التدريب وأهميته في العمل الإسلامي
الفصل الثاني عرض لبعض طرائق التدريب في بعض القضايا المهمة
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
الفصل الثاني
عرض لبعض طرائق التدريب في
بعض القضايا المهمة
103
مدخل
إن التدريب يشمل أموراً كثيرة أعظم من أن تحصر في كتاب أو يتحدث عنها في عجالة كهذه؛ إذ قلَّما أمر يهم المسلم في شؤون الدعوة إلا وهو محتاج فيه إلى تدريب، لكني سأتخيَّر نواحي محددة أرى - والله تعالى أعلم - أنها ألصق بالحاجة من غيرها وأنها مجالات يقصِّر الدعاة فيها - أو أكثرهم - تقصيرً بيناً لا لسبب إلا أنهم لم يدربوا أنفسهم على خوض غمارها والتوسع في تناولها، وسأذكرها ذكراً لا يتناولها تفصيلاً، إذ هذا الكتاب لا يحتمل هذا التوسع، لكني سأركز على التدريب أكثر من التوسع، لكني سأركز على التدريب أكثر من التوسع في الجانب النظريّ.
105
التدريب على الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إسلاميّ متفق عليه، لكن كيف يؤدي هذا الواجب؟ ومتى يقدم المرء على النصح ومتى يُحجم؟ وماهي قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ إلى آخر هذه الأسئلة التي تتعلق بهذا الأمر المهم.
والذي يعني به هذا المبحث هو التدريب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيجاد هذا الباعث في نفوس الصالحين؛ وذلك لأن جمهور غالبة من الدعاة والصالحين قد قصروا في هذا الباب، وتركوه حتى صار بينهم وبينه نُفرة طبيعية، لا لشيء إلا لأن كل متروك مهجور يكون بينه وبين النفس الإنسانية نُفرة ووحشة.
ولقد كثرت المصنفات في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستقر في النفوس وجوبه وأهميته،
106
لكن كيف يؤمر وينهي؟ ولقد درس هذا الموضوعَ طلابٌ كثر في المعاهد الدراسية وفي غيرها، ولكن التطبيق أمر آخر؛ إن الطبيب يدرس ست سنوات لكن لا يسمح له مزاولة المهنة إلا بعد سنة امتياز سابعة يدرَّب فيها على أيدي أطباء مهرة، وبعد ذلك يمنح الشهادة بأنه أهل وحائز للمهارة المطلوبة، وقس على ذلك المهندسين والفنيين .. فكيف يتخلف عن هذا الأمر المهم - وهو التدريب العلمي - الطلبة الدارسون لقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
ولا بد أن يعلم أن التدريب مهم غاية الأهمية في هذا الباب لأنه يكفل عدم الغلو والشطط أو التساهل، ويكفل التقليل من الأخطاء العلمية في هذا الباب، وفي الوقت نفسه يحفظ الداعية من اليأس والإحباط اللذيْن قد ينتجان من نفرة المدعو أو خشونته أو غير ذلك، أو ينتجان من رؤية الداعية كثيرة المنكرات وقلة حيلته وضعفه في هذا الباب.
الخطوات العملية في هذا الباب
١ - مصاحبة داعية بصير مجرب، والتلقي على يديه كيفية تطبيق قواعد الأمر والنهي بدون تساهل ولا غلو؛ فقد كان عدد من السلف يأمرون بالمعروف
107
وينهون عن المنكر في رجال صالحين تخيروهم على عينهم وارتضوهم في هذا الباب، منهم هشام بن حكيم بن حزام (١) رضي الله عنهما حيث كان يأمر بالمعروف في رجال معه (٢)، منهم عبد الرحيم بن محمد العَلْثي البغدادي (٣) الذي كان شيخ بغداد في وقته ومن أجلِّ علماء الحديث، وكان ملتزماً بالسنة زاهداً، وكان له أتباع وأصحاب يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤).
٢ - مصاحبة رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جولاتهم الدعوية، والاستفادة مما عندهم من خير كثير في هذا الباب، ويمكن أن
(١) صحابي ابن صحابي رضي الله عنهما، قرشيّ أسديّ. مات قبل أبيه. انظر (( التقريب )): ٥٧٢.
(٢) (( أثر الجماعات الإسلامية )): ١٦٤ نقلاً عن (( تهذيب التهذيب )).
(٣) عبد الرحيم بن محمد بن أحمد، أبو محمد بن الزجّاج، عفيف الدين العَلْثي ثم البغدادي الحنبلي الأثريّ. ولد سنة ٦١٢، وتوفي سنة ٦٨٥، وسمع من جماعة، وكان محدثاً عالماً ورعاً: انظر: (( الوافي بالوفيات )): ١٨/ ٣٩٢.
(٤) (( أثر الجماعات الإسلامية )): ١٦٤ نقلاً عن (( ذيل طبقات الحنابلة )).
108
يتمَّ هذا بتنسيق محدد في زمان الإجازات ونحوها، ويمكن أن يكون هذا التنسيق بالتوظف في الهيئة لمدة زمنية محددة تطوعاً واحتساباً، وهذه فرصة حسنة؛ إذا لا أعلم بلداً في الدنيا فيها هيآت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- على هذا النحو الذي هو عليه - إلا في هذا البلد المبارك.
٣ - إنشاء معهد خاص للتدريب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإشراف على تطبيق هذه الشعيرة المباركة على أيدي علماء شجعان أقوياء مجربين بصرين؛ فإن هذه الأمة بحاجة ماسة إلى مثل هذه المؤسسات الدعوية المهمة.
٤ - التدريب على الصبر على الإيذاء النفسيّ والجسديّ، وطريق المرء إلى هذا هو تفهم وتدبر هذه الآية الكريمة (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (١)، وأيضاً معرفة سير الأنبياء والصالحين قبله وكيف أوذوا وصبروا.
(١) سورة العنكبوت: الآيتان ٣،٢.
109
٥ - التدرب على الشجاعة ومحاولة اكتساب ما يمكن اكتسابه من هذه الصفة المهمة، والطريق إلى التطبع بهذه الصفة والتزود منها تدبر هذه الآية (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (١) وأمثالها من الآيات، وقراءة سير الشجعان والأبطال، فإن هذا يعود على المرء بفائدة كبيرة.
٦ - الاطلاع على سير الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من الأنبياء والصالحين، فإن هذا يقوي المرء ويشجعه ويسكبه استهانة بعواقب الأمر والنهي التي يقف دونها أكثر الدعاة والصالحين وتؤثر فيهم أيما تأثير، فهذا الإمام العالم الحافظ العابد تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ثم الدمشقي الحنبليّ، كان عجباً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كان (( لا يرى منكراً إلا غيَّره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم ))، ورآه أحد الصالحين وهو يريق خمراً، فجذب صاحب الخمر السيف فلم
(١) سورة التوبة: آية ٥١.
110
يخف الحافظ منه بل أخذه من يده، وكان قوياً في بدنه، وكثيراً ما كان بدمشق ينكر ويكسر آلات اللهو.
و (( كان بعض أولاد صلاح الدين قد عملت لهم طنابير (١) وكانوا في بستان يشربون، فلقي الحافظ الطنابير فكسرها )) وقال الحافظ عن هذه الحادثة: (( فلما كنت أنا وعبد الهادي عند حمام كافور إذا قوم كثير معهم عصيّ فخففت المشي وجعلت أقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صرت على الجسر لحقوا صاحبي فقال: إنا ما كسرت لكم شيئاً هذا هو الذي كسر، فإذا فارس يركض فترجّل وقبَّل يدي وقال: الصبيان ما عرفوك ))
وكان قد وضع الله له هيبة في النفوس إلى أشياء من هذا القبيل تراجع في سيرته (٢).
فبمثل هذه الأخبار والقصص يتشجع المتردد الخائف ويقبل ويتوكل ويحتسب.
٧ - زجُّ النفس وإغماسها في الأمر بالمعروف والنهي
(١) جمع طُنبور وهو العود.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ٤/ ١٦٤٦ - ١٦٤٧. هذا وقد ولد الحافظ سنة ٥٤١ وتوفي سنة ٦٠٠، وقد أصابته ابتلاءات في حياته، وامتحن مرات، وله مصنفات حسنة رحمه الله تعالى.
111
عن المنكر من خير الوسائل للتدرب عليه، والخطأ وارد ومقبول من المبتدئ، وقد قيل للبنا رحمه الله تعالى: (( نريد أن تعلمنا الخطابة وفنون الدعوة، فأجاب قائلاً: سيروا في القرى وطرقات الأرياف مرة في اليابس ومرة في الطين، وخالطوا هذا الشعب المؤمن وعندها يفتح الله عليكم وهو الفتاح العليم )) (١).
٨ - التدرج في التطبيق مع البصيرة النافذة والحكمة والموعظة الحسنة؛ فإن هذا من شأنه أن يرسخ عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النفوس.
بهذه القواعد التدريبية العلمية وأمثالها يتدرب الدعاة عملياً على هذه العبادة الواجبة والشعيرة الربانية الثابتة، وينكسر الحاجز النفسيّ الذي حال بينهم وبينها سنوات طوالاً، ويشعرون أثناء أداء هذه العبادة بلذة إيمانية رائعة، ويرفعون عن الأمة إثم فرض الكفاية هذا، والله أعلم.
(١) (( ١٢ عاماً مع الأستاذ البنا )): ٣٣.
112
التدريب على مواجهة
المواقف الحرجة
الحياة المعاصرة مليئة بالمواقف الحرجة التي يجب أن تواجَه على نحو يساعد على تخطِّيها والتخلص منها، والشخص الذي يعيش حياته بلا تخطيط معرض لتلك المواقف، وينبغي إعداد النفس وتدريبها عليها.
ومثال على تلك المواقف: رجل صالح يدخل المسجد يوم الجمعة وقد غاب الإمام فتتعلق به الأنظار ويرغب إليه أن يؤدي الجمعة، فماذا هو صانع؟ إن أحجم عيب عليه ذلك الإحجام، وإن أقدم على غير استعداد عيب عليه ذلك الإقدام.
وقد حضرت - وأنا طفل صغير- موقفاً مشابهاً في إحدى المساجد الكبرى التي لها فضل في الإسلام، وذلك وقت صلاة الجمعة حيث غاب الإمام، وصار الناس يكلف بعضهم بعضاً بالإمامة، فصعد المنبر -بعد لأْي- أحد
113
(( الدكاترة )) الشرعيين، فلم يستطع أن يؤدي الخطبة على وجه مقبول وأُرْتج عليه تماماً، فعجبت من حال ذلك الذي بلغ في العالم النظريّ مبلغاً حسناً ثم هو لا يستطيع القيام بمهمة يسيرة نسبياً.
ومثال آخر: شخص عهد إليه بكتابة مقال أو بحث، ولم يسبق له أن صنع ذلك الصنيع قبل ذلك، وقد يكون الذي عهد إليه فِعلَ ذلك مديره في المدرسة أو أستاذه أو مدير الشركة أو المصنع ونحو ذلك مما لا يملك له رداً ولا صرفاً فماذا يصنع؟
إن هذه المواقف وأمثالها تحتاج إلى إعداد نفسيّ وذهنيّ، وتصميم على تجاوز ذلك الموقف، فيجدر بالشخص - خاصة الصالح الداعية - أن يعدَّ نفسه دوماً لمواجهة تلك المواقف وأمثالها بالتدريب والتهيؤ.
وهناك طريقتان للتدرب على مواجهة المواقف الحرجة:
الطريقة الأولى تكون باجتماع عدد من الدعاة، والطريقة الأخرى يكون الداعية منفرداً فيها بنفسه، ولعل الطريقتين تكمل الواحدة منهما الأخرى.
114
الطريقة الأولى:
وهي طريقة عملية لطيفة لإعداد النفس حتى تعتاد المواقف الحرجة وتتجاوزها، وليس بالإمكان توقع موقف بعينه، لكن يمكن أن يتدرب الداعية على مواجهة مواقف يظن أنها جامعة لغيرها وتندرج تحتها باقي المواقف، وهذه الطريقة تتخلص في أن يجتمع أشخاص - وليكونوا ستة مثلاً - في حي أو مدرسة أو جامعة أو غير ذلك، ثم إنهم يتناوبون في تكليف بعضهم بعضاً بمواقف محرجة صعبة، فيكلَّف واحد منهم بأن يقوم فيتحدث في عشر دقائق - مثلا - عن موضوع يلقي عليه، ويكلف الآخر بأن يخطب كخطبة الجمعة بكل شروطها وسننها وآدابها لمدة ربع ساعة مثلاً، ويكلف ثالث بتصنيف رسالة في موضوع محدَّد، ويُعطى وقتاً محدداً لإنجازها، ويطلب من رابع الذهاب إلى سوق محدَّد والقيام بمهمة النصح والإرشاد، ثم العودة وتلاوة النتائج على الآخرين، ويكلَّف خامس بتدريس مادة محددة لباقي الأفراد، ثم يطلب من الآخرين نقده وتبيين أخطائه.
ثم تجتمع تلك المجموعة كرَّات ومرَّات، ويعاد التكليف بالتكاليف السابقة لأشخاص مختلفين، مع مزج ذلك بأفكار جديدة، وبتكرار هذا ونحوه بعتاد الشخص المتدرب على مواجهة العديد من المواقف الصعبة مما
115
يسهِّل عليه تجاوز أمثال تلك المواقف مستقبلاً.
ولابد أن يراعى في أفراد المجموعة التجانس والإخاء والمودة، ويمكن لهم أن يستعينوا ببعض الكتب والأشخاص حتى تسهل عليهم مهمتهم، والله تعالى أعلم.
الطريقة الأخرى:
وهي أ، يعد الداعية نفسه لمواجهة المواقف الحرجة إعداداً منفرداً، وذلك بأن يقرأ تجارب من سبقه، وأن يفكر فيما يمكن أن يقابله من مواقف محرجة في دعوته، وما يمكن أن يفاجئه ولم يفكر فيه من قبل أو يحسب له حساباً.
ومن لطيف ما قرأته في هذا الباب أن الأستاذ الداعية عبد البديع صقر رحمه الله كان قد أعد أسئلة قَدّر أنها قد تواجه كل داعية وكلّ محاضر مخالط للناس، ويبدو أنه سردها بعد أن اصطفاها من الأسئلة التي وجهت له ولأمثاله من الدعاة، ثم إنه لم كتف بذلك بل قام بالإجابة عليها إجابة نموذجية - فيما يظن - حتى يُذهب من نفوس الدعاة والمحاضرين هيبة مواجهة الأسئلة التي لم يعدوا لها جواباً من قبل
ن وهذه الأسئلة والأجوبة متنوعة في عدة مجالات: الشرعية، والسياسية، والدعوية.
ثم أنه بعد فراغه من الأسئلة والأجوبة أورد بعض
116
القضايا التي هي مثار شبهات وقام بالإجابة عليها، وذلك نحو الجهاد، والاكتفاء بالأخذ من القرآن الكريم، وتقسيم الدين إلى باطن وظاهر، إلخ ... (١).
نحو هذا المسلك المبتكر يربى في الدعاة الثقة بالنفس ويدربهم على مواجهة الناس بحصيلة جيدة واقعية من الفهم الشرعي والثقافة الإسلامية، ولعل من أجمل ما يُعد به الداعية نفسه في كلتا الطريقتين المذكورتين آنفاً أن يقرأ كتب الذكريات التي كتبها دعاة فطاحل وُوجهوا ما يطبع في نفس القارئ القدرة على مواجهة المواقف الصعبة المماثلة التي قد يُقدَّر عليه أن يواجهها، والله تعالى أعلم.
(١) (( كيف ندعو الناس )): ١٣٣ إلى آخر الكتاب.
117
التدريب على الإلقاء
ليس على جماهير الصالحين - اليوم - أصعب من إلقاء المواعظ على الناس في الخطب وغيرها، أو الحديث المباشر المؤثر.
ويتهرب جمهرة صالحة من الناس من هذا كل التهرب بدعوى عدم القدرة، والعجيب أنهم لا يبذلون وسعهم لإصلاح هذا العيب؛ فهذا خلف بن هشام (١) - أحد أئمة علماء السلف - يقول: أشكال علي باب من النحو فأنفقت فيه ثمانين ألف درهم حتى أتقنته (٢)، سبحان الله
(١) خلف بن هشام بن ثعلب البغدادي البزّار المقرئ، الإمام الحافظ، الحجة، شيخ الإسلام. له اختيارات في الحروف صحيح ثابت لا يكاد يخرج فيه عن القراءات السبع. وأخذ عن خلق لا يحصون، فكان يبدأ بأهل القرآن ثم يأذن لأصحاب الحديث. وكان عابداً فاضلاً، ورعاً. توفي سنة ٢٢٩ وقد شارف الثمانين. انظر (( أعلام النبلاء )): ١٠/ ٥٧٦ - ٥٨٠.
(٢) المصدر السابق: ١٠/ ٥٧٨.
118
العظيم! ما أرفع هممهم وما أحسنها، واليوم لا يحتاج مريد تخطي الضعف والعجز إلا أن يشحذ همته ويتوكل على الله في إصلاح ضعفه.
وإليك - أخي القارئ الكريم - صورة مقترحة للتدرب على الخطابة والإلقاء:
١ - لابد من الإلمام والفهم لبعض قواعد النحو الأساسية مثل ركني الجملة الاسمية: المبتدأ والخبر، وركني الجملة الفعلية: الفعل والفاعل، ولابد من معرفة أن المفعول منصوب والبدل والصفعة تابعان للمبدل منه وللموصوف، وأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهكذا ...
٢ - اجتماع عدد محدود من الأشخاص وليكن ستة مثلاً، وليجعلوا عليهم رئيساً هو أفضلهم حديثاً وأحسنهم إلقاءً، وهو حسن الحديث والإلقاء فعلاً، ويكون من مهمته قيادة هذه المجموعة حتى يدرِّبها على حسن الحديث والإلقاء.
٣ - يعهد مسؤول هذه المجموعة لأفرادها بتحضير موضوعات معينة ليقوموا بإلقائها أمام بعضهم بعضاً، ثم بعد الفراغ من كل موضوع يطلب
119
مسؤول المجموعة من أفراده أن ينقدوا الموضوع المطروح من وجهين اثنين:
أحداهما: الموضوع الملقى ذاته.
والآخر: نقد طريقة الإلقاء، ويجب أن يكون هذا النقد شاملاً لكل الجوانب التي تقبل النقد مثل: عناصر الموضوع، وشمول الطرح، ودرجة صوت الملقي قوة وضعفاً، ومدى جاذبية الموضوع لدى الحاضرين، ومدى تفاعلهم معه، والأخطاء النحوية ... إلى آخر وجوه النقد المعروفة.
٤ - عند تأكد مسؤول المجموعة من إحسان أفرادهم وإتقانهم لإلقاء الموضوعات المقترحة سلفاً، فإنه ينتقل بهم إلى مرتبة أعلى وهي مفاجأتهم بموضوعات لم يحضِّروها، والطلب منهم أن يتحدث كل منهم عن موضوع يختاره هو لهم لمدة عشر دقائق مثلاً، ثم ينقد بعضهم بعضاً فيما تحدثوا فيه، ولقد ذكرت وجوهاً من النقد في الفقرة السابقة.
٥ - ثم ينتقل مسؤول هذه المجموعة بأفراده إلى المرتبة الأعلى، وهي الطلب المفاجئ منهم أن
120
يقوم أحدهم بإلقاء خطبة جمعة في موضوع يختاره هو، ثم بعد الفراغ من الخطبة يقوم أقراد المجموعة ينقد طريقة إلقاء الخطبة وموضوعها، كما بينت في الفقرة السابقة.
وفي أثناء هذا التدريب الطويل نسبياً - إذ قد يستغرق عاماً أو أكثر - يتعهد المسؤول أفراده بكل مفيد ونافع من الكتب والمقالات في الموضوعات الشرعية والثقافية بشقَّيها الإسلامي والإنسانيّ؛ وذلك ليكون لكل فرد من المجموعة حصيلة كافية تؤهله للخطابة والحديث المؤثرين النافعين.
بهذه الطريقة وأمثالها من طرائق التدريب يمكن لمجموعة من الصالحين أن يصبحوا دعاة مؤثرين نافعين، بشرط أن تتعدد مرات اللقاء على وجه كافٍ مرضٍ لا أن يطول الانقطاع.
وإن لم تتيسر طريقة الاجتماع هذه فيمكن التدرب على انفراد، وذلك بأن يعد الداعية الموضوع الذي يريد إلقاءه أو الخطبة، ثم ينفرد بنفسه ويقوم بإلقائها كاملة متخيلاً الناس أمامه، ويعيد الكرة مرة بعد الأخرى حتى يتقن الإلقاء، ثم يخرج إلى الناس وقد أعدَّ نفسه للقائهم، وروي عن بعض خطباء العرب الأوائل فعلُ هذا.
هذا الذي ذكرته إنما هو تصور عام للتدريب الأولي
121
على الخطابة، وبقيت تفصيلات وجزئيات لا يحتملها هذا المقام، إنما يرجع فيها إلى الكتب التي تخصصت في طرح طرق الخطابة وتفصيلاتها، والله أعلم.
122
التدريب على الاستفادة
من الإنترنت (١)
من أعظم الوسائل التي فتح الله بها على عقول البشر هذه الشبكة العالمية للحاسوب والمسماة الإنترنت، فقد أصبحت الإنترنت من أكثر الوسائل تأثيراً في حياة مستخدميها، ومستقبلها القريب يقدمها كوسيلة مؤهلة لمناقشة كثير من وسائل الاتصال الأخرى، بل يذهب البعض إلى تصويرها على أنها الوسيلة المؤهلة لتكون وسيلة الاتصال السائدة بين البشر في المستقبل، فتقوم بدور الهاتف والفاكس والصحيفة والمجلة والإذاعة والتلفاز.
ولعل ما يؤهل الإنترنت لذلك مزاياها المتعددة التي منها:
(١) كتب هذا المبحث الأخ في الله تعالى عيضة سالم باكور المتخصص في هذا الشأن، وقد أثبته بتصرف، وأضفت إليه صفحتين سأحددهما في ثنايا المبحث.
123
١ - السرعة الهائلة فيتناقل المعلومات، فبمجرد وضع معلومة على الإنترنت تصل إلى الجهة المرسلة إليها في زمن لا يكاد يتجاوز الثواني.
٢ - تجاوز حواجز المكان، فيمكن لكل من ارتبط أو اتصل بالإنترنت أن يصل إلى أيّ معلومة حيثما كانت على وجه الأرض دون تأثر بالمسافة الجغرافية الفاصلة بينه وبين المعلومة.
٣ - الجمهور الضخم الذي يوجه له الخطاب وتتاح له المعلومة، وآخر الإحصائيات تذكر أن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم يتجاوز ١٢٠ مليوناً.
٤ - إتاحة المعلومات للناس في أي زمان ومكان، وذلك لعدم انحصار الزوار والباحثين في وقت محدد، بل ساعات اليوم وجميع أيام الأسبوع وكل شهور العام متاحة للباحثين، فهي فرصة ضخمة للاتصال بالناس ونشر الخير بينهم دون التزام بأوقات دوام أو ساعات بثِّ.
٥ - انخفاض تكلفة الاتصال، فبثمن يصل إلى ثمن المكالمة الهاتفية يمكنك الاتصال بالإنترنت
124
والاستفادة من كل ما بها من معلومات مجانية.
٦ - انخفاض تكلفة النشر والتعديل والتحديث، فبتكاليف زهيدة تستطيع أن تحصل على فرصة نشر المواد التي ترغب في نشرها على الإنترنت.
٧ - الكم الهائل من المعلومات المتاحة التي تتراوح بين المعلومات المجانية أو المعلومات المدفوعة الأجر التي يمكن الوصول إليها لقاء مبالغ يسيرة.
٨ - سهولة التفاعل معها؛ وذلك من خلال مراسلة القائمين عله أو العاملين على المواقع التي تناسب اهتمامات المستخدم للشبكة.
فمن خلال الاستقراء السريع للمزايا السابق ذكرها نشعر بأهمية استخدام الإنترنت في خدمة الدعوة إلى الله.
125
الاتصال بالإنترنت
ماذا تحتاج لتستخدم الإنترنت:
حتى تشرع في استخدام الإنترنت فأنت بحاجة إلى الآتي:
١ - جهاز حاسوب، وهناك مواصفات عديدة، إلا أننا نصح أن لا تقل عن المواصفات التالية التي ليست خاصة بماركة معينة أو شركة بذاتها:
المعالج Processor ... III ٤٠٠ الذاكرة RAM ... MB٦٤ القرص الثابت Hard disk ... GB٨ كرت الشاشة Display Card ... MB٨ مشغل أقراص مدمجة CD ROM ... X٤٠ كرت الصوت Sound Card ... Bit٦٤ جهاز الاتصال بالإنترنت Modem ... Kp/S٥٦
126
٢ - خط هاتفي.
٣ - اشتراك لدى أحد مزودي خدمة الإنترنت في بلدك.
ما هي أشهر مصطلحات الإنترنت؟
أشهر المصطلحات التي تستخدم في الشبكة التي قد يحتاجها الداعية خلال تعامله مع الإنترنت نجملها في الجدول التالي:
127
المصطلح ... الشرح شبكة النسيج العالمي WWW ... وهي شكبة المواقع الموجودة على الإنترنت التي يمكن أن يستعرضها كل زائر.
موقع على الشبكة ... كل موقع على الشبكة يعتبر وكأنه محطة بث تعلم على مدار الساعة، وحتى تستطيع تلقي هذا البث كل ما يجب عليك هو كتابة عنوان الموقع الذي عادة ما يكون على الشكل الآتي:
Htt://WWW.al-islam.com
وتحتوي الشبكة حالياً أعداداً مهولة من المواقع تتجاوز المليون موقع، منها الغث ومنها السمين، ومنها المفيد ومنها المضر، وبعضها قد لا يتجاوز الصفحة، وبعضها يصل إلى مئات الآلاف من الصفحات. ... البريد الإلكتروني ... هو وسيلة التراسل والتحاور بين المشتركين في الشبكة، ويمكن لكل مستخدم لهذا البريد أن يقوم بالتراسل مع بقية المشتركين في هذا البريد بسرعة فائقة وبتكلفة لا تذكر.
مجموعات النقاش ... عبارة عن مجموعات من مستخدمي الشكبة تتحاور في قضايا تتشارك في الاهتمام بها، ويصل على جميع المشتركين فيها أي إضافة يضيفها أحد الأعضاء، كما يمكن أحياناً أ، تُحفظ هذه المشاركات على شكل صفحات في إحدى المواقع ويستطيع مستخدمو الشبكة زيارتها والاطلاع على محتوياتها.
128
وعموماً لا يمكننا هنا أن نقدِّم تصوراً أكثر تفصيلاً حول بقية خدمات الشبكة، ولكن يمكن للراغب في الاستزادة الرجوع إلى الكتب المتخصص في هذا المجال.
البرامج التي تحتاج أن تستخدمها:
إن أكثر البرامج التي ستحتاج أن تستخدمها على الإنترنت هي:
- برنامج مستعرض لصفحات الإنترنت.
- برنامج إرسال واستقبال البريد الإلكتروني.
وهي برامج مجانية، كما أنها تدعم اللغة العربية، وبعضها يعمل بواجهة عمل عربية، ومن أجل إتقان هذه البرامج يمكن للداعية الاستعانة بأحد أصدقائه أو معارفه ممن له خبرة فيها، ولو استطاع التركيز فيها قليلاً فإنه يستطيع الوصول إلى إتقان استخدامها، وقد يكون من المفيد أخذ دورة مركزة في هذين البرنامجين، إلا أنها قد لا تكون مفيدة لو لم تتوفر إمكانية تطبيق ما تعلمه في هذه الدورة.
استخدامات الداعي للإنترنت:
إن من أفضل ما يمكن أن يقوم به الداعية على الإنترنت المساهمة في الجوانب الآتية:
129
الإنترنت كمصدر للمعلومات:
لربما يتمنى الداعية لو كانت هناك مكتبة بها كل ما يحتاجه من كتب ومراجع ومصادر يمكنه الرجوع إليها في أي وقت ومن أي مكان، وكم سيكون من الجميل والرائع أن يتمكن الداعية وهو يعدُّ درسه من الرجوع إلى كتاب الله وتفاسيره وأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسواها من أمهات الكتب في شتى العلوم، وهذه الصورة رغم ما يبدو بها من رؤية حالمة هي أقرب إلى الحقيقة حالياً، فبإمكان الداعية أن يجد الكثير من المعلومات المتاحة على الإنترنت، وهي تتزايد بسرعة كبيرة وأرقام متضاعفة، والمعلومات الموجودة على الإنترنت لا تقتصر على مجال العلوم الشرعية فقط، بل إن كثيراً من العلوم الأخرى بدأت تجد طريقها إلى الشبكة، ولئن كانت أثر المعلومات الموجودة حالياً هي باللغة الإنجليزية فإن اللغة العربية تشهد نمواً ملحوظاً في كمية المعلومات الموجودة بها على الإنترنت.
ولا نستبعد أن تبدأ قريباً كثير من المؤسسات العلمية والتدريبية في استخدام الإنترنت كوسيلة لتقديم التدريب لجمهور الناس، بحيث يستطيع المشارك في الدورة أو الصف الدراسيّ أن يحضُر جميع محاضراته دون أن يغادر منزله وفي الوقت الذي يناسبه.
130
ومن أمثلة المواقع المفيدة في هذا المجال المواقع التالية:
الموقع ... عنوانه موقع شركة حرف على الإنترنت ... WWW.al-islam.com عرض النص القرآني بالرسم العثماني، والضبط الكامل مع التلاوة بصوت الحصري والحذيفي، وعرض تفسير القرآن من أهم كتب التفاسير. موقع خدمة الأوقاف السعودية ... WWW.al-islam.org.sa/ يوفر معلومات إسلامية قيمة وخدمات الاستفتاء، كما يقدم معلومات منوعة عن المملكة العربية السعودية ووزارة الأوقاف.
موقع خدمة الإسلام على الإنترنت ... WWW.al-islam-online.com موقع ضخم متكامل، ويتناول العديد من المواضيع الإسلامية المهمة وبلغات مختلفة، ويعرض خدماتها بطريقة سهلة وميسرة.
دليل المواقع الإسلامية ... WWW.al-islamdir.net دليلك الموضوعي إلى المواقع الإسلامية المنتشرة على الشبكة، يتميز الدليل بأنه يعمل باللغتين العربية والإنجليزية ويوفر الاستعراض بالموضوع أو البحث بالكلمة.
كما توجد أيضاً بعض دور النشر التي قامت بوضع
131
كتبها ومنشوراتها على الإنترنت، ويمكن لزائر هذه المواقع الاطِّلاع على إصدارات هذه المكتبات ومراسلة القائمين عليها للشراء منها مباشرة.
الاستخدام الفعَّال للإنترنت:
تتميز الإنترنت بسهولة وسرعة التفاعل معها، حيث يمكن لزائر أي موقع من مواقع الإنترنت أن يتفاعل مع الموقع سلباً أو إيجاباً في نفس اللحظة، فيترك رسالة ثناء ومدح للقائمين عليه وما لمسه فيه من خطأ وعيوب.
وهذا مجال رحب وواسع لفعل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يمكن للداعية أن يشجع أصحاب الخير لعلهم يزيدون فيه، وينبه من لديهم خطأ أو فساد عسى أن يقصروا عنه.
كما يستطيع الداعية أن يوجه دعوة إلى كل من يعرفه من المشتركين على الشبكة ليقوموا بزيارة مواقع بعينها قد تكون تقدم خدمة مميزة وتحقق خيراً كثيراً.
ومن المهم هنا الإشارة إلى إمكانية المشاركة في بعض الساحات المخصصة للحوارات على الشبكة حول مواضيع مختلفة، وذلك للمساهمة في توجيه زوار هذه
132
الساحات وروادها إلى الخير والتنبيه والرد على كل خطأ (١).
وقد ذكر أحد الباحثين وسائل للتدريب على نشر الخير ومواجهة المواقع الهدامة في الإنترنت، وبيَّن أهميتها في دفع الشرور والمفاسد أو تقليلها، فقال:
١ - إغراق شبكات الإنترنت بالمواقع التي تقدم الإسلام الصحيح عقيدةً وفقهاً وحركة، وباللغة الإنجليزية التي هي لغة أكثر من ثمانين بالمائة من مشتركي الإنترنت، ولا يكفي التركيز على نوعية المواد وتصميم المواقع وحدهما، فعلى الرغم من أهميتها إلا أن من يستخدم الإنترنت يدرك حقيقة أنه كلما زاد عدد مواقعك على (( الإنترنت )) زادت هيمنتك وسيطرتك على المواقع الأخرى الأقل منها عدداً.
٢ - تسويق المواقع الجديدة والدعاية لها من خلال إدخالها في محركات البحث أو SEARCHING ENGINES، وهو أسلوب معروف لدى أصحاب
(١) أضفت بعد هذا الموضوع كلاماً سأذكر موضع نهايته، إن شاء الله تعالى.
133
المواقع الإلكترونية، ويكون ذلك مقابل مبالغ زهيدة تدفع مرة واحدة فقط.
وكلما كان اسم الموقع وعنوانه ومحتواه مُدخلاً في محركات بحث أكثر زاد عدد الزائرين لهذا الموقع.
٣ - ضرورة تضمين هذه المواقع عناوين لتلقي ملاحظات الزائرين واستفساراته، وعدم الاستخفاف بتلك الملاحظات، والرد على الاستفسارات بصدر واسع مهما كانت، والتحلي بأدب الدعوة وأخلاق الدعاة عند مراسلة الآخرين، مهما كانوا، فأنت لا تعرفهم ولا تعرف نواياهم، وقد يكونون من المهتمين فعلاً بمعرفة دينك وعقيدتك.
٤ - لابد من قيام المؤسسات الإسلامية كالأزهر الشريف ورابطة العالم الإسلاميّ والجامعات والهيئات الإسلامية الأخرى في مختلف مناطق والهيئات الإسلامية الأخرى في مختلف مناطق العالم بإنشاء مواقع لها وربطها مع المواقع الأخرى بغية تطوير الاتصال فيما بينها وتنظيم الحملات الإعلامية المضادة، فإذا ما ظهر موقع معاد يكون من السهل إعلام الجميع به، وشن
134
حملة موحَّدة وقوية ضدَّه للضغط عليه ووقف بثَّه للمواد المعادية.
٥ - إذا توافرت آلية الاتصال بين المواقع الإسلامية المختلفة يمكن للمشتركين المسلمين إعلان الحرب على المواقع الهدامة والمغرضة بأسلوب الجيش المنظم الموحَّد، فلو أرسل مليون مشترك مسلم ومن المتعاطفين معهم رسائل احتجاج لأي موقع من تلك المواقع، وفي وقت واحد، لكان حجم الضرر الذي سيلحق بالموقع المعادي كبيراً، لأنه لن يتمكن من مجرد استقبال تلك الرسائل في وقت واحد فضلاً عن التعامل معها، مما سيضطره إلى إعادة التفكير في المواد التي يعرضها ضد الإسلام والمسلمين.
٦ - ضرورة أن ينشر المسلمون في مواقعهم معلومات عن العقائد والملل والنحل الأخرى، وكثير منها موجود على شبكة الإنترنت مع إدخال تلك المحتويات في محركات البحث، فالذي يبحث عن معلومات عن اليهودية -مثلاً- سيفاجأ بوجود مواقع إسلامية تتحدث عن اليهودية من وجهة نظرها، وبذلك لا تنفرد المواقع اليهودية بزائريها،
135
ويحصل هؤلاء الزائرون على وجهة نظر أخرى على الديانة اليهودية، وهكذا مع بقية الأديان والمل الأخرى )) (١).
وهذا الذي ذكره كلا الباحثين جيد، ويمكن الإضافة عليه - تمثيلاً - ما يلي:
أعرض سير حياة الشخصيات الإسلامية المؤثرة، ابتداءً من النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام ومن بعده إلى زماننا المعاصر، فعرض سيرة من ذكرت تأكيد لصورة الإسلام الشامل المتوازن المعطاء.
ب عرض صور على سماحة الإسلام وحسن معاملة المسلمين لأهل المل المختلفة والحضارات المتنوعة.
ت بيان أثر الحضارة الإسلامية المهم في الحفاظ على أهم ما في الحضارة السابقة عليه والإضافة التي أضافها عليها، ومن المعلوم أنه لولا الحضارة الإسلامية لما وصل الغرب لما هو عليه اليوم.
(١) (( مواجهة المواقع الهدامة )): مقال للأستاذ محمود الخطيب في مجلة (( المجتمع )) عدد ١٣٠٩ تاريخ: ٢٧/ ٣/١٤١٩.
136
د - الإيضاح الشامل لكل الناس أن الإسلام يتعرض لحملات ظالمة، وتشكيكات مغرضة حتة تستقيم صورة الإسلام الصحيح في الأذهان.
بهذا وأمثاله أرجو أن تتحقق الاستفادة من (( الإنترنت )) وسيلةً صحيحة للدعوة إلى الإسلام بجانب الاستفادة منه في جوانب الترفيه المباح والتعليم المفيد، والله المستعان (١).
المساهمة في زيارة الخير:
وذلك من خلال الإضافة والإغناء لمحتوى الشبكة بمواضيع، وموادَّ وجوانب قد يكون هناك حاجة ماسَّة لها، ومن أمثلة ذلك:
١ - كتابة بعض المقالات والإضافات التي يمكن أن تفيد المسلمين عموماً وإرسالها إلى القائمين على المواقع الإسلامية على الإنترنت، فقد يتحمس الكثير منهم لإضافتها ضمن موقعه.
٢ - مراسلة بعض المواقع الإسلامية الموجودة على الإنترنت وعرض التعاون معهم من خلال الكتابة
(١) وهنا ينتهي ما أضفته من كلام.
137
أو الإشراف على المحتوى أو المراجعة، وسواها من وسائل التعاون.
٣ - تقديم المقترحات لأصحاب المواقع الجيدة لعلها تساعدهم على تطوير مواقعها.
٤ - التعاون مع بعض الأصدقاء والإخوان لبناء مواقع تخدم جوانب إسلامية غير مخدومة في الشبكة (١).
محاذير:
رغم ما في الإنترنت من محاسن ومزايا، إلا أنه مثل كل وسيلة أخرى فيه محاذير كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المحاذير الآتية:
١ - احتراق الأوقات:
مستخدم الإنترنت لا يكاد يشعر بالوقت، ومالم يكن له هدف محدد ووقت ينضبط به فإنه سيصرف الساعات يتنقل بين المواقع دون أن يحصل على فائدة تذكر أو هدف ينجز.
(١) ومثال هذا ما أضفته آنفاً.
138
٢ - فقدان الخصوصيات:
رغم مافي الإنترنت من ظواهر الخصوصية حيث يتنقل على الإنترنت وهو في مكان خالٍ مع جهازه، إلا أن هناك الكثير من العابثين المستخدمين للشبكة الذين لا همَّ لهم إلا العبث في خصوصيات الآخرين، فقد تفاجأ بأحدهم قد اقتحم جهازك وعبث في محتوياته وأنت لا تشعر بذلك، وقد تكون بذلتَ الأوقات الطويلة في كتابته وجمعه من بحوث ومقالات، وللحماية من ذلك لابد من تثبيت بعض برامج الحماية، واستشارة بعض الزملاء والأصدقاء ممن لهم خبرة في هذا المجال.
٣ - التساهل مع الذنوب:
إن المتعامل مع الإنترنت لا يسلم من أن يمرَّ به مشهد أو منظر لا يرضاه، وفي مثل هذه الحال يجب عليه أن يتصرف التصرف الشرعي المناسب، وأن لا يتنازل في هذا، فهذه أول درجات المعاصي التي قد تتلف القلوب.
139
رغم وجود ملاحظات أخرى إلا أننا نكتفي بهذه الملاحظات، تجنباً للإطالة، وحتى لا ندخل في تصنيفات تقنية قد لا تكون معروفة لدى القارئ.
140
التدريب على الاستفادة
من الأوقات
قد كان لكثير من الباحثين كتابات ومشاركات كثيرة في تبيين أهمية الوقت والمحافظة عليه، وليس من غرض هذا البحث أن يتوسَّع في ذكر هذه المسألة، لكن هناك جوانب تستحق أن تذكر في باب التدريب على الاستفادة من الأوقات، فمن ذلك:
١ - التدريب على الاستفادة من الوقت الضائع المهدر
يهدر كثير من الناس ساعات كل يوم وليلة وهم لا يشعرون، إذ ينشغلون بأحداث قد تكون تافهة بالمقارنة مع أحداث أخرى أكثر أهمية، فمشاهدة التلفاز مثلاً تضيع على كثير من الناس أوقات ثمنيات، فبعض الناس يقضي ٣ ساعات يومياً في مشاهدته، أي لو عاش ٦٠ عاماً فإنه يضيع عليه ٧ سنوات ونصف تقريباً، فكيف إذا أمضى ٦ ساعات كل يوم لمشاهدة
141
التلفاز، فإنه يكون قد أهدر ١٥ سنة من عمره، وهكذا ...
قد يقال: إن هذا الذي ذكرت هو حال الفارغين، نعم .. لكنه مثل وضع للمقارنة، لكن كم يضيع من أوقات الصالحين، فهذا ينتظر الطائرة لمدة ساعات ثم إنه لا تكاد تجده مستفيداً من وقته هذا كما ينبغي، وآخر يتابع مباريات الكرى فيهدر ساعات طوالاً كل أسبوع في هذا الأمر الذي هو - في أقلِّ أحواله - لغو لا فائدة فيه، وكم من الصالحين مَن هو في عمل مفضول وتارك للفاضل، وهكذا ..
وإذا كان الوقت المحدد للعمل الوظيفيّ كل يوم هو ٨ ساعات فإن كل نصف ساعة يهدرها الشخص كل يوم تساوي ٢٢ يوم عمل سنوياً، فإذا حسبت الإجازات الأسبوعية فيكون ما أُهدر هو شهر كامل، فكيف بمن يهدر كل يوم ساعة أو ساعتين أو أكثر.
من الأساليب التدريبية على الاستفادة من الأوقات المهدرة ما يلي:
أ - حدِّد ساعة كل يوم لإنجاز شيء محدد كالقراءة - مثلاً - ولا تقبل التنازل عن هذه الساعة أبداً، وكذلك القول في تحديد ساعة كل يوم للحفظ، وأخرى للمراجعة، وثالثة للكتابة، وهكذا ... فإنك إن لم تصنع ذلك فإنه تستمرُّ عليك الأيام
142
ولم تقرأ شيئاً، والمراد هو إحداث ضغط في الجدول اليومي حتى يعي المرء أهمية الإنجاز والتخلص من التراكم الناشئ عن التسويف.
ب الاستعانة بالهاتف، فإن استطعت قضاء شيء بالهاتف - مثلاً - فلا تقضِه بغيره، فقد قيل: (( في الأرقام غُنية عن الأقدام ))، فبعض الصالحين يهدر وقتاً طويلاً في الذهاب إلى صاحب لم يتأكد من وجوده، أو الذهاب إلى مكتبات للبحث عن كتاب محدد، وكان يمكنه أن يحادث بالهاتف فيوفر على نفسه وقتاً طويلاً مهدراً، أو أنه يجهل أنه يمكنه أن يعالج أجهزته المنزلية ويصلحها عن طريق استدعاء المختص بالهاتف ووصف المنزل له، بل إن المرء يستطيع أن يراجع بعض معاملات له في البلدية أو الجامعة أو بعض الدوائر الحكومية عن طريق الهاتف فلا يصنع هذا ويذهب بنفسه فتكون النتيجة أن المعاملة لم تفرغ بعد وأن عليه أن يأتي في وقت آخر، وهكذا ...
ت تعرَّف على قيمة الدقائق قبل الساعات:
إذِ الدقائق ثمينة والوقت يمرُّ بسرعة، ومن لا يعرف قيمة الدقائق فإنه لن يلتفت لمرور
143
الساعات. وقد قامت شركة من الشركات بإقامة مؤتمر خُصص للارتقاء بالشركة ورفع مستوى التقنية فيها، وقد أقيم ذلك المؤتمر في واشنطن، فقام منظمو المؤتمر بحساب تكلفة الدقيقة الواحدة من دقائق المؤتمر بحساب تكلفة الدقيقة الواحدة من دقائق المؤتمر، فخرجوا بالجدول التالي مقدرين القيمة بالدولار بالطبع، حيث إن المؤتمر أقيم في أمريكا:
144
أ - حساب التكاليف المباشرة لـ ٣٠ من الباحثين من الخارج
تذاكر سفر بالطائرات (٣٠×٢٠٠ دولار/للباحث الواحد)
السكن (٣٠×٨ دولاراً للغرفة / لليلتين)
الطعام (٣٠×٨ دولارات/للوجبة لـ٥وجبات)
(١٥ مشاركاً محلياً×٨ دولارات× ٣ وجبات)
النقل المحلي (سيارتان× ٦٠دولاراً يومياً/٢يوم)
خدمات السكرتارية
الهاتف
قرطاسية ونسخ وتصوير
مصاريف ونسخ وتصوير
مصاريف ثابتة
مكافآت شريفة للأبحاث (٦×٢٠٠) دولار
الإجمالي
ب - حساب وقت التقديم والعرض:
١٠ جلسات × ساعة ١.٥ للجلسة
(جمعية٣ سبت ٥ أحد ٢)
جـ- حساب التكاليف المباشرة لجلسة بالساعة:
(١٥٠٠٠ دولار/ ١٥ ساعة)
د- حساب التكاليف بالدقيقة:
(١٠٠٠ دولار ٦٠ دقيقة)
145
هذه هي التكاليف المباشرة فقط التي لا تأخذ في الحسبان رواتب الباحثين والمنظمين لمدة ٤٨ ساعة قضوها إضافة إلى أوقات سفرهم إذا أدخلنا رواتبهم على أساس:
(٤٥ شخصاً× ١٠٠ دولار/ يوم × ٣ يوم) = ٩٠٠٠ دولار.
عندئذ تصبح تكلفة الجلسة/ ساعة: (١٥٠٠٠+ ٩٠٠٠) = ١٦٠٠ دولار للساعة.
١٦٠٠ دولار ٦٠ دقيقة = ٢٧ دولاراً للدقيقة الواحدة، فتأمل (١).
إذا تعلمنا أن نحسب الكلفة بالدقيقة لنشاطاتنا كافة، فسوف ندرك كم من الأموال والطاقات تضيع بسبب تأخر الحضور أو عدم الاهتمام بموضوعات اللقاءات، أو غير ذلك من أسباب الهدر والتضييع، والله المستعان.
٢ - التدريب على استعمال أسلوب التفتيق أو العطف الذهني
هذا أسلوب من أهم الأساليب الكاشفة لما عند الآخرين من أفكار أو قدرات، وهو موفر للوقت، بحيث
(١) (( دليل التنمية البشرية )): ١٩٩ - ٢٠٠.
146
تجتمع عقول مفكرة في مكان واحد وفي وقت واحد، للبت في شأن محدد، واستعماله ينبئ بوجود مناخ حسن وبيئة بعيدة عن الكَبْت والقهر.
وقد أوضح مدير إحدى الشركات أهمية هذا الأسلوب الذي يتبعه في إدارة شركته وإشراك موظفيه في اتخاذ القرار أثناء ندوات يعقدها في مقر شركته لأجل هذا الغرض، وبيَّن ما جلب عليه هذا الأسلوب من أرباح وفوائد، وذكر مثالاً لجلسات العصف الذهني فقال:
(( يُتَّبع هذا الأسلوب لتنشيط الأذهان وتوليد الأفكار الجديدة وتسهيل مهمة التعبير عنها، وهو أسلوب لجمع المعلومات في اجتماع محدد، ويطبق هذا الأسلوب في حال غياب المعلومات أو نضوبها وبروز حاجة ملحَّة لإيجادها، وهي عملية تفكير بصوتٍ عالٍ وبغير قيود، وذلك بخلاف النقاش المنظَّم المحدد.
وينبغي تخصيص جلسة لهذا الأمر وتحديد موضوع معين مطلوب التفكير فيه، وتقسم الجلسة إلى ثلاث مراحل:
الأولى: هي طرح الأفكار حسب ورودها تلقائياً وتسجيلها كي يمكن الاطلاع عليها من قبل الجميع ودون السماح بتقديم أي نقد أو تقويم لها.
147
الثانية: دعوة المشاركين للتحدث عن أفكارهم بذكر عيوبها ومحاسنها بدون التحيز إليها أو التفاخر بها.
والثالثة: هي مناقشة مزايا كل فكرة وجدواها وأولويتها، ومن ثَم تصنيف الأفكار المطروحة كلها على أساس مجموعة معايير يتفق عليها.
تشجيع المساهمة:
بالإمكان تشجيع إسهام الأعضاء في عملية التفتُّق الذهني باستخدام الأساليب التالية:
أعقد جلسة التفتُّق الذهني خلال فترة تكون فيها المجموعة في أوج نشاطها الذهني.
ب تنوُّع المجموعة بقدر الإمكان آخذين في الحسبان تقارب الأفراد من حيث مراكزهم وإلمامهم بالموضوع كي يشعر الجميع بحرية مطلقة في المشاركة.
ت تقليل العدد بما يسهل التحكَم في إدارة الجلسة وبما يكفل مشاركة أوسع في النقاش، ويعدّ أنسب حجم لذلك مابين ٥و٧ أفراد.
ث ترتيب جلوس المشاركين حول طاولة مستديرة يواجه فيها الأفراد بعضهم بعضاً كي يتم النقاش في حرية وبنجاح.
148
ج تخصيص قدر من الزمن يكفل للجميع المشاركة بدون أن يكون ذلك على حساب التركيز والاختصار.
ح تسجيل كل الأفكار وتمكين الجميع من الاطلاع عليها مهما بدت غريبة أو شاذة.
خ عدم تقويم الاقتراحات أو السماح بالتعليق عليها أو انتقادها عند طرحها في البداية.
د تحديد المشكلة وتذكير الحاضرين بها من حين لآخر وكلما دعت الحاجة.
استخلاص النتائج:
إن الهدف من طرح الأفكار بهذه الصورة التلقائية الحرة هو الوصول إلى نتائج واقعية منبثقة من المعلومات التي تم جمعها. ولتحقيق ذلك ينبغي الإعداد للجلسة على الوجه التالي:
أ (( دع كل مشارك يذكر مزايا اقتراحاته ومساوئها.
ب رتِّب المقترحات حسب الأولوية والجدوى.
ت ابحث عن الطرق الممكنة لتنفيذ أفضل الاقتراحات.
149
ث اختر المقترحات الأقرب إلى تحقيق الهدف.
ج أحل المقترحات المختارة على الجهات المختصة )) (١).
(١) (( دليل التنمية البشرية )): ٨٨ - ٨٩.
150
التدريب على التخلص من
المصطلحات السلبية
هناك بعض المصطلحات من الكلمات والجمل لها دلالات سلبية في واقعنا وأحوالنا، ولها دلالات محبطة لمن يسمعها، وقد يتأثر بها - سلباً - تأثراً كبيراً، وهذا لكوننا قد نشأنا على تراخ وضعف، ولم نعتد أخذ الأمور بقوة وجد وحزم، وقد قال الله تعالى: (خذوا مآ ءاتيناكم بقوةٍ) (١)، لكن هذا هو واقعنا وعلينا أن نواجهه لنصلحه ونقوِّمه إن شاء الله تعالى.
وتلك المصطلحات السلبية:
١ - سأحاول فعل كذا وكذا يوماً ما:
هذا التعبير يشي بالتردد وعدم الاهتمام بالموضوع على وجه كافٍ، أو يشي بالضعف وعدم الثقة بالنفس، ويا
(١) سورة البقرة: آية ٦٣.
151
حبذا لو استعمل مصطلح بديل أكثر حزماً وجدية، نحو: سأنجز كذا وكذا إن شاء الله تعالى، فهذا المصطلح وأمثاله يرسخ في نفس القائل والمقول له الثقة والاطمئنان.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - نقلت عنه أحاديث كثيرة تتضمن عدداً من الأوامر والتوجيهات التي تتطلب استجابة من الصحابة رضي الله عنهم فلم يُحفظ - والله أعلم - عن أحد منهم قوله: سأحاول فعل كذا وكذا استجابة لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كانوا يجيبونه - صلى الله عليه وسلم أنا يا رسول الله، أو: نحن يا رسول الله، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم بأوامر متعددة متنوعة فيسارعون إلى الإجابة بلا تردد ولا تلكؤ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأحيان يربطهم بالمشيئة ليربيهم على ملاحظتها، فقد وصف لهم نعيم الجنة فلما قال لهم: (( فهل من مشمر؟: إن شاء الله ))، فقالوا: إن شاء الله (١)، فلم يقل الصحابة رضي الله عنهم سنحاول أن نكون المشمرين، بل أجابوا بما هو لائق بحالهم رضي الله عنهم
وقال - صلى الله عليه وسلم - لجرير بن عبد الله البجليّ (٢): (( ألا تريحني
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه: كتاب الزهد: باب صفة الجنة، وفي إسناده رجل مختلف في توثيقه، ورواه ابن حبان.
(٢) صحابي مشهور. أخرج له أصحاب الكتب الستة. توفي سنة ٥١هـ رضي الله عنه انظر (( التقريب )): ١٣٩.
152
من دّي الخَلَصة؟ )) - صنم في خثعم، فقال: بلى، فانطلق في خمسين ومائة فارس ... (١).
فاستجابته فورية رضي الله عنه، وجوابه حازم.
وقال - صلى الله عليه وسلم (( من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسولَه؟ )) فاستجاب له محمد بن مسلمة (٢) رضي الله عنه استجابة رائعة وقتل ذلك اليهودي (٣).
وهكذا نجد أن خير الأجوبة أحزمها وأشرعها استجابة لأوامر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأجوبة ما يُكسى برداء التردد أو الضعف أو التراخي، والله أعلم.
٢ - أنا خَلقت هكذا، أو: ليس عندي أحسن من هذا، أو: هذه إمكاناتي وقدراتي:
وهذا ونحوه من المصطلحات له أثر سيئ، وهو مورث للتخذيل والضعف؛ وذلك لأن المرء يكون حاله بحسب ما يرى نفسه، وهو الذي يضع من نفسه أو يرفعها
(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحة: كتاب المغازي: غزوة ذي الخلصة ..
(٢) محمد بن مسلمة بن سلمة الأنصاريّ. صحابي مشهور. توفي بعد سنة أربعين. أخرج له أصحاب الكتب الستة. انظر (( التقريب )): ٥٠٧.
(٣) المصدر السابق: كتاب المغازي: باب قتل كعب بن الأشرف.
153
لا الناس، وإن أراد المجد والعلو فلن يجد معوقات أمامه - إن شاء الله تعالى -، فقد قال جلَّ من قائل: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلبا) (١).
ولا أحفظ جواباً لأحد من الصحابة يماثل ما ذكرته، بل كانت حياتهم كلها جد وتشمير ومحاولة للوصول إلى الأعلى والأفضل، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحفزهم بمحفزات كثيرة، فيرى منهم الاستجابة والالتزام، فقد قال لهم - صلى الله عليه وسلم (( أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ )) موسوعة الأحاديث ↗ (٢) (( أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ )) موسوعة الأحاديث ↗ (٣) ونحو هذا من الأسئلة التي لم يواجَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعلان الضعف والعجز، ولكن تساءلوا رضي الله عنهم عن الكيفية، وهذا هو الحال اللائق بهم رضي الله عنهم
وهذا الصحابي الذي جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن شرائعَ الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بأمر لا أزال أتشبت به، فقال له - صلى الله عليه وسلم (( قل: آمنتُ بالله، ثم استقم )) (٤)، فهذا
(١) سورة العنكبوت: آية٦٩.
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحة: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب فضل سورة الإخلاص.
(٣) المصدر السابق: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء.
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب جامع أوصاف الإسلام.
154
الصحابي رضي الله عنه لم يعلن العجز، ولم يرد الأمر بل طلب الدلالة على أمر جامع يتمسك به.
وهذا الصحابي الضرير لما جاء يستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ببيته، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم (( هل تسمع النداء بالصلاة؟ )) موسوعة الأحاديث ↗ قال: نعم، قال: (( فأجب )) (١).
فامتثل رضي الله تعالى عنه على أنه كان له عذر واضح، فلم ينقل عنه إظهار العجز أو القصور.
٣ - أنت السبب، أو أنت الملوم، أو غير ذلك مما ينبئ باللوم والاتهام للآخرين:
وهذه المصطلحات ونحوها تستعمل في الهروب من الواقع والتملص من المسؤولية الشخصية، ويا حبذا لو استبدل به كلمة: أنا السبب أو نحوها مما ينطوي على تحمل الأمانة والشعور بالمسؤولية، فاستعمال مثل هذا المصطلح البديل يورث الاطمئنان على أهلية الشخص وأنه لا يلغي بتبعة تقصيره على الآخرين.
هذا نبي الله آدم - عليه الصلاة والسلام - لما عصى ربَّه بالأكل من الشجرة لم يقل لربه تبارك وتعالى مثلاً: أنت قدَّرت عليَّ أو أنت كتبت علي، إنما قال - صلى الله عليه وسلم
(١) المصدر السابق: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل صلاة الجماعة.
155
(ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (١).
ويجوز - في ميزان الأدب - أن ينسب المرء إلى نفسه التقصير، أو ينسبه إلى نفسه والآخرين ولو لم يكن له علاقة به، فهذا نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام لما خاطب أباه بما جرى بينه وبين إخواته، قال: (يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) (٢).
فقد نسب عليه الصلاة والسلام ظلم إخوته له إلى الشيطان، وجعل الأمر مشتركاً بينهم، ولم يكن له علاقة ألبتة بما جرى عليه الصلاة والسلام، بل كانوا هم الظالمين قطعاً، مع ذلك لم ينسب إليهم ما حدث أدباً منه عليه الصلاة والسلام
فيجب إذاً على كل منا أن يكون على المظنون به من تحمل المسؤولية، والإقرار بالتقصير وعدم الهروب بإلقاء التبعة على الآخرين، وقصة كعب بن مالك رضي الله عنه في تحمله المسؤولية عن تخلفه عن غزوة تبوك، والإقرار
(١) سورة الأعراف: آية ٢٣.
(٢) سورة يوسف: آية ١٠٠.
156
الكامل بذلك بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معروفة مشهورة، وأيضاً قصة حاطب بن أبي بَلْتعة رضي الله عنه (١) وإقراره الكامل بما صنع من إخبار قريش بالغزو، فلم يحاول التملص ولا التهرب رضي الله تعالى عنه، وهكذا ينبغي أن نكون إذا وقعنا في خطأ، حمانا الله تعالى وإياكم.
٤ - هذا الأمر صعب أو مشكل أو فيه مخاطرة
وهذه المصطلحات وأمثالها - إن قيلت على غير وجهها - تنبئ عن قصور في التصوير وضعف في أخذ ما ينبغي أخذه بقوة، وهذا الشخص المردد لهذه المصطلحات إنما يرددها غيرَ مدرك لما تورثه في نفسه من عقبات وحواجزَ قد يصعب عليه تجاوزها طيلة حياته.
وينبغي على المرء أن يدرب نفسه على استعمال بعض المصطلحات التي تعينه وتفتح له آفاقاً بعد آفاق، كأن يقول - مثلاً - في نفسه: هذا فيه تحدِّ لي وأنا أهل له إن شاء الله تعالى، أو أن يقول: هذه فرصة عظيمة إن انتهزتها فتحت لي مجالاتٍ عظيمة، أو أن يقول: سأذلل كل العقبات - إن شاء الله تعالى - حتى يتذلل هذا الأمر
(١) اللخميّ، حليف بني أسد بن عبد العزي. كان أحد الفرسان في الجاهلية وشاعراً من شعرائهم. توفي رضي الله عنه سنة ثلاثين وله خمس وستون سنة.
157
ويسهل، وأمثال هذه الجمل التي تعين على تحقيق المراد.
لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - طالباً عير قريش وخرج معه عدد من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فوجئوا بما لم يكن في حسبانهم، إذ برز لهم جيش كثيف نسبياً، فلما استشار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه لم يقل أحد منهم: هذه مشكلة، أو هذه مخاطرة، أو هذا أمر صعب، بل تنوعت كلماتهم لفظاً واتفقت معنى في وجوب التصدي لهذا الجيش وإعلان مساندتهم الكاملة للنبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله تعالى عنهم ما أحسن استجابتهم وأكرم نفوسهم.
وحدِّث ولا حرج عما يورثه انتهاز الفرص وعدم الالتفات إلى الصعاب من مجد ورفعه، فهذا الحديث مستلذ مستطاب وعليه أمثلة كثيرة من تاريخنا الإسلامي: فتح مكة، وفتح بيت المقدس، وعين جالوت، وحرب رمضان سنة ١٣٩٣، وغير ذلك كثير مبثوث في التاريخ، والله المسؤول أن يرجع لنا أمجادنا التليدة وأوطاننا السلبية.
٥ - أنا أعرف تماماً ما يجري حولي ومطلع عليه:
هذا المصطلح يورث قائلة الغرور أو الغفلة، وذلك لأنه ينشئ بهذا المصطلح وأمثاله سداً منيعاً بينه وبين الناس؛ إذ يحجمون عن نصحه أو إبلاغه بما هو في أمسِّ
158
الحاجة لمعرفته وإدراكه، ويظن المسكين أنه قد أحاط بكل شيء علماً.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الموحى إليه المسدَّد المؤيَّد يراجَع في بعض الأمور والشؤون، فلا يجد غضاضة في ذلك، ولا يجد مَن يراجعه حرجاً من مراجعته تلك لأنه يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أفسح له الطريق بقوله: (( الدين النصيحة )). قلنا: لمن؟ قال: (( ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم )) (١).
فمثل هذا الكلام المشجْع قد فتح الباب على مصراعيه للمراجعة والنصيحة، فلم يؤثر عنه - صلى الله عليه وسلم - امتناع عن تقبل النصح أو ترفع عنه أو استنكاف له، ولم يشعر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذا أبداً، فهذا الحُباب بن المنذر رضي الله عنه (٢) يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم يارسول الله، أهذا منزل أنزلكَه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: (( بل هو الرأي والحرب والمكيدة )). فقال الحباب: يا
(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحة: كتاب الإيمان: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين )).
(٢) الحُباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخرَرجي ثم السلميّ. شهد بدراً. وكان يقرض الشعر. توفي في خلافة عمر رضي الله عنهما وقد زاد على الخمسين. انظر (( الإصابة )): ١/ ٣٠٢.
159
رسول الله، إن هذا ليس بمنزل!! (١)
ثم أشار عليه برأي آخر فأخذ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
بل قد وصف المنافقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه أُذُن أي يستمع ويصغي لك من يخبره بشيء، قال تعالى: (ويقولون هو أذن قل خير لكم) (٢).
وهكذا إذا شعر الناس أن شخصاً ما يتقبل كلامهم ونصائحهم ويقبل عليها، ويأخذ بالنافع منها بعد أن يسمعها بصدر رحب، فإنهم سيوالونه بالنصح الثمين والتذكير المهم الذي يرفع من شأن الشخص ويجنبه المزالق والأخطاء الفادحة.
وليس أقضل - في باب التدريب على تجاوز هذا المصطلح - من تعليم النفس التواضع، وقراءة الأحاديث التي رفعت قدره وحذرت من الكِبْر وأهله، وقراءة سير السلف الصالحين، ومصاحبة المربين الصالحين تحمي من هذا الغرور الخطير والكبر الأثيم.
٦ - جملة من الألفاظ المحبطة
إن كثيراً من الناس يطلق ألفاضاً لا يدرك خطورتها،
(١) (( السيرة النبوية )) لابن هشام: ٢/ ٦٢٠.
(٢) سورة التوبة: آية ٦١.
160
أو أنه يواجه الناس بعبارات تورثهم الإحباط والضيق، وقد ينصرفون بالكامل عن أهدافهم إذا تعودوا من الشخص المشارك لهم أن يواجههم بمثل هذه العبارات.
وقد بيَّن أحد الباحثين عدداً من هذه الألفاظ المستعملة في بعض الشركات والمؤسسات، والتي تنذر بخرابها وإفلاسها، وإعراض الناس عنها، وذلك نحو:
161
١ - لم تستخدم أبداً هذه الطريقة من قبل.
٢ - لا تتحرك بسرعة زائدة
٣ - فلننتظر ونرى.
٤ - ليست مشكلتنا.
٥ - هذا مبكْر جداً.
٦ - هذا متأخر جداً.
٧ - لن تستطيع أبدا أن تقنع الآخرين بذلك.
٨ - لن تصلح.
٩ - ليس لدينا القوى العاملة.
١٠ - أنا متأكد أنها لن تصلح.
١١ - لن يعلمني شاب مراهق كيف أدير هذه المنظمة.
١٢ - ستزيد النفقات العامة.
١٣ - أنت لا تفهم مشكلتنا.
١٤ - تلك مسؤوليتهم ولست مسؤوليتنا.
١٥ - دعنا نشكَّل لجنة.
١٦ - لو كان فيه خير لاقترحه البعض.
١٧ - فلنناقش هذا في فرصة أخرى.
١٨ - حجمنا صغير/ كبير جداً بالنسبة إلى ذلك.
١٩ - لا توجد لوائح تتعلق بذلك.
٢٠ - لماذا الجديد الآن؟
٢١ - لقد جرَّبنا هذا من قبل.
٢٢ - مناسب نظرياً لكن هل يمكن أن نطبقه عملياً؟
٢٣ - عصري زيادة عن اللزوم.
٢٤ - من طراز عتيق جداً
٢٥ - ليست في الميزانية.
٢٦ - لسنا على استعداد لها.
٢٧ - وهذا يعني المزيد من العمل.
٢٨ - فلنجعلها في شكل مكتوب
٢٩ - لن تصلح في صناعتنا.
٣٠ - كلام فارغ.
٣١ - لدينا مشاريع كثيرة جداً الآن.
٣٢ - لقد ظل الحال هكذا لمدة عشر سنوات، فلابد أن كل شيء على ما يرام.
٣٣ - عدنا إلى هذه السيرة.
٣٤ - لا أرى أي علاقة.
٣٥ - اللوائح لا تمكننا من ذلك.
٣٦ - ليست في الخطة (١)
(١) (( دليل التنمية البشرية )): ٢٤٢.
162
بمثل هذه التعبيرات تتهدم المؤسسات أو تتراجع تراجعناً كبيراً، وذلك لما تورثه من الإحباط أو الغرور، وبمثل تلك التعبيرات يحبط الأشخاص وتوضع سدود أمام طموحاتهم، ويستطيع الشخص - بسهولة - إذا اعتاد التفوّه بها وأمثالها أن يقضي على طموح جماعة كبيرة من الناس، والله تعالى أعلم.
163
التدريب على انتهاز الفرص
الحياة التي يحياها المرء تجري في كثير من الأحيان على وتيرة واحدة، رتيبة ليس فيها شيء جديد - كما يقال - لكن قد تلوح في الأفق فرصة تغير مجرى حياة الشخص كلية، وتؤثر في سيره في هذه الحياة، وقد لا تلوح هذه الفرصة إلا مرة واحدة في حياته، فإن انتهزها واستغلَّها استقامت له وصحَّت وإلا انصرفت عنه وولَّت.
وشرط انتهاز الفرصة أن يكون الشخص مدركاً أنها فرصة، فكم من أشخاص تلوح لهم فرص ثم لا يستفيدون منها لعدم إدراكهم أنها فرصة قد لا تتكرر، لذلك شرعت لنا الاستخارة وحببت إلينا الاستشارة، وكان النصح لعامة المسلمين من الأصور الأصلية في شرعنا المطهر، و (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه - أو قال: لجاره - ما يحب لنفسه )) (١).
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب لا يؤمن أحدكم حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه.
164
والفرصة قد تكون مركزاً وجاهاً ومنصباً يخدم به المرء دينه وأهل دينه خاصةً في المناصب العالمية، ومثالها - اليوم - منصب مدير اليونيسكو، الذي يُتنافس عليه، فمن فاز به وسخره لخدمة دينه فقد فاز.
والفرصة قد تكون تجارة سانحة تعود على صاحبها بالمال الجزيل فيستفيد منه فائدة جليلة في دينه ودنياه، والمال اليوم عصب الحياة كما هو معلوم.
والفرص كثيرة لا يمكن حصرها ولا الدلالة عليها وإلا لم تصبح فرصة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد انتهز عدة فرص في حياته الشريفة، فلقاؤه المشركين ببدر فرصة، وفتحه مكة بعد أن نقضت قريش العهد مع خزاعة، فاهتبل النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الفرصة السانحة وفتح مكة وأزال عنها الأصنام والشرك، وكانت بوابة لدخول أهل الجزيرة كلهم في الإسلام، فما أعظمها من فرصة، وما أحسن اقتناصها.
وهذا عمر رضي الله تعالى عنه انتهز الفرصة السانحة بوجود كثير من الصحابة الأبطال رضي الله تعالى عنهم واتفاق كلمة الناس عليهم ففتح بهم أجزاء كبيرة من
165
الإمبراطوريات ذوات الحضارات، وأنارها بالإسلام بعد ظلام طويل.
وهذا عثمان رضي الله تعالى عنه انتهز فرصة وجود الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المدينة، فجمع الناس على مصحف إمام واحد اتفقت كلمة الصحابة عليه، وصار للناس إماماً مجمعاً عليه، فحمى الله تعالى به من شر كثير واختلاف عريض وفساد كبير.
وهذا الحسن رضي الله تعالى عنه انتهز فرصة اجتماع أكثر الناس عليه فتنازل لمعاوية رضي الله تعالى عنه عن الخلافة وحقن دماء المسلمين واستحقَّ السيادةَ التي وصفه بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معجزة له حين قال: (( إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )) (١).
وهذا رجاء بن حيوة (٢) رحمه الله تعالى رحمة
(١) أخرجه الإمام البخاريّ في صحيحه: كتاب الصلح: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للحسن بن لي رضي الله عنهما (( إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين )).
(٢) هو وزير سليمان بن عبد الملك، وكان من كبار التابعين. توفي سنة ١١٢ رحمه الله تعالى، وانظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ٤/ ٥٥٧ وما بعدها.
166
واسعة، استغلَّ الفرصة العظيمة حين وجد من سليمان بن عبد الملك رحمه الله تعالى إقبالاً عليه وإصغاءً له وحباً لعمر بن عبد العزيز فأقنعه أن يعهد لعمر بالخلافة من بعده، وسهل ما يتصوره سليمان من عقبات من قبل هشام أخيه وغيره من بني أمية، ومضت الخلافة لعمر رضي الله عنه فأعادها راشدة كما كانت، وجرى على يديه خير كيثير.
وهذا المأمون (١) أعجب بعلي بن موسى الرضا (٢) رحمها الله تعالى إعجاباً بالغاً، وانتهزَ فرصةَ أن بيده مقاليد الأمور، ووجد رجلاً صالحاً عاقلاً أهلاً للخلافة، فولاَّه ولاية العهد ولم يأبه لاعتراضات بني العباس، صحيح أن علي بن موصى توفي سنة ٢٠٣ قبل وفاة المأمون بخمس عشرة سنة، لكني أتحدث عن الأصل، وهو وجود فرصة وانتهازها وتوجيهها للخير والصلاح.
(١) عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد، أبو العباس، أحد أذكياء الخلفاء وكبارهم لولا ميله إلى الاعتزال، نسأل الله السلامة. توفي سنة ٢١٨ رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في المصدر السابق: ١٠/ ٢٧٢، وما بعدها.
(٢) من نسل الحسين بن علي رضي الله عنهم، ولد سنة ١٤٨ وتوفي كهلاً سنة ٢٠٣ رحمه الله تعالى. انظر المصدر السابق: ٩/ ٣٨٧، وما بعدها.
167
والمتوكِّل (١) انتهز فرصة توليه الخلافة وقام بإنهاء فتنة خلق القرآن التي امتدت أعواماً طويلة، وأحيا السنة وكرَّم الإمام أحمد رحمهما الله تعالى، فقطع دابر فتنة كادت تعصف بصفاء العقيدة ونقائها.
ونظام الملك الوزير الصالح (٢) الذي انتهز فرصة إقبال الدولة عليه فبنى مدارس عرفت بالمدارس النظامية في بغداد ونيسابور وغيرهما، وعيَّن كبار العلماء مدرِّسين فيها.
وعون الدين ابن هُبيرة (٣) الوزير الصالح انتهز فرصة وزارته وأكرم العلماء وطلبة العلم، وأجرى عليهم أرزاقاً،
(١) جعفر بن محمد بن هارون، أبو الفضل العباس. توفي رحمه الله تعالى سنة ٢٤٧ انظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ١٢/ ٣٠ وما بعدها.
(٢) الوزير الكبير الحسن بن علي بن إسحاق الطوسيّ. عاقل سائس، خبير، سعيد. كان فيه خير وتقوى وميل إلى الصالحين وخضوع لموعظتهم حتى ينكسر ويبكي. قتل علي يد الباطنية سنة ٤٨٥ رحمه الله تعالى. انظر المصدر السابق: ١٩/ ٩٤ وما بعدها.
(٣) الوزير الكامل والإمام العالم العادل، عون الدين، يمين الخلافة، أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الشيبانيّ الدوري العراقيّ الحنبلي صاحب التصانيف، وزير الدولة السلجوقية. كانت له أفعال حسنة وصفات جميلة. توفي سنة ٥٦٠ رحمه الله تعالى. انظر المصدر السابق: ٢٠/ ٤٢٦ وما بعدها.
168
وجعلهم المقربين إليه، وعمل أعمالاً جليلةً من البر والعدل.
ونور الدين زنكي (١) انتهز فرصة سلطنته على رقعة واسعة من البلاد الإسلامية، وقام بافتتاح سلسلة طويلة من المعارك مع الصليبيين الذين عاثوا في الديار الشامية زماناً طويلاً، ومهد الطريق لخلفة صلاح الدين الذي استغلَّ فرصة سانحة جداً وأخرج الصليبيين من بيت المقدس بعد احتلال طويل دام قرابة تسعين سنة.
وهذا الأشرف خليل السلطان المملوكيّ (٢) الذي انتهز فرصة مناسبة فطرد الصليبيين من عكا آخر معاقلهم هناك، وطهر الساحل الشامي والديار الإسلامية منهم.
(١) الملك العادل تقي الملوك ليث الإسلام محمود بن زَنكي التركيّ. ولد سنة ٥١١، وكان قد حمل رايتي العدل والجهاد، قَلَّ أن ترى العيون مثله. توفي سنة ٥٦٩ رحمه الله تعالى. انظر المصدر السابق: ٤/ ١٥٧٩ - ١٥٨٣.
(٢) خليل بن قلاوون السلطان الملك الأشرف الصالحيّ. تولَّى السلطنة سنة ٦٨٩ بعد والده، واستفتحه بالجهاد، ونازل عكا وفتحها، ونظف الشام كله من الفرنج، وفتح حصناً للروم، وكان بطلاً مقداماً شجاعاً عالي الهمة، صخماً سميناً، جواداً، منهمكاً باللذات. قتل رحمه الله تعالى سنة ٦٩٣ وهو دون الثلاثين. انظر (( الوافي بالوفيات )): ١٣/ ٣٩٩ - ٤١٠.
169
والسلطان العظيم محمد الفاتح (١) الذي مدحه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( لتفتحنَّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش )) (٢)، هذا السلطان انتهز الفرصة السانحة المهمة وقام بفتح القسطنطينية القلعة الشامخة التي حاول كثير من الخلفاء والملوك فتحها فما تيسَّر لهم، فانتهز تلك الفرصة العظيمة، وافتتحها ودوي الأذان في جنباتها، وقهر الكفار قهراً عظيماً، ولله الحمد.
والسلطان العظيم أورانك زيب عالم كَير (٣) الذي حكم دولة المغول شمال الهند خمسين سنة، انتهز فرصة
(١) محمد بن مراد بيك بن محمد بك بن بايزيد، السلطان العثماني الذي فتح القسطنطينية. تولى السلطنة بعد أبيه سنة ٨٥٥، وكان يحب العلم والعلماء مقرباً لهم، وله مآثر كثيرة من مدارس وزوايا وجوامع، وفتح القسطنطينية سنة ٨٥٧. توفي سنة ٨٨٦ رحمه الله تعالى. انظر (( المختار المصون )): ١/ ٥٥٩ - ٥٦١.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن بشر بن سُحيم رضي الله عنه، وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي: انظر (( الفتح الرباني )): ٢٣/ ١٧٤.
(٣) الإمام المجاهد المظفر المنصور السلطان بن السلطان أبو المظفر محمد أورنكً زيب عالمكَير بن شاهجهان. أيد الإسلام وفتح الفتوحات العظيمة. ولد سنة ١٠٢٨، وتولى السلطنة سنة ١٠٦٨ لمدة خمسين سنة حيث توفي سنة ١١١٨، وكان عادلاً متورعاً عابداً رحمهُ الله تعالى. انظر (( المختار المصون )): ٣/ ١٣٧٠ - ١٣٧٨.
170
توليه السلطنة وأتى بأعمال مجيدة عظيمة منها تقريب العلماء، ووضع كتاب (( الفتاوى الهندية )) بمساعدة علماء النهد له، وأعاد العدل ورفع مظالم كثيرة، وألغى الضرائب والمكوس.
والإمام محمد بن عبد الوهاب الذي انتهز فرصة سانحة ونشر العقيدة الصحيحة بين سكان نجد وما حولها بالتعاون مع الأمير محمد بن سعود، فقامت دولة الدين فتية، ولله الحمد.
وهكذا الفرص إذا انتهزت وسخرت لصالح الإسلام والمسلمين فإنها تكون في غاية الفائدة ويكون منتهزُها مشكوراً مأجوراً إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
التدريب على انتهاز الفرص:
إذا كانت الفرص وانتهازها على هذه الأهمية البالغة فيجب أن يدرب المرء نفسه على تحسس الفرص وإحسان انتهازها على الوجه المقترح الآتي:
أولاً: ... إحسان تتبع الأخبار وتَسَقُّطها، فإن كثيراً من الصالحين لا يأبهون بالأخبار ولا يتتبعونها التتبع الكافي إهمالاً منهم لها، أو زاهداً فيها، فيحسن بالمرء إذا أن يطَّلع على بعض الجرائد
171
والمجلات النافعة، ويتسمع الأخبار من مصادرها المتاحة.
والأمر الغريب أن بعض من قلَّ فهمه يَنْبز مَن يتتبع أخبار المسلمين ومخططات الكافرين بأنه يريد معرفة فقه الواقع، وكأن فقه الواقع عيب يعاب على الناس وينبزون به!
ثانياً: ... إحسان قراءة الوقائع بدون إفراط ولا تفريط، ولا مبالغة ولا غلوِّ ولا شطط، فإن آفة الأخبار رواتها، والعجب ممن يهول الأمور تهويلاً يؤدي إلى الإحباط، أو يهون من شأنها تهويناً يؤدي إلى التقصير في تتبعها وإدراكها، فإن كلا الرجلين قد أخطأ القصد ومال إلى الإفراط أو التفريط.
ثالثاً: توسيع (( الأفق ))، فإن ضيقه يؤدي بالمرء إلى فقدان فرص كثيرة، أو إلى توهم ما ليس بشيء فرصة عظيمة، ويحصل للمرء (( سعة الأفق )) هذه بكثرة اطِّلاعه وتعدد رحلاته، ومقابلته لكثير من المجربين ممن صقلتهم الأيام، بالإضافة إلى ما رُزقه من موهبة فطرية ونظرات صائبة قوية.
172
رابعاً: ... إحسان بناء العلاقات بالناس خاصة الوجهاء والمقدَّمين منهم، فإنهم - عادةً - الباب الذي يولج منه لانتهاز الفرص، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يولي هؤلاء عناية خاصة ويكرمهم ويرفع قدرهم (١).
خامساً: ... الإقدام والعزم، فإن النكوص والتردد والضعف بضيع الفرصة ويهدرها، قال تعالى (فإذا عزمت فتوكل على الله) (٢)، وقال الشاعر:
إذا هبَّبت رياحك فاغتنمها ... فإن الخافقات لها سكونُ وإن ولدت نياقك فاحتلبها ... فلا تدري الفصيل لمن يكونُ
سادساً: ... قراءة تاريخ الذين انتهزوا الفرص ممن ذكرتهم آنفاً وأمثالهم من المسلمين وغيرهم، فإن تجاربهم نافعة، وتعلم المرء طرقاً متنوعة في هذا الباب، وخير ما يعين على هذا قراءة كتب السير وكتب الذكريات والمذكرات.
سابعاً: ... استشارة أهل الخبرة في هذا الباب، والاستفادة مما عندهم من تجارب، وكانت العرب قديماً
(١) يراجع قصة عدي بن حاتم وجرير بن عبد الله البجليّ وأمثالهما رضي الله عنهما في السيرة المعطرة.
(٢) سورة أل عمران: آية ١٥٩.
173
تقول: ما ندم من استخار، وما خاب من استشار.
هذه بعض طرائق تعلم انتهاز الفرص ليُخدم بها الإسلام وأهله، والله تعالى أعلم.
174
التدريب على المحاسبة
والمساءلة والتقويم
لابد من إرساء مبدأ المحاسبة والمساءلة في كل أعمال المسلم، فالمحاسبة والمساءلة ترتفعان بالشخص إلى تحقيق ما هو مسؤول عنه ومطالب به، والعكس منذلك صحيح، فإذا غابت المحاسبة والمساءلة تدهور العمل وقلَّ العطاء.
والله تبارك وتعالى يحاسب عبادَه يوم القيامة، ويرغبهم بمحاسبة أنفسهم قبل ان يُحاسبوا، والعباد يحاسب بعضهم بعضاً على الأموال والحقوق أشد المحاسبة، فالدعاة أحرى أن يحاسب بعضهم بعضاً، ويوقف بعضهم بعضاً على مسؤوليته في الدعوة إلى الله تعالى، فلو أخذت مراكز الدعوة والمكاتب التعاونية وهيآت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخذ بهذا كل العاملين للإسلام، لو أخذوا جميعهم بهذا المبدأ لاستقامت أمور كثيرة معوجَّة، ولصُححت أوضاع خاطئة كثيرة.
175
لماذا يكون ثقيلاً على النفس (( قيام شخص بمحاسبة شخص آخر ومساءلته ومناقشته في عيوبه أو هفواته، وبالخصوص إذا كان الشخص مساوياً للشخص في المكانة الاجتماعية، أو بخصوصية أكبر إذا كان الناصح أو الناقد أو المناقش شخصاً أقلَّ من الآخر في قليل أو كثير ..
كم من أخوة ذابت، وصداقات تهاوت، وزمالة انتكست لأن الأخ أو الصديق أو الزميل حاول ألا ينتظر أو يمارس الحيادية الفارغة أو المجاملة عند صدور خطأ من الشخص، بل ناقش فيه فوراً ... )) (١).
هذا، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقيد من نفسه الشريفة الكريمة، وما ذلك إلا ضرب من المحاسبة في الذروة منها والكمال، فعن أُسيد بن حُضير (٢) رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طعنه في خاصرته بعود، فقال: أصبِرْني (٣)، فقال: (( اصطبر ))، قال: إن عليك قميصاً وليس عليَّ قميص، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قميصِه فاحتضَنه وجعل يقبَّل
(١) (( الانتحار الذاتي )): ٩٤ - ٩٦.
(٢) أُسيد بن حُضير بن سِماك الأنصاري الأَثْهليّ، أبو يحيى. صحابي جليل. توفي سنة عشرين أو في التي بعدها، رضي الله عنه انظر: (( التقريب )) :١١٢.
(٣) أي: أقِدْني من نفسك.
176
كَشْحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله (١).
وقال الشافعي: روي من حديث عمر أنه قال: (( رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي القَوَد من نفسي )) (٢).
فهذه أصول في المحاسبة يجب أن تراعي وتُؤدَّى.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحاسب العمَّال، فقد (( استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً من الأَسْد (٣) على صفات صدقات بني سُلَيم يُدعى ابنَ اللُّتْبِيَّة، فلما جاء حاسبه )) (٤).
وقال العينيّ (٥) رحمه الله تعالى:
(١) أخرجه الإمام أبو داود في سننه: كتاب الأدب. والكَشْح: الخاصرة.
(٢) (( عون المعبود )) :١٢/ ٢٦٨.
(٣) الأسد والأزد بمعنى.
(٤) أخرجه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة: باب قول الله تعالى: (والعاملين عليها) ومحاسبة المُصَّدِّقين مع الإمام.
(٥) محمود بن أحمد بن موسى بدر الدين أبو محمد العيني الحلبي الأصل ثم القاهريّ، الحنفيّ. ولد في عنتاب سنة ٧٦٢ ودرس بها عدداً من العلوم وبرع، ثم ارتحل إلى بلدان متعددة ودخل القاهرة سنة ٧٨٨ وولي بها عدة وظائف واجتمع له القضاء والحسبة ونظر الأوقاف معاً ودرس بها، له عدة مصنفات. توفي سنة ٨٥٥ رحمه الله تعالى. انظر (( المختار المصون )): ١/ ٥٧٠ - ٥٧٢.
177
(( فيه من الفقه جواز محاسبة المؤتمن، وأن المحاسبة تصحح أمانته، وهو أصل فعل عمر رضي الله تعالى عنه في محاسبة العمال )) (١).
هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نبَّه أبا بكر الصديق رضي الله عنه على أمر لم يُرضِه أن يصدر من أبي بكر رضي الله عنه، فعن عائذ بن عمرو رضي الله تعالى عنه أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: والله ما أخذت سوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه أتقولون هذا لشيخ قريش وسيِّدهم؟ فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال (( يا أبا بكر لعلك أغضبتَهم، لئن كنتَ أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربَّك )) موسوعة الأحاديث ↗. فأتاهم أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا إخوتاه، أغضبتُكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي (٢).
قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى:
(( هذا الإتيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، ... وفيه مراعاة قلوب الضعفاء وأهل الدين وكرامهم وملاطفتهم )) (٣).
(١) (( عمدة القاري )): ٧/ ٣٦٧.
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل سلمان وبلال وصهيب رضي الله تعالى عنهم.
(٣) (( صحيح مسلم بشرح النووي )): ١٦/ ٥٣.
178
وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يعلِّم الأمة المحاسبة والتقويم فيقول:
(( إنما أنا متَّبع ولست بمبتدع، فإن استقمتُ فبايعوني، وإن زِغْتُ فقوِّموني ... )) (١).
إذاً المحاسبة ليس فيها محذور - إن شاء الله تعالى - وعلى كل من وَلِيَ أمراً من أمور المسلمين أن يتقبل المحاسبة بصدر رحب، وهي أسهل عليه من الحساب الأخرويّ، أو أنها تُسهِّل عليه الحساب الأخرويّ.
التدريب على المحاسبة والتقويم:
سأذكر في باب التدريب على المحاسبة والتقويم قواعد عامة لا تغني عن تفصيلات ليس هذا مكانها، فمن ذلك:
١ - إنشاء المجالس التقويمية
لابد لإحسان التقويم والمحاسبة من إنشاء مجالس تقويمية خاصة في كل هيئة ومؤسسة داعية للإسلام، فإن هذا المجلس خطوة صحيحة في طريق الدعوة، ولا بد أن يعطى هذا التقويم الزمان الكافي بدون ملل ولا
(١) (( البداية والنهاية )): ٦/ ٣٠٣.
179
انقطاع وفق برنامج معد سلفاً متفق عليه بين أعضاء المجلس التقويميّ.
٢ - المصارحة والقوة
حتى يكون للتقويم أثره الصحيح لا بد من المصارحة بالأخطاء ونقدها بقوة - لا تخلو من أدب - فإن المجاملة والمواربة لا تصلحان في هذا المقام الخطير الشأن، والقسوة في هذا المقام تشبه قسوة الجراح على المريض حين يسرِّح مشرطه في جسده لكنه يُقدِّر أن هذا التسريح سيكون له أجمل العواقب وأحسنها، فلا يصح إذاً أن يغضب المرء من القوة والمصارحة حال التقويم، بل يبادر بالاعتذار المتلوِّ بالتصحيح، وعلى المقوِّم أن يحزم حيناً ويلين أخرى بحسب الحال والموقف، حتى لا يسير بمن معه على وتيرة واحدة من الحزم أو اللين فيفسد العمل.
٣ - الشمول
ينبغي أن يكون التقويم شاملاً لكل مناحي العمل فلا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا شاردة إلا قيَّدها، ولا واردة إلا قوَّمها وأعدَّ له العدَّة اللازمة، وبغير ذاك قد ينفذ الخلل في ثنايا الصغائر ليقبلها كبائر، وقد يهدم البنيانَ الشامخَ زوالُ لبنة منه أو اختلالها.
180
٤ - التذكير حيناً بعد حين بأهمية العمل:
إن للمجالس التقويمية أثراً بالغاً في التذكير بأهمية العمل والحرص على تجديد العهد به في متناول يده، وهذا الأصل معلوم في دين الإسلام، فالله تعالى كان يثبت نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - حيناً بعد حين في آيات كثيرات: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسُل ما نثبت به فؤادك) (١)، (فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) (٢)، (ما ودعك ربك وما قلى) (٣).
٥ - صقل العاملين
إن العاملين للإسلام لفي حاجة بالغة إلى انتهاج هذا الطريق التقويميّ والتمسك به، لكنهم قد يكونون في حاجة إلى الالتحاق بدورات تدريبية تعينهم على إحسان التقويم، والغرف التجارية والمراكز الدعوية كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمندوبيات الدعوية محالٌّ صالحة لإقامة مثل هذه الدورات لما للقائمين عليها من خبرة مناسبة، والعالم الغربي اليوم أهله في الذروة السامقة لطرق التقويم والمحاسبة؛ إذ أن حرص القوم على المال أداهم
(١) سورة هود: آية ١٢٠.
(٢) سورة الكهف: آية ٦.
(٣) سورة الضحى: آية ٣.
181
إلى أن يضعوا قواعد لجلبه وحفظه، ومن ثم التقويم والمحاسبة فيه في الغاية من الدقة والضبط، فلو أخذنا بتلك القواعد المتجددة في عملنا الإسلامي لأفلحنا إن شاء الله تعال، والله تعال أعلم.
182
التدريب على الاخشيشان
والتقلل من المباحات
انقلبت كثير من المفاهيم والموازين في هذا العصر، وأصبح الترف - على سبيل المثال - هو القاعدة السائدة عند كثير من الناس، والأنكى والأشد أن يستمرئ الصالحون الترف ويبتعدوا عن الاخشيشان والتقلل وكأنهما وصمة عار أو هوان.
إننا نتقلب - بحمد الله تعالى - في نعم عظيمة علينا أن نشكرها وأن نقدرها حق قدرها، ومن شكر النعم الأخذ منها بقدر وعدم التوسع فيها توسعاً يؤدي إلى نسيان المعاني العلية ويفضي إلى الكسل والإخلاد إلى الأرض، وعلى كل منا أن يدرِّب نفسه على الارتفاع عن كثير من المباحث واللذائذ حتى إن كانت متيسرة وسهلة عليه.
إن الملايين الجائعة في العالم الإسلامي لهي أحق بتوجيه الأموال الفائضة إليها لا أن نتمتع بها وننسى إخواننا
183
المسلمين الذين يتضورون جوعاً ويموتون برداً.
إن مشكلة الترفّه أنه يجلب الحقد: حقد الضعفاء والفقراء ما لم يشعروا بالمواساة الصادقة الكريمة، وقد يكون هذا الحقد من بعض الصالحين الذي يعيشون ظروفاً صعبة، ويلاحظون تمتعك بكل المباحث واللذائذ، وقد يقال: وهل يحق الصالح؟ أقول نعم، قد يَزلّ، وهل هو ملّك أو معصوم؟ نعم إن حقده خطأ، لكن الذي دعاه إليه ما يراه من ترفه وانشغال بالكماليات عند قوم وتضرره هو ومَن على شاكلته حتى لا يكادون يجدون كفايتهم.
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمتع باللذائذ والمباحاث لكن بقدر، وفي أوقات دون أوقات، ولذائذه ومتعه - صلى الله عليه وسلم - لا تقارن بما عليه كثير من الناس - حتى الصالحين - اليوم في متعهم ولذائذهم، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحب الحلوى والعسل، وكانت النساء قد حُبِّبن إليه، وحُبِّب إليه الطيب، وكان يحب الكَتِف، ويعرف منه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ذلك ويهدون إليه.
وقد يقال: ما للاخشيشان ولموضوع الكتاب: التدريب على العمل الإسلامي؟
وأقول: إن للترف مدخلاً كبيراً في تأخير العمل الإسلامي، بل قد يهدمه، لأن للمترفين شأناً بعيداً عن شأن
184
العاملين الباذلين المجاهدين المضحِّين، والمترف يصعب عليه ترك لذائذه ومحبوباته، ومن ثَمَّ يصعب عليه أ، يعمل عملاً قوياً مؤثراً في الحياة من حوله، لذلك كان لابد من نوع من الاخشيشان والتقلل من المباحث يربط المرء بالمعاني العلية ويخرجه من دائرة الالتزام اليوميّ بمحبوباته وشهواته ومراداته.
وهكذا كان السلف صدر الأمة رضي الله عنهم يخشوشنون أحياناً كثيرة ويتمتعون قليلاً، وما كانوا في تمتعهم - إذا تمتعوا - إلا أتقياء بزرة أنقياء، رضي الله تعالى عنهم.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - على غاية من الاخشيشان لا يكاد يبلغه فيها أحد، هذا مع تمتعه في بعض الأوقات، وتناوله بعض اللذائذ والمباحات كما بيَّنت آنفاً.
هذا وقد كان قادراً - بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه - على أن يكون ملكاً نبياً، لكنه ارتضى معيشة الزهد والتقلل لانها أقرب إلى الكمال، وقد ساس أهله - صلى الله عليه وسلم - حتى ارتضوا تلك المعيشة، وخيَّرهن بين التوسع وفراقهن وبين الرضا بمعيشته - صلى الله عليه وسلم -، فارتضينه كلهن رضي الله تعالى عنهن.
هذه عائشة رضي الله تعالى عنها تخبر عروة
185
رحمه الله تعالى - ابن أختها: (( وإن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار ))، فيتعجب عروة ويقول: ما كان يُعيشُكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء ... إلخ (١).
وقال أنس: (( ما أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطاً (٢) بعينه قط )) (٣).
وهذه عائشة رضي الله تعالى عنها تخبر أنه ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ قدم المدينة من طعام بُرِّ ثلاث ليالٍ تباعاً حتى قبض (٤).
ودخل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على حصير، قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثَّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقَرَظ (٥) في ناحية في
(١) صحيح البخاري: باب ماجاء في الرقاق وألا عيش إلا عيش الآخرة: باب كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا.
(٢) أي: مشوية.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) ورق الشجر الذي يدبغ به الجلد.
186
الغرفة، وإذا إهاب معلق (١)، فابتَدَرتْ عيناي (٢)، فقال: (( ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ )) فقال: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّر في جنبك، وهذه خِزانتك لا أرى بها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك؟
قال: (( يا ابن الخطاب: أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ )) (٣).
أما حال السلف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهم الذين تربوا على ما شاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، وتدربوا على وصيته: (( إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلق فلينظر إلى من هو أسفل منه )) (٤). يعني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلِّم أصحابه إذا ضاقت على أحدهم الدنيا أن يقارن بينه وبين من هو في ضيق أكبر وضنك أشد حتى يحمد لله تعالى ويرضى بحاله.
(١) أي: جلد.
(٢) أي: بكى.
(٣) قال المنذر: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم: (( الترغيب والترهيب )): ٤/ ٢٠٠.
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الزهد، حديث رقم ٢٩٦٣.
187
وهكذا درج أصحابه رضي الله تعلى عنهم، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد عُلم حاله من الاخشيشان والضيق الذي اختاره لنفسه ولم يفرضه عليه أحد، وقد لقي يوماً جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وقد ابتاع لحماً بدرهم، فقال: ما هذا ياجابر؟ قال: قَرِم أهلي - أي اشتدت شهوتهم - فابتعت لهم لحماً بدرهم، فجعل عمر يردد: قَرِم أهلي، حتى تمنيت أن الدرهم سقط مني ولم ألقَ عمر، وفي رواية: أوَكلما اشتهيتم اشتريتم؟ (١)
قال الإمام الحَلِيمي (٢) معلقاً على هذه الحادثة:
(( لا ينبغي أن تعود النفس، ربما تميل به إلى الشره ثم يصعب تداركها، ولتُرَضْ من أول الأمر على السداد - أي على الاستقامة في المأكل والمشرب وعدم الفساد بالتوسع فيهما - فإن ذلك أهون من أن تدرب على الفساد ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح، والله أعلم )) (٣).
وجاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فسأله: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له
(١) سنن البيهقي.
(٢) الحسين بن الحسن بن محمد البخاري الحَليمي. المتوفى سنة ٤٠٣. انظر ترجمته في: (( سير أعلام النبلاء )): ١٧/ ٢٣١.
(٣) المصدر السابق.
188
عبد الله بن عمرو: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم.
قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادماً. قال: فأنت من الملوك (١).
الله أكبر، فماذا كان قائلاً لو رآنا اليوم ونحن نتقلب في النعم ظهراً لبطن والترف قد نَخَلَنا نَخْلاً، وتساوى الدعاة والصالحون - أو أكثرهم - مع غيرهم في اقتسام الترف واللذائذ وانتهاب الطيبات؟
وجاء أصحاب سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، يعودونه عند الاحتضار، فوجدوه يبكي، فسألوه عما به؟ فقال: عهد إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب، فقالوا: حَسَبْنا مافي بيته فإذا هو لا يزيد عن بضعه عشر درهماً، رضي الله تعالى عنه (٢).
فعلى الدعاة والصالحين أن يخشوشنوا حتى لا يركنوا إلى الدنيا وتقعد بهم هممهم، وهم في حاجة ماسة إلى التدرب على هذا حتى يصبح خلقاً سائداً فيهم، نعم إن هذا زمان صعب إن طاوعتك نفسك فيه على منهاج من العيش خشن قد لا يطاوعك على ذلك أهلك والمقربون منك،
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الزهد، حديث رقم ٢٩٧٩.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٢٠٥.
189
لكن نسدد ونقارب، ونستعين بالله تبارك وتعالى.
أهمية الاخشيشان
١ - إعداد النفس للجهاد
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من مات ولم يَغْزُ ولم يحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق )) (١). فكيف نحدِّث أنفسنا بالغزو والجهاد ونحن لم نعد أنفسنا له بالتدرب على شظف العيش ولو في أوقات دون أوقات؟
٢ - إعداد النفس لما قد ينزل بها من البلاء
فلله تبارك وتعالى أخبر بقوله الجليل: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولو ءامنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (٢).
فقد تنزل بالمرء بلية أو مصيبة - عافانا الله وإياكم - ثم إنه لا يجد القدرة في نفسه على
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب ذم من مات ولم يغزُ.
(٢) سورة العنكبوت: الآيتان ٣،٢.
190
مواجهتها، وذلك لغرقه في الترف.
٣ - تربية الأهل والأولاد على المعاني العالية
فمن كان هو وأهله غرقى في الترف والمباحات فمتى يعرفون طعم المجاهدة، متى يتذوقون عُليا المعاني ورفيعَها، هذا وللتقلل من المباحات لذة لا يعرفها إلا من ذاقَها وجرَّبها.
٤ - شعور المجتمع بمشاركة الأغنياء للفقراء
وهذا بيِّنٌ واضح؛ إذ لو شاهد الفقراء الأغنياء غير متوسعين في الإتفاق، وأنهم يشاركونهم في جوانب من ضيق عيشهم ولو في أوقات دون أوقات، وأن الأغنياء يبذلون لهم الأموال ويساعدونهم في ضيقهم ومحنتهم، لو شعر الفقراء بذلك لا نمحى الحقد من صدور الناس، ولشاع فيهم خلق المودة والمحبة والإخاء.
كيفية التدريب على الاخشيشان
إن المرء بسبب ما يكتنف الحياة المعاصرة من ترف، لفي أمسِّ الحاجة إلى التدرب على الاخشيشان والتقلل من المباحات، وفيما يلي صورة مقترحة:
191
أولاً: الإكثار من الصيام:
إذ الصيام من أفضل الأعمال، وليس المجال هنا عرضَ فضائل الصيام فهي كثيرة جمة، لكن أقول: إن الصيام يفطم النفس عن كثير من شهواتها، ويدربها تدريباً علمياً على التقلل من المباحاث، خاصة لو أن الصائم عزم على هذا الأمر وأخذ نفسه به فسيستفيد فائدة كبرى.
ثانياً: التقلل من الطعام والشراب في بعض المواسم:
وذلك لغرض تدريب النفسن وليس أفضل من شهر رمضان وأيام الحج مواسم لتقلل، إذ التقلل في تلك المواسم مقبول غير مستهجَن، فيكتفي المرء فيها بالقليل تدرباً وتقللاً.
ثالثاً: منع النفس عن بعض مرغوباتها ومشتهياتها:
ولقد ذكرت صوراً له قبل ذلك، وأقول الآن: إن عامة السلف العظام كانوا يفطمون أنفسهم من كثير من الشهوات لا تحريماً لها لكن تقللاً وتقشفاً.
192
قال الإمام ابن القيم (١) رحمه الله تعالى:
قال لي شيخ الإسلام (٢) يوماً في شيء من المباح: (( إن هذا يخالف المراتب العالية )) (٣).
سبحان الله وما هو المباح الذي يمكن أن يتناوله ابن القيم حتى ينهاه عنه شيخ الإسلام، وما قدره وما قيمته، لكنهم عرفوا أن الإكثار من تناول المباحات يعوِّد النفس الكسل والدعة والإخلاد إلى الأرض.
رابعاً: ... قراءة سير السلف الصالح رضي الله عنهم أهل الزهد والتقشف والتقلل، فقراءة سيرهم معايشة لهم، ومن ثم تشبّه بهم، لكن ليحذر من
(١) محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي الدمشقيّ الحنبلي، ولد سنة ٦٩١. وكان جريء الجنان، واسع العلم، كثير الصلاة والتلاوة، حسن الخلق، كثير التودّد، توفي رحمه الله تعالى بدمشق سنة ٧٥١ وكانت جنازته حافلة. انظر (( الدرر الكامنة )): ٤/ ٢١ - ٢٣.
(٢) أي ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو مشهور، واسمه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، توفي سنة ٧٢٨ بدمشق: انظر ترجمته في (( الدرر الكامنة )): ١/ ١٥٤ - ١٧٠.
(٣) (( مدارج السالكين )): ٢/ ٢٦.
193
ممارسات بعض المتصوفة الذين كانوا يجوعون أنفسهم حتى تفسد بعض أجهزتهم الجسيمة وخلاياهم العقلية، فهذا مخالف لمنهج الإسلام السمح، والله تعالى أعلم.
194