننا بحاجة إلى من يدربنا على إدارة الوقت وإدارة أعمالنا عن طريق الهاتف وعن طريق الأهداف وطريق التفويض، ومن يدربنا على رسم الأهداف، وعلى التخلي عن النزعات العدوانية، ومن يدربنا على حل مشكلاتنا عن طريق التفاوض ومقايضة المصالح، ومن يدربنا على القراءة المثمرة والتفكير المبدع، وحين نحرز تقدماً على هذه الأصعدة فإننا سنجد أن معالم حياتنا كلها قد تغيرت، وصارت فرص النجاح والارتقاء أفضل بكثير مما هي عليه اليوم )) (١).

باعث التدريب

ينبغي أن يعلم التدريب ينبعث الشعور بأهميته من الشخص نفسه، وليس في الحقيقة مفتقرأ للتوجيه- وإن كان التوجيه مطلوباً- فالمرء أعلم بنفسه وقدراته وما هو

(١) المصدر السابق: ٤٠٣.

34

عليه من علم وفهم ومهاراة، أو الضد من ذلك، فليس مقبولاً على الإطلاق أن يظل الشخص يراوح في مكانه ضعيفاً عاجزاً وهو يمكنه أن يخرج من ضعفه بتدريب مكثف في مدة زمنية مقبولة.

أعرف أحد الأئمة ممن يحبه الناس يقبلون عليه، وله من التأثير عليهم الشيء الكبير، وهو في الوقت نفسه صاحب روحانية وعاطفية إيمانية دافقة، لكن المشكلة التي يعاني منها كل المعاناة هو أنه لا يحسن الحديث بالفصحى كما ينبغي للإمام أن يكون، وهذه مشكلته - والله- منذ قرابة عشرين سنة، قيا أيها العقلاء: هل هذا معقول أو مقبول، وهل مثل هذا الشخص يحتاج لتوجيه حتى يتدرب على تخطي ضعفه اللغويّ هذا، على أنه قد وُجِّه مراراً كثيرة، فمثل هذا لو تدرب على إتقان اللغة ستة أشهر مثلاً لتخلص من هذه المشكلة للأبد، لكن يالَلَّ للمسلمين وعجزهم وضعفهم وعدم فهمهم أنه بتدريب يسير يتمكنون من صنع شيء كثير.

كم من الناس العقلاء من علم ضعفه وعرف علته، وانطلق يداويها بأنواع من التدريبات في دورات مكثفات قويات فإذا به منطلق مِعطاء منتج، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر، ومنها:

أعرف مديراً لمؤسسة كان يعاني من ضعف بل من

35

جهل تام بأصول برمجة الحواسيب، وقد وظف شخصين بمبلغ كبير نسبياً من أجل إقامة العمل الحاسبيّ، ثم فطن لنفسه والتحق بدورة حاسوبية مكثفة تعلم فيها الشيء الكثير، فإذا به ليس بمحتاج إلى من وظفهما، فقام بعملهما ووفر على نفسه المال.

هذا مثل لما ينبغي أن يكون عليه العاقل في شؤونه العامة، فلماذا لا يسعى الناس في الشؤون الدعوية والإيمانية سعَي هذا الرجل في عمله هذا الذي صنعه؟.

وهذه مؤسسة مهمة كبيرة، فيها موظفون كثر بعشرات الآلاف، ولهم إدراة تدير شؤونهم- كما هو شأن كل مؤسسة أخرى-، وفي هذه الإدارة قسم يشرف على تنسيق جداول بعض الموظفين المهمين، وعدد أولئك المشرفين قرابة مائتي موظف يشرفون على تنسيق جداول أولئك الموظفين المهمين البالغ عددهم قرابة ألف موظف، ويقسم لي بالله أحد الإخوة الثقات أن شركة كبرى في الخارج لها موظفون يماثلون في الأهمية الشريحة التي ذكرت، ويفوقونهم عدداً يشرف على تنسيق متنقل وهاتف جوَّال ... سبحان الله، ألا يعتبر المسؤولون في هذه الشركة بحال تلك الشركة التي استطاعت في ضوء تدريب متفوق قوي أن تختصر العدد الضخم من الموظفين إلى امرأة واحدة فقط،

36

لكن المشكلة أنه ليس هناك باعث داخلي قوي يحملهم على القيام بمثل هذا التدريب، أو أنهم لم ينتبهوا إلى حجم المشكلة التي يواجهونها حتى الآن، والله أعلم.

ولعل من أهم بواعث التدريب عند الشباب المسلم علمُه بما يوليه النصارى خاصة، وأعداء الإسلام كافة من اهتمام خاص بالتدريب، وذلك أمر يطول ذكره وتفصيله، ولكن حسبي أن أورد شيئاً موجزاً يكون كافياً في استقاء العبرة والعظة:

التدريب عند النصارى

بلغ الغرب مبلغاً باهراً من الأخذ بالتدريب في كل شؤون الحياة، لكن ماحال التنصير، هل هو كذلك معتنى به تدريباً وتخطيطاً؟

إن النصارى لهم سبق واضح في هذا المجال، فهم لا يرسلون مبعوثاً من لدنهم إلى أي مكان حتى يدرِّبوه على كيفية التعامل مع من يرسل إليهم، وكيف يقيم كنيسة، وكيف يدير شؤونها، وكيف يتصل بأصحاب السلطة في البلد المرسل إليه، بل إنهم يدربون مبعوثيهم على كيفية التخاطب، ويعلمونه لغة أولئك الأقوام حتى يُحسن التعامل معهم، ويدربون مبعوثيهم على كيفية محاربة المسلمين والوقوف في وجه أنشطتهم.

37

إن أولئك المخططين للتنصير قد أعدو كتباً إرشادية فيها كل الخطوات اللازمة للتحرك والعمل في أرجاء الأرض، وهي متقنة تماماً ومعدة لتكون دليلاً تدريبياً إرشادياً لك مبعوث، وهي مطبوعة متداولة بلغات كثيرة.

قارن بين هذا وبين ما يجري عند أكثر مؤسساتنا الخيرية الإغاثية التي تكتفي بإرسال مايسمى بالدعاة إلى بلاد عديدة أكثرهم ليس له خبرة في كيفية التعامل مع بلاد عديدة أكثرهم ليس له خبرة في كيفية التعامل مع بلاد عديدة أكثرهم ليس له خبرة في كيفية التعامل مع الهيئات والشعوب التي يطمع في هدايتها وتقويمها، وليس معه جدول تفصيلي يرشده إلى ما يصنع هنالك، وهذه الهيئات لم تكلف نفسها وضع دليل إرشادي مفصل يدرب الدعاة هنالك ويأخذ بأيديهم، أقصى ما هنالك أن يرسل الداعية إلى مخيم معدِّ إعداداً جيداً مقتصراً على فئة محدودة جداً، لكن الحديث هنا عن الانفتاح على المجتمع والتأثير فيه والانتشار بين أفراده على صورة متهيأ لها متدرِّب عليها.

ولولا أن الله حافظ دينه وكتابه لما استطعنا - والله - أن نصنع شيئاً في دول إفريقيا وآسيا مقارنة بما يصنع أولئك، والله تعالى إن وكلنا إلى أنفسنا وكلنا إلى عجز وتقصير، والله المستعان.

ولابد أن يعلم أن المرء لانشغاله بأمور الحياة ومتطلباتها، ولا نهماكه في تحيق ما يصبو إليه، قد لا يتنبه

38

أنه في حاجة ماسة إلى تدريب يجدد له حياته، ويرفع من مهاراته وقدراته، فينبغي إذا أمران لا غنى عنها:

١ - أن تقوم الهيئات الدعوة، ووزارة الشؤون الإسلامية، ولكل مهتم بالعمل الإسلامي بإقامة الدورات اللازمة لتحسين العمل الإسلامي والانطلاق به إلى آفاق أرحب ومناح أوسع، ويكون ذلك شبه ملزم للدعاة وطبقات المخالطين للناس أمثال الأئمة والوعاظ ورجال الحسبة.

٢ - إن لم يكن مثل هذا الأمر فينبغي على الشخص أن يسعى ونفسه سعياً جاداً حتى يلتحق بما تيسر من دورات تدريبية حتى لو كانت في هيئة دليل إرشادي أو كتاب تدريبي لمن لم يتوفر له الوقت المناسب أو الدورات المناسبة.

إن لم يصنع الداعية هذا فسيجد أنه على كرور الأيام ومر الزمان قد ترهلت أفكاره، وهزلت حركته، وتَفُهَت أهافه، وصار ما يأتي به قديماً لا قيمة له تقريباً، وذلك أنه يجتر أفكاره ومشاريعه التي مضى عليها زمان طويل، ولم تَطُلْلها يد التغيير والإصلاح والتقويم.

ومن جوانب زرع باعث التدريب في النفوس أن يبين أمران:

39

١ - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فبعض الأعمال الدعوية القيام بها واجب، ويصبح التدرب عليها - إن تطلب ذلك تدريباً- واجب أيضاً، فإذا عُلم هذا فالنفوس تهرع إليه وتقوم به.

٢ - كل الجهد المبذول في التدريب وحضور الدورات وإتعاب الجسد وإنهاكه يقابل إن شاء الله تعالى بالحسنات العظام والدرجات الفِخام، فهذا أمر معلوم من دين الإسلام، لكن إن ارتبط في الأذهان بقضية التدريب فسيقبل الناس عليه بهمة ونشاط أكبر من ذي قبل، والله أعلم.

40

المطلب الثاني: وسائل التدريب

إن للتدريب وسائل متعددة تعدد الأفكار والمناهج والقدرات، وهو أوسع من أن يحاط به في صفحات، ولكن ما أورده هاهنا له تعلق واضح بالتدريب على العمل الإسلامي خاصة، وهذا هو مرادي من هذه الرسالة، وقد اصطفيت عدداً من الوسائل رأيت أنها - إن روعيت حق المراعاة - كافية في بابها إن شاء الله تعالى، فمن ذلك:

أولاً: إنشاء المؤسسات الخاصة بالتدريب الدعويّ العلميّ:

ويمكن إنشاؤها في الجامعات، ومراكز الدعوة، ومراكز هيآت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووزارة الشؤون الإسلامية، والمراكز التعاونية، ومراكز دعوة الجاليات إلخ ...

حيث يتولى التدريب في تلك المؤسسات علماء كبار

41

جمعوا إلى جانب العلم الحنكة والتجربة الطويلة، فيتقدمون عصارة جهدهم وخبرتهم الطويلة إلى الأجيال الجديدة.

وينبغي إلزام من يريد التصدر للدعوة - كُّلِّ في مجاله - بحضور دورات في تلك المؤسسات حتى تُصقل مواهبه، وينضبط عنده التلقي المقرون بالتدريب والتجربة، فيخرج إلى المجتمع وقد نضج، وارتقى العلم النظري الذي حازه إلى سُدة العمل التطبيقي الذي هو - في الحقيقة - ثمرة العلم.

إن النصارة الضالين أنشأوا مئات المؤسسات التي تدرب أتباعهم على الدعوة إلى باطلهم، ولا أعرف اليوم مؤسسة رسمية واحدة تدرب المسلمين على شؤون الدعوة، اقول: لا أعرف ولا أنفي الوجود إن وُجد، وهناك بعض المؤسسات التدريبية الخاصة عن بعض الجامعات سيأتي الحديث عنها قريباً إن شاء الله تعالى.

ثانياً: تضمين مناهج الجامعات والمعاهد والمدارس العليا قضايا التدريب على العمل الإسلاميّ:

إن تضمن التدريب في المناهج وجعلَه جزءاً أساسياً من المواد التي تلقى على الطالب لهو الضامن- بإذن الله تعالى - أن يخرج جيل قادر على حمل أعباء الدعوة الفعلية.

42

والناظر إلى خريجي الجامعات والمعاهد يجد أن قيلاً منهم يستطيع أن يتحدث ويخاطب الجمهور، أو إذا خاطبهم أن يكون مقنعاً سلسَ الأسلوب جَزل العبارة، ويجب ألا يُستعجل في إخراج الطلاب إلى المجتمع وهم ليسوا بعدُ مؤهلين للدعوة والتأثير، خاصة طلاب كليات الدعوة.

ويحضرني ثلاثة أمثلة لطيفة فيما يجب أن تكون عليه مناهجها الجامعات والمعاهد في مناهجها من الجمع بين التلقي والتدريب على الدعوة والتأثير، ألا وهي:

١ - جامعة الأزهر وكلية الدعوة فيها، حيث جاء في إحدى الجرائد تحت عنوان: كلية الدعوة وجدت الحل: ٢٠٠٠ طالب يتدربون على الصعود على المنابر، حيث قال المحرر: الدعوة علم وموهبة وفن، وقدرة على مخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهناك المئات الذين يملكون الإيمان ولا يجيدون توصيله، يحفظون العلم ولكنهم يرتعدون عندما يصعدون منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم كلية الدعوة بجامعة الأزهر وجدت حلاً للمشكلة؛ وذلك من خلال الجمع بين الثقافة الإسلامية المشفوعة بالدراسات النفسية والاجتماعية، وبين تدريب طلاب الكلية على الصعود على المنبر والحديث إلى الناس.

كلية الدعوة تتخذ الآن مقرها داخل المسجد، صحيح

43

أن طلاب العلم يلتمسونه منذ مئات السنين بجوار أعمدة الجوامع وجدران المساجد وأروقة بيوت الله، ولكن كان يتم هذا لأن المسجد هو المكان المتاح، وفي الوقت الحالي فإن الهدف الرئيسي هو تدريب الطلاب على العيش داخل بيوت الله وكسر هيبتهم من المنبر.

ثم ذكر أن عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر بيِّن أن قرابة ألفي طالب يتدربون ويدرسون بجامع الزهراء بمدينة نصر، في صحن المسجد ست قاعات للدرس، وبيَّن أن الكلية تدرب طلابها على الخطابة داخل المسجد ويجربونهم في مواقف عدة، ثم ذكر أن الداعية الناجح هو الذي يتحقق فيه - مع الإيمان بقضيته- المادة العلمية الغزيرة، ثم فنية الخطابة والقدرة على مخاطبة الناس بالكلمات والإيماءات (١).

٢ - وهناك مثال آخر أقوى وأفضل وأعظم أثراً، ألا وهو ما صنعته جامعة الإيمان اليمنية التي استطاع القائمون عليها أن يجعلوا التدريب العلميّ على الدعوة جزءاً أساسياً من المنهج الجامعي.

وإليكم معشر القراء الكرام بعض هذا المنهج الذي يدل على عناية واضحة بالتدريب العمليّ، حيث قسموه

(١) جريدة اللواء الإسلامي ٣/ ٨/١٤٢٠.

44

قسمين: علم يدرس وتطبيق لهذا العلم، وقد تخيرت منه أجزاء مناسبة وتركت الباقي وإيثاراً للاختصار المؤدي إلى كمال العظة والأدِّكار:

أهداف المناهج:

أولاً: علوم الإيمان:

١ - أن يتعلم الطالب الأدلة الموصلة إلى الإيمان ومفهومه بجميع أركانه وشعبه وحقائقه في ضوء الكتاب والسنة وآيات الله المشهودة في الكون والآفاق والنفس، وعلى ضوء فهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان.

٢ - أن يتعلم الطالب مقومات الإيمان؛ فيدرس ما يتعلق بتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، والنبوَّات، والسمعيات (الغيبيات)، والقضاء والقدر بما يمكنه من معرفة الحق الذي أرشدت إليه النصوص واستقر عليه فهم السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان.

٣ - أن يعي الطالب أهمية الإيمان ومقتضياته وآثاره على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة من خلال تتبع الأسرار والحكم في نصوص الكتاب والسنة.

45

٤ - أن يكتسب الطالب بصيرة في معرفة الله تعالى وصفاته معرفة تورث المحبة والخشية والتوكل والإنابة وسائر العبادات القلبية والعلمية.

٥ - أن يتبرأ الطالب من الشرك بكل صوره وأشكاله، وأن يحب في الله ويبغض في الله، بحيث تتحقق فيه الغيرة على دينه وحرماته، وعلى أمته، وأن يكون مستعداً للتضحية في سبيل ذلك، وأن يقف في وجه أعداد الإسلام ويتصدى لمؤامراتهم.

٦ - أن يتمكن الطالب من فهم التطبيقات السليمة للإيمان، وأن يقوم بدراسة الفِرَق وتقويمها في ضوء الكتاب والسنة.

٧ - أن يعرف الطالب نواقض الإيمان، وشروط تحققها وأخطارها وما ترتب على ذلك.

٨ - أن يفهم الطالب شبهات خصوم الإسلام القديمة والحديثة، وأن يكون قادراً على تفنيدها.

٩ - أن يدرس الطالب منهج البحث في علوم الإيمان.

46

الصور التطبيقية:

١ - أن يقوم الطالب بمراقة نفسه ومحاسبتها بشأن مقدار تحققه بالإيمان عملاً وحالاً من خلال تطبيقه لشب الإيمان يومياً حسب جدول المحاسبة الخاص به.

٢ - أن يقوم الطالب بإعداد البحوث وإقامة المحاضرات، والمشاركة في المناظرات والأنشطة العملية الأخرى المتعلقة بالإيمان.

٣ - أن يشارك الطالب في رحلات التفكر والنظر، وفي زيارات أكابر علماء المسلمين، والاستفادة منهم علماً وسَمْتاً وخلقاً، والتأدب معهم، وترتيب المحاضرات والندوات لهم.

٤ - أن يقوم الطالب بإعداد اللوحات والأشرطة المسموعة والمرئية، وجمع الوثائق والصور المتعلقة بالإيمان.

٥ - أن يقوم الطالب بزيارة القبور للاعتبار، وتذكر الآخرة.

٦ - أن يزور الطالب المكتبات ومراكز المعلومات والبحوث للاستفادة منها.

47

٧ - أن يحصر الطالب الانحرافات والأوهام المتعلقة بالإيمان، ويرسم خطة - بالتشاور مع مشايخه- للعمل على تصحيحها.

٨ - أن يقوم الطالب بدعوة الذين اضطرب إيمانهم لاستنقاذهم من ظلمات الشك إلى نور اليقين، ومحاجّة المصرِّين منهم لإقناعهم أو كشف أباطيلهم.

٩ - أن يجري الطالب من التجارب العلمية ما يدعم الإيمان.

عاشراً (١): فقه الدعوة والإعلام:

١ - أن يفقه الطالب الآيات والأحاديث المتعلقة بالدعوة إلى الله تعالى ويحفظها.

٢ - أن يتعلم الطالب دعوات الرسل ومناهجهم في الدعوة إلى الله تعالى للاقتداء بهم.

٣ - أن يتعلم الطالب أصول الدعوة إلى الله ومناهجها وأساليبها ووسائلها قديماً وحديثاً، ومواقف الناس من الدعوة والدعاة.

(١) وذلك بحسب ترتيبهم لمفردات المناهج.

48

٤ - أن يتعلم الطالب تاريخ الدعوة والدعاة والمصلحين ومناهجهم، وتقويم دعواتهم في ضوء الكتاب والسنة؛ لأخذ العبرة، واكتساب الخبرة، مع التزام الأدب والبعد عن التجريح.

٥ - أن يتعلم الطالب صفات الداعية الناجح ويتحلى بها.

٦ - أن يتعلم الطالب أدب الدعوة إلى الله وأدب الخلاف بين الدعاة، وحقوق الأخوة الإسلامية بين المسلمين، ووجوب التعاون على البر والتقوى فيما بينهم، وكيفية بيان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والابتعاد عن التجريح والتعصب المذموم.

٧ - أن يتعلم الطالب أصول الخطابة والمحاضرة والمناظرة والمحاورة، وكيفية تنظيم وإدارة الحلقات والندوات والمؤتمرات.

٨ - أن يتعلم الطالب مفهوم الإعلام المعاصر ومقوماته ونظرياته ووسائله نظرياً وتطبيقاً، وأثره على المجتمع، وكشف أساليب الإعلام المعادي للإسلام.

49

٩ - أن تتكون لدى الطالب رؤية منهجية إسلامية في الإعلام تمكّنه من استخدامه في الدعوة إلى الله.

١٠ - في مرحلة التخصص: يتعلم الطالب نشأة وتاريخ وتطور الإعلام الإنساني عبر العصور، ويتوسع في دراسة مقومات الإعلام المعاصر ونظرياته ووسائله وتطبيقاته، والمنهج الإسلامي في الإعلام، وجهود علماء المسلمين والمختصين فيذلك، وأن يعد أبحاثاً لتطوير منهج للإعلام في الإسلام.

١١ - أن يتخصص الطالب في أحد التخصصات لآتية: (صحافة، الإذاعة المسموعة والمرئية، علاقات عامة).

١٢ - أن يدرس الطالب خصائص الرأي العام وطرق التأثير عليه.

الصور التطبيقية لفقه الدعوة:

١ - أن يقوم بإلقاء الخطب والمواعظ وخطب الجمعة والعيدين وغيرهما.

٢ - أن يخرج الطالب في رحلات فردية وجماعية للدعوة والبلاغ.

50

٣ - أن يمارس الدعوة في أهله وعشيرته الأقربين والمجتمع.

٤ - أن يستخدم الطالب وسائل البلاغ والدعوة والإعلام.

٥ - أن يشارك في الندوات والمحاضرات والمحاورات والمناظرات والمؤتمرات الدعوية، وأن يسهم في إداراتها وتنظيمها.

٦ - أن يشارك في الجمعيات والمؤسسات والهيئات الدعوية، وأن يقدم نماذج ومشروعات عملية لتطويرها.

٧ - أن يقوم بالدعوة في صفوف غير المسلمين المقيمين في البلاد أو الزائرين لها.

٨ - أن يتابع أحوال الدعوة والدعاة في العالم ويقدم التقارير والبحوث والندوات والمحاضرات بشأن ذلك.

٩ - في مرحلة التخصص: يقوم الطالب بإقامة علاقات أخوية مع جميع أصحاب الدعوات الإسلامية الداعية إلى الكتاب والسنة، وذلك عن طريق

51

تقديم الهدايا والنصائح والمشاركة في مشروعاتهم الخيرية ومناسباتهم الاجتماعية، والعمل على التواصل وتضييق جوانب الخلاف.

١٠ - في مرحلة التخصص: يقيم الطالب المحاورات والمناظرات مع أئمة الضلال وأتباعهم لدحض شبهاتهم وأباطيلهم، واستنقاذهم من الضلال.

حادي عشر: حاضر العالم الإسلامي وحركات التجديد:

أولاً: في المرحلة العامة:

١ - أن يتعرف الطالب على جغرافية العالم الإسلامي.

٢ - أن يتعرف على العوامل التي أدت إلى سقوط الخلافة الإسلامية وظهور الدوريلات ذات النزعة القومية والشعوبية.

٣ - أن يتعرف على الحركات الشعوبية والقومية في العالم الإسلامي وأهدافها وأسباب ظهورها وأثارها السلبية على الأفراد والمجتمعات، وارتباطها بحركة الاستعمار.

٤ - أن يتعرف على صور وأساليب الغزو الفكري

52

والخلقي اليهودي والصليبي والإلحادي للعالم الإسلامي عبر المؤسسات الماسونية والتنصيرية والاستشراقية والأحزاب العلمانية وغيرها.

٥ - أن يتعرف على مظاهر التبعية السياسية والاقتصادية والتشريعية والتربوية والعسكرية والثقافية والاجتماعية للاستعمار في العالم الإسلامي.

٦ - أن يتعرف الطالب على سبل النهوض بالأمة الإسلامية في شتى جوانب الحياة.

٧ - أن يتعرف الطالب على أهم الاتجاهات والهيئات والحركات التجديدية الإسلامية: أهدافها، ووسائلها، وتأثيراتها.

٨ - أن يفهم الطالب أن وحدة المسلمين القائمة على الالتزام بالإسلام أهم سبل النهوض بالأمة الإسلامية.

٩ - أن يتعرف الطالب على مقومات الوحدة بين المسلمين.

١٠ - أن يفهم الطالب أن انهيار الاتحاد السوفياتي منذر بسقوط الحضارة الغربية.

53

ثانياً: في مرحلة التخصص:

١ - أن يدرس الطالب جوانب التكامل الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والعسكري في العالم الإسلامي.

٢ - أن يدرس الطالب الحركات الهدامة المحلية والعالمية وأهدافها ووسائلها وآثارها وكيفية مواجهتها.

٣ - أن يدرس الطالب مناهج بعض المفكرين الغربيين مقارنة منهج التفكير عند المسلمين.

٤ - أن يدرس الطالب المؤمرات على الإسلام والمسلمين من خلال عدد من القضايا الملتهبة في العالم الإسلامي مثل فلسطين، البلقان، الصومال، كشمير، وغيرها، والعوامل المؤدية للنصر.

٥ - أن يدرس الطالب أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي وآثاره الإقليمية والعالمية وكيفية الاستفادة من مخلفاته في نهضة المسلمين.

الصور التطبيقية:

١ - أن يتتبع الطالب أخبار المسلمين ويشارك في شرح وإيضاح واقع المسلمين من خلال إقامة

54

المعارض والندوات والمؤتمرات ونحوها.

٢ - أن يكتب الطالب أبحاثاً نظرية وميدانية تتعلق بواقع المسلمين ومستقبلهم.

٣ - أن يكتب الطالب مذكرات تعريفية بالشخصيات والهيئات التي تسعى لوحدة المسلمين وخدمة قضاياهم ويتعاون معهم.

٤ - أن يدعو بالكتابة والخطابة وبأي فعاليات أخرى لإقامة هيئات إغاثة إسلامية لدعم المسلمين المحتاجين، ويشارك في أعمالها.

٥ - أن يزور بعض المناطق الإسلامية ويتعرف على واقعها ميدانياً.

٦ - أن يزور بعض المراكز المتخصصة في دراسة أوضاع المسلمين الحالية والمستقبلية.

٧ - أن يشارك الطالب في الصحف والمجلات الإسلامية العالمية.

٨ - أن يشاهد بعض الأفلام والشرائح التي تعرف بواقع المسلمين.

٩ - أن يقوم بنماذج عملية لشركات ومؤسسات علمية

55

واقتصادية وصناعية وتقنية تسهم في نهضة المسلمين ورقيهم في ضوء معطيات العلوم التجريبية والأبحاث النظرية.

هذه - أخي القارئ الكريم - صورة جميلة لما ينبغي أن تكون عليه الدراسة في الجامعات الإسلامية، والدراسة - وإن طالت بهذا الاعتبار- فطولها هذا مثمر نافع، وما الذي استفدناه من مئات آلاف من المتخرجين الذين ما أفاد أكثرهم الأمة إفادة مرجوة صحيحة؟

٣ - والمثال الثالث الذي يحمل صبغة العالمية والقوة هو: كلية الدعوة في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد:

هذه الكلية تُعنى ببرامج التدريب عناية واضحة، وقد جاء في برنامجهم التعريفي مايلي:

(( التعليم والتدريب وظيفتان مهمتان من وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وبالتالي فإن كل معهد ومسجد ومدرسة أسس في تاريخنا كان الغرض منه أعم من مجرد إلقاء المعلومات أو ممارسة العبادات، لكن بالإضافة إلى هذين الارتقاء بالنوع الإنسانيَ بالتدريب (التربية) ... )).

وذكر المسؤولون عن هذه الكلية أن من أغراضهم - في جانب التدريب- ما يلي:

56

١ - وضع برامج تدريبية للأئمة، وقادة المجتمع وأمثالهم من أصحاب الوظائف الاجتماعية.

٢ - وضع مناهج حديثة وطرق للدعوة وتدريب الأئمة وقادة المجتمع وغيرهم.

٣ - الانفتاح على المجتمع، وذلك بالاعتناء بمصلي مسجد الملك فيصل القريب من الكلية، بوضع كتب أدب الأطفال، ووضع برامج انتساب للعامة، وأيضاً بالدراسات والأبحاث التي يجرونها، وغير ذلك.

ثم إنهم وضعوا برامج مفصلة لما سبق ذكره وغيره.

ومما يبدو- في ضوء العرض الذي عُرض- أن هذه الكلية لبنة جيدة في المجتمع، هذا وقد أنشئت منذ خمسة عشر عاماً، وهي مستمرة في العطاء، ومن أهدافها التعاون مع الجامعات والكليات المماثلة في العالم كله، نسأل الله لها التوفيق (١) (٢).

(١) PROGRESS REPORT: DA,WAH ACADEMI

(٢) هذا مستقى من تقرير مكتوب باللغة الإنجليزية حاولت ترجمته فأثبتُّ للقراء الكرام ملخصاً لأعمال كلية الدعوة فيما يختص بالجانب التدريبي موضوع هذا الكتاب.

57

ثالثاً: الاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة:

وذلك نحو الشبكات الداخلية الحاسوبية (الإنترانت) والشبكات الحاسوبية العامة (الإنترنت)، والقنوات الفضائية الإسلامية والثقافية الجادة، وقنوات الإذاعات المسموعة، فلو بثت كل تلك الوسائل المرئية والمسموعة مواد مبرمجة مرتبة عن كيفيات مختلفة متعددة للعمل الإسلاميّ بطرائق علمية مدروسة من كبار العلماء والمفكرين، لعاد ذلك بالخير العظيم على العمل الإسلامي في جميع بقاع الأرض.

إن تلك الوسائل تتميز بالانتشار الواسع مما يجعلها وسيلة جادة علمية لنقل الخبرة والتجربة إلى قطاع واسع من الجماهير المتعطشة للعمل الإسلامي العام الجادّ.

إن في أنحاء العالم كله جماهيرَ تتَحرق لتعرف كيف تدعو إلى الله تعالى، وكيف تُنشئ مؤسسات إعلامية إسلامية، وكيف تنشئ أو تساهم في إنشاء أعمال اقتصادية قائمة على مبادئ الإسلام، وهي متعطشة للمعرفة والثقافة الإسلامية الصحيحة النافعة، وهلمَّ جرّا، فكم إذاً يكون من المفيد أن نقدم لها البرامج التدريبية النافعة التي تساهم في تعميق الحس الإسلامي لديها، ومن ثم تحويله إلى قوة متمثلة في مؤسسات متعددة الأغراض تساهم في إنشاء المجتمع الإسلامي الصحيح.

58

إن الغفلة عن تلك الجماهير أورثت ضلالاً واضحاً في تصرفاتهم- وما مثال الجزائر عنا ببعيد - إذ لم يجدوا أمامهم إلا افهاماً مغلوطة وفتاوى جاهلة، أوردتهم موارد كانوا في غنى عنها، وتأخر العمل الإسلامي بسبب ذلك تأخراً واضحاً.

وإذا نظرنا اليوم إلى تعطش الجمهور لما يعرض في القنوات الفضائية من بعض البرامج الناجحة قرآنية كانت أو فكرية أو ثقافية، إذا نظرنا إلى هذا الأمر علمنا الحاجة الماسة إلى إلقاء برامج على الجمهور هي أمسُّ بحاجتهم وأقرب إلى واقعهم وآمالهم.

قضايا تُراعى في التدريب:

إن هناك عدداً من الاعتبارات التي يجب أن تراعى في العملية التدريبية حتى يضُمن لها النجاح، ويُرجى لها الفاعلية والقوة، فمن ذلك:

١ - إلقاء معلومات محصورة محددة كماً ونوعاً سهلةَ الحفظ والتطبيق:

هذه قضية على غاية من الأهمية؛ إذ المشكلة أن المقبل على قضايا الدعوة يجبد أن البون بينه وبين فهمها واستيعابها شائع، وعندما يريد ممارستها فإنه يعجز لكثرة ما يلقى عليه منها وتنوعه وشموله.

59

ففي هذه الحالة يحسن به وبمن معه ويجمل أن يؤخذ هذا المقبل بقضايا محددة يُدرب عليها وعلى تحملها واكتسابها، ولعل كثيراً من الإحباط واليأس الذي قد يطرا على الداعية المبتدئ إنما يكون بإغفال هذا الأمر المهم والقفز فوقه.

ولقد عرف أسلافنا أهمية الاقتصار على شيء محدد مفهوم بادئ الأمر والتزامه حتى يُعقل ويفهم، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من القوم؟ )) موسوعة الأحاديث ↗ أو (( من الوفد؟ )) قالوا: ربيعة.

قال: (( مرحباً بالقوم - أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى ))

فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مُضَر فمُرنا بأمر فَضل نخبر به مَن وراءنا وندخل به الجنة ... )).

فهذا الوفد المبارك العاقل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى طلبهم ونبَّههم إلى بعض أصول وفروع الشريعة (١).

(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحة: كتاب الإيمان: باب أداء الخمس من الإيمان.

60

ولما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً إلى اليمن قال له:

(( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم )) (١).

فهذه أمور متدرجة تدرجاً عقلياً صحيحاً، وهي في الوقت نفسه مطالب واضحة محددة كماً ونوعاً.

٢ - الوضوح في المهمة المطلوبة:

إن من المشكلات عند كثير من الدعاة هو عدم فهمهم للمهمة الملقاة على عاتقهم، وعدم معرفتهم بحدود مسؤولياتها في كثير من الأحيان، فتجد الشخص يريد أن يدعو إلى الله تعالى ويتحمس لذلك أشد الحماس لكنه لا يعرف كيف يبدأ ولا متى يبدأ، ولم يجد أحداً يوضح له الطريق على وجه تفصيلي دقيق.

(١) الحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه، وقد أطال ابن القيم رحمه الله تعالى النفس في إثبات صحته، وذكر أيضاً أنه مشهور يستغني بشهرته عن طلب الإسناد له، والله أعلم. انظر: (( إعلام الموقعين )): ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.

61

ولما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً إلى اليمن لم يَرْض إلا أن يستخبر منه كيف يقضي، فقال له:

(( كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ )) قال: بما في كتاب الله.

قال: (( فإن لم يكن في كتاب الله؟ )) قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال: (( فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ )) قال أجتهد رأيي، لا آلو (١).

قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدري، ثم قال: (( الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يرضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )) (٢).

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل معاذا لمهمة محددة بعد أن علَّمه ماذا يصنع، وكيف يعمل إن عرض له أمر يقتضي منه التصرف، فهذا هو عين الحكمة وكمالها، وهو في الوقت نفسه غاية الوضوح والظهور.

أذكر أن أحد الأشخاص أراد أن يدعو إلى الله تعالى، ولما سأل أحد الدعاة الآخرين أشار عليه بأن يذهب

(١) أي لا أقصر.

(٢) سبق تخريجه.

62

إلى فلان الداعية فهو الذي يعرف كيف يدُعى إلى الله تعالى، ولما ذهب إلى ذلك المشار إليه أخبره أنه لا يكاد يعرف شيئأً عن تفصيلات وكيفيات الدعوة، وهكذا ظل صاحبنا في حلقة مفرغة لا يعرف كيف يخرج منها، وهو وإن قصر في البحث والتنقيب لكن تبقى مسؤولية الداعية القديم في الإرشاد والتوجيه الواضحين.

وآخر في جمعية خيرية طُلب منه أن يشارك في نشاطها، فلما سأل: كيف أصنع؟ قيل له: تصرف! فذكر أنه ليس عنده خبرة، فقيل له: الخبرة تُدرك بالعمل ... إلى آخر هذه العبارات التي لا تغني في الحقيقة شيئاً، ولا تفيد العمل الدعويّ الخيريّ التطوعيّ في شيء، وتعود على الشخص بأسوأ الأثر إلا أن يتدراكه الله برحمة منه وفضل.

وذهب داعية مبتدئ غافل عن وسائل الدعوة وطرائقها إلى داعية قديم يرجو عنده الرُّشد والدلالة، فجرى بينهما الحوار الآتي:

- أنا أعمل في دائرة كذا وأحتاج إلى مساعدة بعض الدعاة حتى نحقق ما يرضي الله عنا ونساهم في عودة الناس إلى الله.

- الأمر سهل، ولا يحتاج إلى معونة أحد، فابذل جهدك.

63

- كيف وقد تكاثرت علي الأعمال ولا أجد عوناً ولا نصيراً، وأنا كذلك لا أعرف الطريقة المناسبة للدعوة، فأنا مبتدئ.

- إن لم تستطع الدعوة فاتركها في تلك الدائرة.

- لكنك تعرف من يستطيع مساعدتي، وأنا أرجو بهم أن أحقق مكاسب دعوية إيمانية ثمينة، والناس مقبلون على الخير.

- لقد أضجرتني، ما عندي إلا ما قلته لك، فإما أن تدعو منفرداً وإما أن تترك، هذا ما عندي ولا تعد إلى هذا الموضوع.

والمصيبة هاهنا الداعية المقبل كان يرجو أ، يلقى العون ممن سأله إياه، لكنه وُوجه بهذا الصدِّ فقضى على آماله ورغبته في الدعوة، وهذا إن لم يتداركه الله بفضل منه ورحمة يحصل له ما لا تُحمد عقباه.

وهذا الداعية المقصود عوض أن يدرب السائل أو يرشده أو يعاونه واجهه بهذا الصدِّ المنكر الذي لا يغني في الحقيقة شيئاً ولا يثمر نفعاً.

64

المبحث الثاني

تأصيل التدريب من الكتاب

والسنة وعمل السلف الصالح

المطلب الأول: تأصيل التدريب من صنيع الله تعالى مع أنبيائه ورسله

إن الله تبارك وتعالى أرسل رسلاً إلى أقوامهم، وأمرهم بالإنذار والتبشير، وعلم سبحانه أن هؤلاء الرسل سيواجهون شدائد ومصاعب، وسيقف الطغاة في وجوههم، وأنهم سيكونون في حاجة ماسة إلى معونة من لدنه تبارك وتعالى تساعدهم في مهمتهم الشاقة الجسمية.

والمتأمل لصنيع الله تعالى مع أنبيائه -مما نقرأه في كتاب الله تعالى أو مما نعمله من سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - يعجب لهذا الإعداد الدقيق والتدريب العميق، ويستفيد بذلك أهمية أن يتدرب على أمور كثيرة اقتداءً بهذا الصنيع الإلهيّ

65

العجيب؛ إذ أن هذه الأخبار التي وصلت إلينا المراد منها الاقتداء والاتعاظ، وحاولة الاستفادة منها في واقعنا المعاصر، مع ما يراد من سوقها إلى الناس من التعبد بها إن كانت آيات كريمات.

هذا ومن طرائق التدريب التي وقفت عليها ما يلي:

أولاً: جعلهم رعاة للغنم:

وذلك كي يسوسوا بعد ذلك أممهم كما تُساس الغنم بالصبر والجَلَد عليها:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

(( ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم )) موسوعة الأحاديث ↗. فقال أصحابه: وأنت؟

قال: (( نعم، كنت أرعاها على قراريط (١) لأهل مكة )) (٢)

(١) القيراط: معيار في الوزن وفي القياس، اختلف مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو اليوم في الوزن أربع قمحات، وفي وزن الذهب خاصة ثلاث قمحات. وفي القياس جزء من أربعة وعشرين، وهو من الفدان يساوي ١٧٥ متراً: (( المعجم الوسيط )): ق ر ط.

(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحة: كتاب الإجازة: باب رعي الغنم على قراريط.

66

قال ابن حجر (١) رحمه الله تعالى:

(( قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلَّفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعتها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كُلفوا القيام بذلك من أو وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم. وخُصت الغنم بذلك لكونها أضعفَ من غيرها، ولأن

(١) أحمد بن علي بن محمد، الأستاذ إمام الأئمة، أبو الفضل الكناني العسقلاني المصري الشافعي، ويعرف بابن حجر وهو لقب لبعض آبائه. ولد سنة ٧٧٣ بمصر القديمة، ونشأ بها يتيماً، وجدَّ في العلوم المناصب كالقضاء والحسبة والإمامة. توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة ٨٥٢. انظر (( الضوء اللامع )): ٢/ ٣٦ - ٤٠.

67

تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها (١) في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقياداً من غيرها ... )) (٢).

ثانياً: العزلة قبل البعثة:

إن الأمور العظيمة الضخمة تحتاج إلى تهيئة وإعداد كبيرين قبل الإقدام عليها، ومن ذلك الإعداد العزلة الوقتية التي يحتاجها كل من يريد أن يجمع شتات أمره، ويحزم أمره، ويصل على أمر فاصل ورأي ناضج فيما يريد أن يقدم عليه.

والله تبارك وتعالى عليم أن نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - مقدم على أمر عظيم جليل خطير، فحبَّب إليه العزلة ورغَّبه فيها، فكان يتعبد بحراء ليالي ذوات عدد، منفرداً وحيداً قبل أن يَفْجَأه جبريل عليه السلام بالرسالة العظيمة.

قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى:

(( وكان اختياره - صلى الله عليه وسلم - لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم. ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه، ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها

(١) أي دون الغنم.

(٢) (( فتح الباري )): ١٠/ ٥ - ٦.

68

الصغيرة؛ ويفرغ لموحيات الكون، ودلائل الإبداع؛ وتسبح روحه مع روح الوجود؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم.

ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض، وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة.

لابد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة؛ فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره. أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع!

وهكذا دبَّر الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهو يعدُّه لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ .. دبَّر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات. ينطلق في هذه العزلة شهراً من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد

69

التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله )) (١).

وهذا موسى عليه الصلاة والسلام يأمره ربه بالاستعداد للقائه بالاعتزال أربعين يوماً.

قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى:

(( كانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة أضيفت إليها عشر، فبلغت عدَّتها أربعين ليلة يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود، وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق فيها في الخالق الجليل، وتصفو روحه وتستشف وتستضيء، وتتقوى عزيمته على مواجهة الموفق المرتقب وحمل الرسالة الموعودة )) (٢).

ثالثاً: الصلاة الطويلة الشاقة نحو قيام الليل:

إن الله تبارك وتعالى أعدَّ نبيه - صلى الله عليه وسلم - للمهمات الثقيلة التي سيقبل عليها بقيام الليل والتطويل فيه، وبالتدريب على المشاق التي تخالط هذا القيام حتى يستطيع أن يواجه أعباء الدعوة بعد ذلك وهو قد اعتاد المشاق وتدرَّب على تذليل الصعاب.

قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى شارحاً قوله تعالى:

(يا أيها المزمل * قم الليل إلا قيلاً * نصفه أو أنقص منه

(١) (( في ظلال القرآن )): ٦/ ٣٧٤.

(٢) المصدر السابق: ٣/ ١٣٦٧.

70

قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً).

قال: (( قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم (( قم ))، فقام، وظل قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً! لم يسترح، ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله، قام وظل قائماً على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به: عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى.

حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها، حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر، بل معارك متلاحقة مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها، قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء، وتطلل مساحات أخرى.

ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعدّ لهذه الأمة الجديدة وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية.

71

وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولى - معركة الضمير - قد انتهت؛ فهي معركة خالدة، الشيطان صاحبها؛ وهو لا يني لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - قائم على دعوة الله هناك - وعلى المعركة الدائبة في ميادينها المتفرقة - في شظف من العيش والدنيا مقبلة عليه، وفي جهد وكدِّ والمؤمنون يستروحون من حوله ظلال الأمن والراحة، وفي نصب دائم لا ينقطع، وفي صبر جميل على هذا كله، وفي قيام الليل، وفي عبادة لربه، وترتيل لقرآنه وتبتل إليه، كما أمره أن يفعل وهو يناديه: (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قيلاً * نصفه أو أنقص منه قيلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً * إن لك في النهار سبحاً طويلاً * وأذكر إسم ربك وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فأتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا).

وهكذا قام محمد - صلى الله عليه وسلم - وهكذا عاش في المعركة الذائبة المستمرة أكثر من عشرين عاماً، لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد، منذ أن سمع النداء العلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب، جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء ...

(يا أيها المزمل * قم) .. إنها دعوة السماء، وصوت

72

الكبير المتعال، قم .. قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للجهد والنصب والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.

إنها لكلمة عظيمة رهيبة تنتزعه - صلى الله عليه وسلم - من دفء الفراش، في البيت الهادئ والحضن الدافئ لتدفع به في الخِضمّ، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء.

إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً، ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً. فأما الكبر الذي يحمل هذا العبء الكبير فما له والنوم؟ وما له والراحة؟ وماله والفراش الدافئ، والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح؟!

ولقد عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقيقة الأمر وقدّره، فقال لخديجة رضي الله عنها وهي تدعوه أن يطمئن وينام: (( مضى عهد النوم يا خديجة ))! أجل .. مضى عهد النوم وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق!

(يا أيها المزمل * قم الليل إلا قيلاً * نصفه أو أنقص منه قيلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً).

إنه الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة: قيام الليل، أكثره: أكثر من نصف الليل ودون

73

ثلثيه، وأقله: ثلث الليل. وكان هذا الإعداد للقول الثقيل الذي سينزله الله عليه:

(إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)

هو هذا القرآن وما وراءه من التكليف، والقرآن في مبناه ليس ثقيلاً فهو ميسر للذكر، ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل في أثره في القلب: (لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) فأنزله الله على قبل أثبت من الجبل يتلقاه ..

وإن تلقي هذا الفيض من النور والمعرفة واستيعابه لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

وإن التعامل مع الحقائق الكونية الكبرى المجردة لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

وإن الاتصال بالملأ الأعلى وبروح الوجود وأرواح الخلائق الحية والجامدة على النحو الذي تهيأ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

وإن الاستقامة على هذا الأمر بلا تردُّد ولا ارتياب، ولا تلفُّت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب والمعوقات لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

وإن قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غَبَش الحياة اليومية وسِفْسافها؛ والاتصال بالله، وتلقي فيضه

74

ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة؛ واستقبال وإشاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي .. إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير.

(إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا).

(إن ناشئة الليل) هي ما ينسأ منه بعد العشاء؛ والآية تقول: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا) أي أجهد للبدن، (وأقوم قيلا): أي أثبت في الخير كما قال مجاهد، فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش، بعد كدِّ النهار أشد وطأً وأجهد للبدن؛ ولكنها إعلان لسيطرة الروح، واستجابة لدعوة الله، وإيثار للأنس به، ومن ثَمّ فإنها أقوم قيلاّ؛ لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها. وإنها لتسكب في القلب أنساً وراحة وشفافية ونوراً، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره، والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً

75

واستعداداً وتهيؤاً، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيراً فيه.

والله سبحانه وهو يعد عبده ورسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليتلقى القول الثقيل، وينهض بالعبء الجسيم اختار له قيام الليل؛ لأن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً، ولأن له في النهار مشاغله ونشاطه الذي يستغرق كثيراً من الطاقة والالتفات ... )) (١).

وهذا الذي درب الله تعالى أنبياءه عليه صالح لأن يدرب عليه الدعاة والصالحون إلى آخر الزمان، فالمنهج واحد والعقبات متشابهة متقاربة، وقد بين الأستاذ سيد رحمه الله تعالى هذا الأمر أحسن تبيين في تفسيره لقوله تعالى (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) (٢) حيث قال رحمه الله تعالى:

(( هذا هو الزاد، اذكر اسم ربك في الصباح والمساء، واسجد له بالليل وسبحه طويلاً، إنه الاتصال بالمصدر الذي نزل عليك القرآن وكلفك بالدعوة، هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد: الاتصال به ذكراً وعبادة ودعاء وتسبيحاً ليلاً طويلاً، فالطريق طويل والعبء ثقيل ولا بد

(١) (( في ظلال القرآن )): ٦/ ٣٧٤٢ - ٣٧٤٦ بتصرف.

(٢) سورة الإنسان: الآيتان ٢٥ - ٢٦.

76

من الزاد الكثير والمدد الكبير، وهو هناك حيث يلتقي العبد بربه في خلوة وفي نجاء، وفي تطلع وفي أنس، تفيض منه الراحة على التعب والضنى، وتفيض منه القوة على الضعف والقلة، وحيث تنفض الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل، وترى عظمة التكليف وضخامة الأمانة فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق.

إن الله رحيم كلف عبده الدعوة ونزل عليه القرآن، وعرف متاعب العبء وأشواك الطريق، فلم يدع نبيه - صلى الله عليه وسلم - بلا عون أو مدد، وهذا هو المدد الذي يعلم سبحانه أنه هو الزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في تلك الطريق الشائك، وهو هو زاد أصحاب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل، فهي دعوة واحدة، ملابساتها واحدة، وموقف الباطل منها واحد، وأسباب هذا الموقف واحدة ووسائل الباطل منها واحد، وأسباب هذا الموقف واحدة، ووسائل الباطل هي ذاتها وسائله، فلتكن وسائل الحق هي الوسائل التي علم الله أنها وسائل هذا الطريق.

والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيه أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى - صلى الله عليه وسلم -، هي أن التكليف بهذه الدعوة ينزل من عند الله فهو صاحبها، وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار؛ فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم أو الالتقاء في منتصف الطريق

77

بين القائم على الحق والقائمين على الباطل، فهما نهجان مختلفان وطريقان لا يلتقيان.

فأما حين يغلب الباطل قوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم لحمة يراها الله، فالصبر حتى يأتي الله بحكمه، والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح ليلاً طويلاً هي الزاد المضمون لهذا الطريق.

إنها حقيقة كبرى لا بد أن يدركها ويعيش فها رواد هذا الطريق )) (١).

رابعاً: التدريب على مواجهة الطغاة:

إن الله تعالى كلف رسله عليهم الصلاة والسلام الإبلاغ والإنذار، وساعدهم على هذا بمعجزات وأسعفهم بآيات بينات، ولقد أعد الله تعالى بعض أنبيائه فتربوا على التعامل مع هذه المعجزات.

وليس أعظم ولا أدل على هذا من قصة موسى عليه الصلاة والسلام، فالله تبارك تعالى أرسله إلى أمتي القبط وبني إسرائيل، وهي مهمة صعبة ولا شك، كلن الله تعالى أعانه فدرَّبه قبل الرسالة وأثناءها، إذ مرَّت عليه أحداث جسام قبل الرسالة صقلته وهيَّأته، ولعل أبرز ما هيَّاه الله

(١) (( في ظلال القرآن )): ٦/ ٣٧٨٥ - ٣٧٨٦.

78

تعالى به السنوات التي قضاها عند شعيب عليه الصلاة والسلام

ثم إن الله تعالى اصطفاه في مشهد مهيب بطريقة لم تتكرر في عظمتها ومهابتها وقوَّتها لنبي آخر، وكان في هذا حكماً كثيرة، منها - والله أعلم - تدريبه ليواجه هيبة فرعون وصورته التي تصوَّر عليها من العظمة والطغيان.

ثم إن اله تعالى درَّبه على موجهة فرعون تدرياً كافياً شاملاً للمهمة التي أرسله من أجلها جلَّ جلاله، والمتأمل لقصته في كتاب الله تعالى يعلم هذا، فقد قال جلَّ جلاله:

(وما تلك بيمينك ياموسى * قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى * قال ألقها ياموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى * وأضمم يدرك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ءاية أخرى * لنريك من ءايتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون إنه طغى) (١).

أليس إلقاؤه العصا وتحوّلها إلى حية أمام ناظريه نوعاً من التدريب على مواجة رهبة الموقف قبل حدوثه،

(١) سورة طه: الآيات ١٧ - ٢٤.

79

وكذلك الحال - أيضاً - في ضم موسى يدَه إلى جناحه وظهور عظيم بياضها ونورها الآدم شديد السمرة - صلى الله عليه وسلم -.

والله تبارك وتعالى كان قادراً على تثبيت موسى لأول وهلة، لكن من الحكم في هذا الصنيع هو أن ندرك أن الله سنناً في كونه يجب احترامها والتدريب على التعامل معها.

ثم إن الله تعالى جرَأ نبيَّه موسى عليه الصلاة والسلام على مواجهة الطاغية وماذا يقول له وكيف يرد، فقال:

(فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى) (١).

وطمأنه تعلى بقوله: (إنني معكما أسمع وأرى) (٢)، (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بئاياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) (٣).

فهل بعد هذا التدريب تدريب؟!

خامساً: مواقف مختلفة:

ومن المواقف التدريبية في كتاب الله تعالى - أيضاً - ما علمه رسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - من كيفية الإجابة على الأسئلة المستقبلية، فمن ذلك:

(١) سورة النازعات: الآيتان ١٩،١٨.

(٢) سورة طه: آية ٤٦.

(٣) سورة القصص: آية ٣٥.

80

(سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (١).

(سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخدوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا * قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليما) (٢).

وهذه الإجابات على الأسئلة المستقبلية فيها تثبيت وطمئنان، وفيها تدريب على مواجهة المواقف الحرجة الصعبة.

ومن ذلك ما جاء في قضية داود عليه السلام، فقد أرشده الله تعالى وبيَّن له كيف يصنع الدروع حتى يتدرب عليها ويحسن صنعها، فقال جل من قائل:

( .. وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد وأعملوا صالحاً) (٣).

(١) سورة البقرة: آية ١٤٢.

(٢) سورة الفتح: آية ١٦،١٥.

(٣) سورة سبأ: آية ١٠.

81

والمعنى: ألنَّا له الحديد فجعلناه في يده كالعجين يصرفه كيف يشاء، من غير نار ولا ضرب مِطرَقة، وأمرناه بعمل دروع سابغات، والسَّرْد: نَسْجُ كل ما يخشن ويغلظ، واستعير هنا لنظم الحديد وعمله دروعاً. ومعنى: (وقدر في السرد) أي: اجعل حلقها على مقاديرَ متناسبة، وقيل: لا تعمل الحلقات صيرة فتضعف فلا يقوى الدرع على الدفاع، ولا كبيرة فيُنال صاحبها من خلالها. وقد علَّمه الله تعالى كيف يصنع هذه الدروع على هيئة حِلَق، وإلا فقد كانت تصنع قبل ذلك صفائح (١)، فسردها وخَلّقها داود عليه السلام فجمعت بين الخفة والتحصين (٢).

وقيل أن الله تعلى علَّم داود عليه السلام صنعة الدروع وما كانت تعرف قبل ذلك (٣)، ولعل على هذا يدل قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبؤس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) (٤).

(١) انظر (( روح المعاني )): ٢٢/ ١١٤ - ١١٥ بتصرف يسير.

(٢) المصدر السابق: ١٧/ ٧٧.

(٣) المصدر السابق: ١٧/ ٧٧.

(٤) سورة الأنبياء: آية ٨٠.

82

المطلب الثاني: تأصيل

التدريب من السنة المطهرة

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصاً على تبليغ الدين على أتمِّ وجه، وقد صنع بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -، وفي سبيل ذلك كان حريصاً على عدة أمور، منها:

أن يدرب أصحابه رضي الله تعالى عنهم على أعمال متنوعة ليحسنوا قيادة الأمة من بعده - صلى الله عليه وسلم -.

هذا وإن هناك عدداً وافراً من المواقف التدريبة في سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يظهر معها بوضوح مدى العناية الفائقة التي أولاها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهذه المسألة المهمة، ويظهر معها - أيضاً - عظمة هذا الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان؛ فمن تلك المواقف:

١ - تدريب الصحابة على الدعوة وطرائقها

لما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا إلى اليمن علَّمه كيف يصنع، ودربه على الكلام مع القوم الكافرين فقال - صلى الله عليه وسلم

83

(( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم )) (١).

ففي هذا الحديث تدريب لمعاذ على مواجهة أهل اليمن، وفي صحيح مسلم أنه قال له - صلى الله عليه وسلم (( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب )) (٢) فوصفهم له - صلى الله عليه وسلم - حتى يكون على معرفة بمن سيقدم عليهم، ولأن أهل الكتاب يُفترض أن يكونوا أكثر قبولاً للدعوة من غيرهم من الوثنيين.

هذا، وقد دربه - أيضاً - على التدرج في الدعوة، إ لا فائدة من دعوة قوم إلى فروع وهم عن الأصول غافلون، ولا فائدة من دعوتهم إلى أصل كان غيره أولى منه وأجدر بالدعوة إليه.

٢ - تدريب الصحابة على القضاء والفتوى

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعهد إلى بعض الصحابة بالقضاء

(١) أخرجه البخاري في صحيحة: كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة.

(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحة: كتاب الإيمان: باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام والصلاة والصدقة.

84

والفتوى (( على أنَّا نعلم أن فتاوى الصحابة لم يكن القصد منها إلا التمرين على الاجتهاد )) (١)، وذلك لأنه ليس لأحد أن يفتي أو يقضي بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الغرض هو تدريب الصحابة رضي الله عنهم على شؤون القضاء والفُتيا بحضرته - صلى الله عليه وسلم -.

فعن عقبةَ بن عامر الجهني (٢) رضي الله تعالى عنه قال: جاء رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خصمان، فقال: (( اقضِ بينهما ))، قال: أنت أولى بذلك مني يارسول الله، قال: (( وإن كان )) قال: فإذا قضيت بينهما فما لي؟ قال: (( إن كنتَ قضيت بينهما فأصبحت القضاء فللك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة )).

ومثل هذا - أيضاً - جاء عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (٣).

(١) (( الفكر السامي )): ١/ ١٧٣.

(٢) صحابي مشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوال أشهرها أنه أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية رضي الله تعالى عنهما ثلاث سنين، وكان فقيهاً فاضلاَ. مات في قرب الستين. انظر (( التقريب )): ٣٩٥.

(٣) انظر (( مجمع الزوائد )): ٤/ ١٩٨، وقال عن حديث عقبة: (( روى الإمام أحمد بإسناد رجاله الصحيح إلى عقبة بن عامر ... )).

85

وفي قضاء عقبة وعمرو رضي الله عنهما بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدريب على القضاء بحضرته وتعليم.

وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: (( بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟! فقال: (( إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء ))، قال: فما زلت قاضياً، أو: ما شككتُ في قضاءٍ بعدُ )) (١)

ولا ينسى في هذا المقام أمره - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ أن يحكم في يهود بني قريظة بحضرته - صلى الله عليه وسلم -، فلما حكم فيهم حكمه الشهير المعروف، صوب حكمه، وهذا نوع من التدريب والتعليم.

(١) أخرجه الإمام أبو داود في سننه: كتاب القضاء: باب كيف القضاء، وقال المنذري: أخرجه الترمذي مختصراً، وقال: حديث حسن، انظر (( عون المعبود )): ٩/ ٤٨٧ - ٥٠٠، وانظر كذلك: (( الفتح الرباني )): ١٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩،٢١٣. والحديث صحيح إن شاء الله.

86

٣ - تدريب الصحابة على إدارة بعض شؤون دنياهم

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدرِّب الصحابة على إدارة بعض شؤون دنياهم حتى يكتفو ويبتعدو عن ذلِّ الحاجة والقلة، فمن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رجلاً من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله، فقال: (( أما في بيتك شيء؟ )).

قال: بلى، حِلْسّ (١) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقَعْبٌ (٢) نشرب فيه الماء.

قال: (( ائتني بهما )).

قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده وقال: (( من يشتري هذين؟ ))

قال رجل: أنا آخذهما بدرهم.

قال: (( من يزيد على درهم؟ )) مرتين أو ثلاثاً.

قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاريِّ وقال: (( اشترِ بأحدهما

(١) أي كساء غليظ يلي ظهر البعير تحت القتب، انظر (( عون المعبود )): ٥/ ٥٣.

(٢) أي: قدح. المصدر السابق.

87

طعاماً فأنبذه (١) إلى أهلك واشترِ بالآخر قدوماً (٢) فأتني به )).

فأتاه به فشدَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عوداً بيده، ثم قال له: (( اذهب فاحتطب وبِع، ولا أرينَّك خمس عشر يوماً ))، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصابَ عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم (( هذا خير لك من أن تجيء المسألة نُكتةً في وجهك (٣) يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدقِع (٤)، أو لذي غُزمٍ مُفظِع (٥)، أو لذي دم موجع (٦) (٧).

(١) أي: اطرحه. المصدر السابق.

(٢) أي: فأساً. المصدر السابق.

(٣) أي: لها أثر كالنقطة القبيحة. المصدر السابق.

(٤) أي: شديد يفضي بصاحبه إلى الدقعاء وهي التراب. المصدر السابق.

(٥) أي: فظيع وثقيل. المصدر السابق.

(٦) أي: قتل يوجع القاتل أو أولياءه بأن تلزمهم الدية وليس عندهم ما يؤدونها به. المصدر السابق.

(٧) الحديث أخرجه الإمام أبو داود في سنته: كتاب الزكاة: باب ما تجوز فيه المسألة، وأخرجه الترمذي وقال: حسن. انظر المصدر السابق.

88

ففي هذا الحديث تعليم من النبي - صلى الله عليه وسلم - وتدريب لهذا الصحابي الكريم رضي الله عنه، بل هو تعليم وتدريب لك الأمة من بعده، وإرشاد لها إلى الأخذ بأسباب العلم والتدريب للرقي بالأمة إلى المجد والعلياء.

89

المطلب الثالث:

تأصيل التدريب من عمل السلف

الصالح رضي الله عنهم ومن تبعهم

قد كان للصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم من صدر هذه الأمة أعمال في التدريب على شؤون العمل الإسلاميّ، وتبعهم على ذلك جماعات من الخلف كانت لهم أياد بيضاء في هذا الباب، فمن تلك النماذج:

١ - تدريب عمر أبا موسى الأشعري رضي الله عنهما وشريحاً على القضاء:

هذا عمر رضي الله تعالى عنه يدرب شريحاً (١) على القضاء قائلاً:

(١) شريح بن الحارث بن قيس الكوفي النَّخَعي القاضي، أبو أمية. ثقة، مخضرم، وقيل: له صحبة. مات قبل الثمانين أو بعدها، وله مائة وثمان سنين أو أكثر. يقال: حكم - أي قضى - سبعين سنة. انظر (( تقريب التهذيب )): ٢٦٥.

90

(( اقض بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعمل كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح )) (١)

وفي تفصيل أطول وتدريب أوسع بيَن عمر لأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما أصول القضاء فكان فيما قاله له:

(( ... آسِ الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حِيْفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرّم حلالاً، ومن ادَّعى حقاً غائباً أو بينة فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بيّنه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعلماء، ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإنّ الحق قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل،

(١) (( إعلام الموقعين )): ١/ ٢٠٤.

91

والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرَّباً عليه شهادة الزور أو مجلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان.

ثم الفهمَ الفهمَ فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال (١) ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة ... فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ... )) (٢).

٢ - تدريب عمر رضي الله تعالى عنه الناس على القوة والاخشيشان

قد كانت حال الفاروق معروفة في هذا الباب، لكنه لم يكتف بحاله بل أراد حمل الناس على أن يكونوا أقوياء فيهم خشونة الرجال وقوتهم، فها هو يقول لأهل الشام:

(( ائتزروا وارتدوا (٣)، وانتعلوا وألقوا الخفاف، وارموا الأغراض (٤)، وألقوا الُّركُب وانزوا نزواً على الخيل (٥)، وعليكم بالمَعَدِّيَّة (٦)، ودعوا التنعم وزي العجم ... )).

وقال أيضاً لأهل حمص:

(( علِّموا أولادكم الرماية والفروسية والسباحة ... وتمعددوا (٧)، واخشوشنوا، واستقبلوا حر الشمس بوجوهكم، وارموا

(١) أي: المتماثلات.

(٢) المصدر السابق: ١/ ٨٥ - ٨٦.

(٣) أي: البسوا الإزار والرداء.

(٤) أي: تدربوا على إصابة الهدف.

(٥) أي: لا تستعينوا بشيء على ركوب الخيل بل اقفزوا عليها قفزاً.

(٦) (٧) نسبة إلى معدِّ بن عدنان وكان خشناً.

(٧) (( أثر الإسلام في تكوين الشخصية الجهادية )): ١٠٢ - ١٠٣. وقد نقل المصنف عن عيون الأخبار لابن قتيبة.

92

الأغراض، وانزوا على الخيل نزواً )) (١).

٣ - التدريب على قراءة القرآن العظيم

كان جبريل ينزل بالقرآن العظيم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيتعلم منه كيفية نطقه وتجويده، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّم الصحابة كيفية نطق القرآن العظيم وتجويده، وجهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تعليم التابعين وتدريبهم على كيفية نطق القرآن العظيم وتجويده، وكان عدد منهم رضي الله تعالى عنهم قد تفرَّغوا لهذه المهمة الجليلة، منهم: الفاروق عم وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم

(١)

93

رضي الله تعالى عنهم، وأخذ عنهم التابعون وأقرأوا تابعيهم .. وهلمَّ جرّا.

وهذا أبو الدرداء (١) رضي الله تعالى عنه، كانت له طريقة فريدة يعلِّم بها الناس القرآن، وذلك بجامع دمشق، فكان إذا صلَّى الفجر اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريف، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع على عريفه، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك.

وكان عدة من يقرأ في المسجد ألفاً وستمائة ونيفاً، فإذا أحكم واحد منهم القراءة ترك عريفَه وقرأ على أبي الدرداء (٢).

فهذه الطريقة الفريدة في التدريب على قراءة القرآن العظيم مما يحسن ذكره هاهنا في التأصيل لأهمية التدريب وبيان أخذ أسلافنا به على وجه حسن.

(١) عويمر بن زيد الأنصاري الخزرجي، حكيم هذه الأمة، وأحد الذين جمعوا القرآن حفظاً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا خلاف. ولي قضاء دمشق، وكان من العلماء الحكماء. توفي سنة٣٢ رضي الله عنه انظر (( غاية النهاية )): ١/ ٦٠٦ - ٦٠٧.

(٢) المصدر السابق.

94

٤ - التدريب على قضايا علمية منوعة

ثم إنه كان في سلف هذه الأمة وخلفها رجال عظماء وعلماء كبراء حرصوا على أن يكون لهم تلاميذ يقتفون أثرهم من بعدهم وينسجون على منوالهم، فعلَّموهم ودرَّبوهم، وهذا مأثور معروف، فقد كان لأبي حنيفة رحمة الله تعالى أصحاب يتعلمَّون منه ويتدرَّبون، وكذلك كان للإمام مالك والشافعي وأحمد، وكثير غيرهم من أئمة الهدى ورؤوس الرشاد.

وعلى هذا درج السلف والخلف، وظهر ما يسمى بالمعيد، وهو الذي تدرَّب على إعادة الدرس بعد الشيخ للطلبة، وبرزت المدارس الفقهية الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وهي - على الحقيقة - حلقات علم وتدريب على أصول المذهب وكيفية الاستنباط بموجب تلك الأصول، وكان المشايخ يدربون طلابهم على الاستنباط والتصنيف، وكانوا يشجعوهم على مناقشة الآراء الفقهية بجرأة وقوة حتى تتكون عند أولئك الطلاب الملكات الفقيهة المهمة.

وهناك بعض العلوم لا تفهم إلا بالتدريب والمشافهة كالتجويد والقراءات، وأصول الفقه والمنطق والفلسفة، وقد كان التدريب علامة بارزة في هذه الحقول العلمية، وقد ذكر بعض الأئمة في بعض كتبهم جوانب من التطبيقات والتدريبات على بعض مطلوبات الشارع الحكيم في جانب

95

الزهد والرقائق، منها - على سبيل المثال -التدريب على التأثر بقراءة القرآن الكريم، فقد قال الإمام النووي (١) مدرباً على البكاء والتأثر عند قراءة القرآن:

(( وطريقة تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها، فإن لم يحضره عند ذلك حزن وبكاء فليبك على فقد ذلك فإنه من المصائب )) (٢).

نماذج من المربِّين المدرِّبين

١ - قال الأستاذ عبد البديع صقر، رحمه الله تعالى:

(( عرفنا في مصر شيخاً ممن يُقتدي بهم كان من عادته أن يلتقي بتلاميذه من الشباب في رحلات تستمر يوماً أو بعض يوم، فإن لم يتيسر ذلك ففي لقاءات داخل المدينة.

يصلي بهم صلاة طويلة مظمئنة يقرأ فيها من طوال

(١) يحيى بن شرف بن مُرِّي، الإمام المشهور. توفي سنة ٦٧٦ عن ٤٤ سنة رحمه الله تعالى. له عدد من المصنفات النافعة، وقد كان على حال من المجاهدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس لها نظير. انظر ترجمته في (( وفيات الأعيان )): ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٨.

(٢) (( أسس في الدعوة ووسائل نشرها )): نقلاً عن المجموع ٤٧، (( شرح المهذب )): ٢/ ١٧٩.

96

المفصِّل من آيات القرآن، ثم يقدمهم تباعاً للإمامة، يدرِّبهم تدريباً فيهم الثقة بأنفسهم، ويضطرهم - من بَعْدُ - للحفظ والتجويد، ويتناولون طعاماً مشتركاً، وأثناء تناول الطعام يذكر لهم ما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آداب الطعام والشراب.

ويقوم وإياهم بتدريبات رياضية يذكرهم خلالها بما ورد في آداب الرمي والسباق والقوة والجهاد.

يجلس معهم جلسات روحية للذكر والتدبر وتلاوة القرآن، تتخللها - أحياناً - القصص المشوقة والحكايات اللطيفة، ويغلب فيها التأثر والبكاء من خشية الله - أحياناً - حتى ترقَّ القلوب.

ويدعوهم لقيام الليل بالعبادة فرادى أو جماعات ويكون هو أسبقهم لذلك.

ويدربهم على أساليب الخطابة والدعوة مع نقد متبادل للخطباء بعضهم لبعض حتى يفك عقدة ألسنتهم ويعطيهم الخطوة الأولى لتصدر الجماهير )) (١).

٢ - الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى:

كان من ميزات هذا الإمام المجدد الكثيرة أنه مُربِّ

(١) (( كيف ندعو الناس )): ١٢٤ - ١٢٥.

97

مدرِّب، وفي حياته مواقف كثيرة من التدريب العمليّ لكني سأورد بعضها مكتفياً بها عن البعض الآخر:

كان يجتمع ببعض إخوانه فيخرج بهم إلى مكان حدده لهم، فيحدثهم في شؤون الدعوة، ويصلُّون خلفه المغرب والعشاء، ويتناولون سوياً طعاماً خفيفاً، ويتذاكرون ويتسامرون قليلاً، وبعد صلاة العشاء بقليل ينامون على الأرض في حجرة واسعة، ثم يستيقظون قبل الفجر بساعتين فيتوضأون، ويتهجدون بعض ركعات فرادى، ثم يتلو عليهم جزء من القرآن العظيم متحلقين، ثم يلقي عليه الأستاذ الإمام درساً في التكوين النفسيّ والإيمانيّ والعلميّ للداعية، وكيفية التجنب لمواطن الزلل في التاريخ القديم والمعاصر، ثم يترك وقتاً قبل الفجر للاستغفار، ثم بعد أداء الصلاة ينصرف بهم إلى تفسير بعض آيات من القرآن العظيم، وثم إذا سمح المكان لتأدية بعض أنواع الرياضات أدَّوها، ثم ينصرفون (١).

وهذا الأمر يتكرر مرة أو مرتين كل شهر، هذا عدا عن صيام يوم أو يومين كل أسبوع والإفطار سوياً حتى تتعمق معاني الإيمان والأخوة (٢).

(١) (( الإخوان المسلمون في ميزان الحق )): ١٩١ - ١٩٢.

(٢) (( كبرى الحركات الإسلامية )): ٤٤.

98

أليست هذه الطريقة المذكورة هنا والطريقة التي ذكرها الأستاذ عبد البديع صغر قبلها أجدر على الداعية وأَعْوَدَ بالنفع عليه من عشرات المحاضرات في قيام الليل وتربية النفس؟ بلى والله، وإن هذا التدريب يحمل النفس على التجرد والثبات والتضحية، ويحملها على تحمل تبعات الدعوة.

وقد كان له في باب التدريب على الدعوة يدٌ طولى، وما سطره بيده خير شاهد على هذا إذ قال:

(( فكرت إن أدعو إلى تكوين فئة من الطلاب الأزهريين وطلاب دار العلوم للتدريب على الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في القهاوي والمجتمعات العامة، ثم تكوين منهم بعد ذلك جماعة تنتشر في القرى والريف والمدن الهامة لنشر الدعوة الإسلامية، وقرنت القول بالعمل، فدعوت لفيفاً من الأصدقاء للمشاركة في هذا المشروع والجليل ... كنا نجتمع في مساكن الطلاب في مسجد شيخون بالصليبة ونتذاكر جلال هذه المهمة وما تستلزمه من استعداد علميّ وعمليّ، وخصصت جزءاً من كتبي كالإحياء للغزالي وبعض كتب المناقب والسيَر لتكون مكتبة دورية خاصة بهؤلاء الإخوان، يستعيرون أجزاءها ويحضِّرون موضوع الخطب والمحاضرات منها.

وجاء الدور العمليّ بعد هذا الاستعداد العلميّ،

99

فعرضت عليهم أن نخرج للوعظ في القهاوي، فاستغربوا ذلك وعجبوا منه وقالوا: إن أصحاب القهاوي لا يسمحون بذلك ويعارضون لأنه يعطل أشغالهم، وإن جمهور الجالسين على هذه المقاهي قوم منصرفون إلى ما هم فيه، وليس أثقل من الوعظ، فكيف نتحدث في الدين والأخلاق لقوم لا يفكرون إلا في اللهو الذي انصرفوا إليه؟ وكنت أخالفهم في هذه النظرة وأعتقد أن هذا الجمهور أكثر استعداد لسماع العظات من أي جمهور آخر، من جمهور المسجد نفسه؛ لأن هذا شيء طريف وجديد عليه، والعبرة بحسن اختيار الموضوع، فلا نتعرض لما يجرح شعورهم، وبطريقة العرض (١) فتعرض بأسلوب شائق جذاب، وبالوقت فلا يطيل عليهم القول.

وقد بدأ هذا الفريق بتجربته، وأخذوا بزيارة بعض المقاهي، ولقد كان شعور السامعين عجيباً، وكانوا ينصتون في إصغاء ويستمعون في شوق، ونحن سعداء بهذا النجاح )) (٢).

وقد ألقى الإمام أكثر من عشرين خطبة في مقاهٍ متعددة استغرقت كل واحدة منها ٥ - ١٠ دقائق، ثم استمر

(١) أي: والعبرة بطريقة العرض.

(٢) (( الاحتساب في دعوة الإمام حسن البنا )): ١٠٤.

100

هو ومنم معه على هذا العمل برهة من الزمان (١).

وواضح أن الحاجة للدعوة بالمقاهي كانت بسبب انصراف الشباب عن المساجد آنذاك وعكوفهم على المقاهي والملاهي، أما اليوم فقد تبدل الحال، والحمدلله، لم يعد للوعاظ حاجة لهذا الأسلوب إلا نادراً.

(١) (( كبرى الحركات الإسلامية )): ٣٦.

101

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080