تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

التوريث الدعوي

المبحث الأول معنى التوريث وتأصيله من الكتاب والسنة وعمل الصدر الأول من المسلمين

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 17-36 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 16 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالتوريث الدعوي

المبحث الأول

معنى التوريث وتأصيله من الكتاب والسنة وعمل الصدر الأول من المسلمين

ويشتمل على أربعة مطالب:

- المطلب الأول: التوريث لغة واصطلاحاً.

- المطلب الثاني: التوريث في كتاب الله.

- المطلب الثالث: التوريث في السنة الشريفة.

- المطلب الرابع: عمل الصدر الأول من المسلمين.

17

المطلب الأول

معنى التوريث

لغة:

وَرِث، يرث وَرْثاً، ووِراثة، ووِراثاً، وتُراثاً، وميراثاً، وإرثاً، وإراثاً.

صار ما خلّفه إليه فهو وارث، وهم ورثة ووُرّاث.

والمال مَوْرُوث، والأب مَوْرُوث.

ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب: قد ورث كذا.

وورث ماله ومجده.

وورث منه علماً: استفاد.

وورّثه: خلّف له مالاً أو مجداً.

19

والوارث من أسماء الله تعالى: قال تعالى: (ولله مِيرَاثُ السَّمَواتِ والأَرْضِ).

والوارثة: أن يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعة ولا عليه محاسبة (١).

اصطلاحاً:

والتوريث المقصود في هذا البحث هو ما يتركه السابق للاّحق من خبرة أو تجربة أو لوائح أو طرائق في مجال الدعوة خاصة.

(١) "معجم متن اللغة": ورث.

20

المطلب الثاني

التوريث في كتاب الله تعالى

قد ذكر الله تعالى في كتابه الوارثة والتوريث مراراً (١)، وذلك علامة على أهمية هذه القضية، وقد كان الأنبياء العظام مهتمين بها أيضاً، فمن ذلك قوله تعالى قاصّاً قول زكريا عليه السلام (وإني خِفْتُ المَوَلىَ مِن وراءى وكَانَتِ امرَأتي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيِّاً * يَرثُنيِ وَيَرِثُ مِنْءَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلهُ رَبِّ رَضِيّاُ*) (٢) فزكريا عليه السلام يخاف انقطاع النبوة من نسله، ويريد من يرثه: يرث العلم ويرث النبوة، قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى: (( صوّر حاله، وقدم رجاءه، ذكر ما يخشاه وعرض ما يطلبه: إنه يخشى مَن بعده، يخشاهم ألا يقوموا على تراثه (٣) بما يرضاه، وتراثه هو دعوته التي يقوم عليها - وهو أحد أنبياء بني إسرائيل البارزين- وأهله الذين يرعاهم، ومنهم

(١) قرابة ثلاث وثلاثين مرة.

(٢) (سورة مريم: ٦٠٥).

(٣) أي: ميراثه.

21

مريم التي كان قيِّماً عليها وهي تخدم المحراب الذي يتولاه ... وهو يخشى الموالي (١) من ورائه على هذا التراث كله، ويخشى ألا يسيروا فيه سيرته ... ذلك ما يخشاه، فأما ما يطلبه فهو الولي الصالح الذي يحسن الوراثة، ويحسن القيام على تراثه، وتراثه النبوة من آبائه وأجداده ... )) (٢).

وقال الشيخ الإمام ابن كثير (٣) رحمه الله تعالى:

(( وجه خوفه أن خشي أن يتصرفوا بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنوبته وما يوحى إليه فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله؛ فإن النبي أعظم منزلة وأجلُّ قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حَدُّه أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد فيجوز ميراثه دونهم، هذا وجه.

الثاني: أنه لم يُذكر انه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً، ولا سيما الأنبياء - عليهم السلام - فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.

الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن

(١) العصبة من قومه.

(٢) "الظلال" ٤/ ٢٣٠٢.

(٣) الشيخ الإمام إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي القرشي الدمشقي. توقي سنة ٧٧٤ رحمه الله تعالى: انظر ترجمنه في "الدرر الكامنة": ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠.

22

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا نورث، ما تركناه فهو صدقة ))، وفي رواية عند الترمذي بسند صحيح: (( نحن معشر الأنبياء لا نورث )) وعلى هذا فتعين حمل قوله: (( فهب لي من لدنك ولياً )) يرثني على ميراث النبوة (١).

ونعى الله تعالى على أقوام يرثون الكتاب بدون فهم ولا تطبيق ولا تدبر، فقال عن بني إسرائيل: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) (٢).

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى:

(( صفة هذا الخلف الذي جاء بعد ذلك السلف من قوم موسى أنهم ورثوا الكتاب ودرسوه، ولكنهم لم يتكيَّفوا به ولم تتأثر به قلوبهم ولا سلوكهم، شأن العقيدة حين تتحول إلى ثقافة تُدرس وعلم يحفظ، وكلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا تهافتوا عليه ثم تأولوا وقالوا: سيغفر لنا ... )) (٣).

وقال تعالى:

(وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شكٍ منه مريب) (٤).

(١) "تفسير القرآن العظيم": ٥/ ٢٠٧.

(٢) سورة الأعراف آية: ١٦٩.

(٣) "الظلال": ٣/ ١٣٨٧.

(٤) سورة الشورى آية: ١٤.

23

والله تعالى يبين في كتابه العظيم أن الوراثة والتوريث بأمره ليس من ذلك شيء لأحد من الخلق، فهم ينتظرون مشيئته بتسليم واطمئنان، يقول تعالى قاصّاً قول نبيه موسى عليه السلام لبني إسرائيل: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (١) قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى: (( إن الأرض لله، وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها، والله يورثها من يشاء من عباده - وفق سنته وحكمته - فلا ينظر الداعون إلى رب العالمين إلى شيء من ظواهر الأمور التي تخيل للناظرين أن الطاغوت مكين في الأرض غير مزحزح عنها، فصاحب الأرض ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها )) (٢).

وقال تعالى:

(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) (٣) الذكر هو التوراة، والزبور كتاب نبي الله داود عليه الصلاة والسلام (٤).

وهنا يتحدث الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى- حديثاً طويلاً عن هذه الوراثة ومَن يستحقها، وأختار من كلامه قوله: "ما هي هذه الوراثة؟ ومن هم عباد الله الصالحون؟ لقد

(١) سورة الأعراف آية: ١٢٨.

(٢) " الظلال "٣/ ١٣٥٥.

(٣) سورة الأنبياء آية: ١٠٥.

(٤) هناك أقوال غير هذه أنظرها في" تفسير القرآن العظيم ": ٥/ ٣٧٩ - ٣٨٠.

24

استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها، وتنميتها وتحويرها، واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة والبلوغ بها إلى الكمال المقدّر لها في علم الله، ولقد وضع الله للبشر منهجاً متكاملاً للعمل على وفقه في هذه الأرض ... في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها هو وحده المقصود، ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمير الإنسان ليبلغ الإنسان كماله المقدَّر له في هذه الحياة ... وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة، وقد يغلب عليها كفار فجَّار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالاً مادياً، ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق، والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح ... وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم وهو العمل الصالح، والنهوض بتبعات الخلافة ليتحقق وعد الله وتجري سنته: (( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون )) فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون (١).

(١) "الظلال": ٤/ ٢٤٠٠، وقد ذكر الإمام ابن كثير قولاً عن السلف أن المراد بالأرض الجنة: أنظر "تفسير القرآن العظيم": ٥/ ٣٨٠، وكلا القولين محتمل وله وجه، والله أعلم.

25

الصالحون والميراث:

ولما سبق أقول: إن الصالح يحرص على أن يُوَرَّث ميراثاً حسناً كما قال تعالى: (ثم أوثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (١) فيرث الصلاح والخير والقرآن والدعوة إلى الله تعالى، وهو كذلك يحرص على أن يُوَرِّث العمل الصالح؛ فيدع أولاداً صالحين، وأعمالاً صالحة، وذلك كان مطلباً لنبي الله إبراهيم عليه أفضل الصلاة والتسليم حيث قال: "واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين" (٢) أي اجعل الآخرين الذين يأتون من بعدي يثنون عليّ ثناءً حسناً ويذكرونني ذكراً عاطراً، فأوتي ذلك عليه أفضل الصلاة والتسلييم كما قال تعالى (وتركنا عليه في الآخرين) (٣) ثم طلب الوراثة العظمى: (واجعلني من ورثة جنة النعيم) (٤) فأوتي ذلك عليه الصلاة والسلام، وليس أعظم من أن يترك العبد عملاً صالحاً يوّرثه لمن بعده من الأجيال، فيظل عطر ذكراه باقياً ما بقيت هذه الأرض، ويتردد صدى عمله في جنباتها يرشد العاملين ويهدي السائرين، والله الموفق.

(١) سورة فاطر: آية ٣٢.

(٢) سورة الشعراء: ٨٤.

(٣) سورة الصافات.

(٤) سورة الشعراء.

26

المطلب الثالث

التوريث في السنة الشريفة المطهرة

قد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة أحاديث يمكن أن يستنبط منها قواعد مهمة للتوريث، ويستنبط منها- أيضاً- عنايته الكبيرة بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - بهذه القضية الخطيرة، فمن تلك القواعد:

١. تناقل العلم فيما بين الصحابة ومَن بعدهم من أجيال المسلمين، أو مَن لم يحضر ما قاله - صلى الله عليه وسلم -، فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم (( ليبلغ الشاهدُ الغائب؛ فإن الشاهد عسى أن يُبَلِّغ من هو أوعى له منه )) (١).

وفي معنى هذا الحديث وردت عدة أحاديث منها قوله - صلى الله عليه وسلم - لو فد عبد القيس لما أرشدهم إلى بعض أمور دينهم: (( احفظوه وأخبروه مَن وراءكم )) (٢).

(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب العلم: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم (( رب مبلَّغ أوعى من سامع ))

(٢) المصدر السابق: باب تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم.

27

فهذا التناقل المشار إليه هو نوع من التوريث.

ومن ذلك أيضاً ما كان من حال معاذ بن جبل رضي الله عنه حيث يحدثه النبي - صلى الله عليه وسلم - بحديث فيكتمه - كما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يورثه لمن بعده عندما حانت منيته، فقد حدّثه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو رديفه على الرَّحْل، قال:

(( يا معاذُ بنَ جبل )).

قال: لبيك يا رسول الله وسعديك.

قال: (( يا معاذ )).

قال: لبيك يا رسول الله وسعديك (ثلاثاً).

قال: (( ما من أحد يشهد أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار )) موسوعة الأحاديث ↗.

قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟

قال: (( إذاً يتكلوا )) وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً (١)

٢. الاهتمام بنوعية التوريث وأنه ينبغي أن يكون في الأمور الجامعة المهمة للأمة:

(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب العلم: باب من خَص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا.

28

ومثال ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في شأن وراثة الأنبياء: (( إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر )) (١).

٣. التشجيع على توريث العمل الصالح:

فهذا النبي الأعظم - صلى الله عليه وسلم - يذكر في حديث له قضية يمكن أن تدرج ضمن التشجيع على التوريث، وهي قضية الأعمال الصالحة التي تتناقلها الأجيال بإعجاب ويكون أجرها للعامل الأول، فقد قال - صلى الله عليه وسلم (( من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا يَنقص من أجورهم شيء )) (٢).

(١) أخرجه الإمام أبو داود والترمذي في كتاب العلم، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده كلهم عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وفي الحديث كلام طويل ألخصه بسَوْق كلام الأستاذ الشيخ البنا إذ قال: (( قال المنذريّ )): ومن هذا الطريق رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحة، والبيهقي في (( الشعب )) وغيرهما ... وروى الحديث أيضاً الحاكم في (( المستدرك )) بإسناد حسن، والنسائي وأبو يعلى، والطبراني في الكبير، وصحيح البخاري بعض طرقه ... )) أنظر (( الفتح الرباني )): ١/ ١٥٠.

(٢) الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحة: كتاب العلم: باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.

29

٤. جملة من الأعمال الإدارية للدولة الإسلامية الأولى:

هناك عدد من الأعمال التي شرعها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي مبينة لاهتمامه - صلى الله عليه وسلم - بهذه القضية، فمن ذلك إقراره لمبدأ الشورى لإدارة شؤون الدولة، وكذلك إشارته الواضحة بتولية أبي بكر الصديق رضي الله عنه من بعده، ومبادئ الحرب التي كان يبينها لهم - صلى الله عليه وسلم - والعلاقات بين الدول، وإقامة الحدود لحفظ الأمن والنفوس، وغير ذلك من القضايا الكثيرة التي سقت أمثلة لها فقط، وإلا فالدين كله توريث على الحقيقة، فكيفية الصلاة والزكاة والحج والصوم والمواريث وغير ذلك هي أنواع من التوريث، لكني إنما ذكرت هاهنا ما نص عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توريث أو أشار إليه إشارة واضحة.

30

المطلب الرابع

عمل الصدر الأول من المسلمين ومَن بعدهم

كان الصدر الأول من المسلمين يشيع فيهم التوريث في كثير من أمورهم، فهذا كتاب الله تعالى وقد ورثوا عمله خلفاً عن سلف وكابراً عن كابر، وورثوا طريقة قراءته كذلك، وهذه أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورثوها بأسانيد متصلة، وقُل الشيء نفسه في الشعر الذي كان ديوانهم، ويتوارثونه جيلاً بعد جيل، وكل ذلك قبل عصر التدوين وانتشار الكتابة والكتب، وهناك بعض الأمثلة المهمة في التوريث كانت منتشرة بينهم، فمن ذلك:

١. المدارس الفقهية:

كان الصحابة رضي الله عنهم قد تفرقوا في الأمصار، وكان عند بعضهم علمٌ سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعاه قلبه مع من وعاه، وبعضهم تفرَّد بعلم لم يكن عند الآخرين،

31

فبثُّوا كل ذلك في الأمصار التي سكنوها، حيث التفّ حول كل واحد من أولئك الأطهار مجموعة من التلاميذ ورثوا علمهم فاستفادوا منه أيَّما استفادة، ومثال على ذلك عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - (١) الذي استقر في الكوفة، وورث علمه جماعة كثيرة منهم علقمة (٢) - وهو من أجلِّ تلاميذه- والأسود بن يزيد (٣) وغيرهما، وورث علم أولئك وغيرهم جماعة منهم إبراهيم النَّخَعي (٤) وورث علم إبراهيم جماعة أجلّهم حماد بن أبي سليمان (٥).

(١) أبو عبد الرحمن الهذليّ، من كبار علماء الصحابة - رضي الله عنه -، ومن السابقين الأولين. مناقبة جمة توفي سنة ٣٢ بالمدينة - رضي الله عنه -. انظر (( التقريب )): ٣٢٣.

(٢) علقمة بن قيس بن عبد الله النَّخعي الكوفيّ. ثقة ثبت، فقيه، عابد. مات بعد الستين رحمه الله تعالى: المصدر السابق:٣٩٧ - انظر التقريب ٣٩٧.

(٣) الأسود بن يزيد بن قيس النَّخَعي، أبو عمرو. مخضرم. ثقة، مكثر، فقيه. مات سنة ٧٤ أو ٧٥ رحمه الله تعالى: المصدر السابق:١١١.

(٤) إبراهيم بن يزيد بن قيس النَّخَعي، أبو عمران، الكوفي الفقيه. ثقة. مات سنة ٩٦ وهو ابن خمسين أو نحوها. المصدر السابق: ٩٥.

(٥) العلامة الإمام، فقيه العراق، أبو إسماعيل بن مسلم الكوفي مولى الأشعريين، وأصله من أصبهان. كان أحد العلماء الأذكياء والكرام الأسخياء. له ثروة وحشمة وتجمل. توفي سنة ١٢٠ كهلاً رحمة الله تعالى. انظر ترجمتة في (( سير أعلام النبلاء )): ٥/ ٢٣١ - ٢٣٩.

32

ثم جاء الإمام أبو حنيفة (١) الذي ورث علم كل أولئك حيث كان تلميذاً لحماد وعليه تفقَّه. وأسس مدرسة للفقه في الكوفة، وما زال تلاميذه يتوارثون علمه إلى يوم الناس هذا.

وقل الشيء نفسه في المدارس المختلفة التي نشأت في زمان السلف كالمدرسة المالكية والشافعية والحنبلية.

٢. الوصايا:

الوصية نوع من أنواع التوريث، حيث يوصي الرجل بما رآه نافعاً وصالحاً، وهي خلاصة تجارب، ومجموعة حكم إن صدرت من حكيم مجرب، والوصية من مثل هذا كنز يحافظ عليه، ويعتنى به.

وللوصايا أصل وسلف في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقد جاء في كتاب الله تعالى قوله جلَّ وعز: (ذالكم وصاكم به لعلكم تذكرون) (٢).

وقال تعالى قاصّاً وصية بعض الأنبياء العظام:

(ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (٣) (٤).

(١) النعمان بن ثابت الكوفي، أبو حنيفة الإمام. فقيه مشهور. مات رحمه الله تعالى سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة. انظر (( التقريب )) :٥٦٣

(٢) سورة الأنعام: آية ١٢٥.

(٣) سورة البقرة آية ١٣٢.

(٤) جاء ذكر الوصايا في كتاب الله تعالى في قرابة ثلاثين موضعاً.

33

ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - وصى صحابته بأمور مهمة فقال - صلى الله عليه وسلم (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة )) موسوعة الأحاديث ↗ (١).

ووصى - صلى الله عليه وسلم - على فراش الموت: بـ (( الصلاةَ وما ملكت أيمانكم )) (٢).

وقد كثر اعتناء المسلمين من بعده - صلى الله عليه وسلم - بالوصايا، وقد جرى عدد من أئمة المسلمين وساداتهم على الوصية التي تحمل خلاصة التجارب والحِكَم، فمن ذلك وصية أبي بكر الصديق لعمر الفاروق رضي الله تعالى عنهما حيث قال له: (( إني قد استخلفتك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأوصاه بتقوى الله، ثم قال: يا عمر: إن لله حقاً بالليل لا يقبله في النهار، وحقاً في النهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، ألم تر يا عمر: إنما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثِقَله عليهم (٣)، وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه غداً إلا حق أن يكون ثقيلاً.

ألم تر يا عمر: إنما خفّت موازين مَن خفّت موازينه

(١) حديث مشهور أخرجه الإمام أحمد وغيره رحمهم الله تعالى عن العرباص بن ساريه - رضي الله عنه -، والحديث صحيح أنظر (( الفتح الرباني )) ١/ ١٨٨ - ١٩٠.

(٢) أخرجه الإمام أحمد عن انس - رضي الله عنه - وأخرجه غيره والحديث صحيح، انظر (( الفتح الرباني )): ٢١/ ٢٣٦.

(٣) أي شعورهم بقوته وعظمته ومِن ثم قيامهم به.

34

يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخِفّته عليهم (١)، وحُقّ لميزان لا يوضع فيه إلا باطل أن يكون خفيفاً.

ألم تر يا عمر: إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغباً راهباً؛ لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ماليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه (٢).

ألم تر يا عمر: إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم فإذا دكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون منهم، وأنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم - لأنه تجاوز لهم عما كان من سيِّء - فإذا ذكرتهم قلت: أين عملي من أعمالهم (٣).

فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من حاضر من الموت ولست بمعجزه )) (٤) (٥).

٣. الاعتناء بعلوم الأمم الأخرى وتوريثها توريثاً صحيحاً:

وهذا أعظم ما أسدته الأمة الإسلامية إلى الأمم

(١) أي: سهولة إقدامهم عليه.

(٢) كأن المراد: ييأس، والله أعلم.

(٣) أنظر إلى تواضع خير الأمة - رضي الله عنه - بعد نبينا - صلى الله عليه وسلم -.

(٤) (( الكامل )): ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.

(٥) وهناك كتاب للإمام أبي حامد الغزالي بعنوان (( أيها الولد )) فيه بعض الوصايا النافعة، فأنظره للاستزادة إن شئت.

35

الأخرى بعد إرشادها إلى الإسلام وإهدائه إياهم، وذلك أن الفاتحين الأوائل رضي الله عنهم وقفوا على علوم أمم متحضرة مادياً إلى درجة كبيرة، فمن ذلك الحضارة المادية المصرية والآشورية والكلدانية، والفينيقية والرومانية وغير ذلك من الحضارات، فقاموا بنقل كل ذلك تقريباً إلى اللغة العربية فأحسنوا (١)، ولم يكتفوا بنقله وتوريثه إلى الحضارة الأوروبية إبان عصر النهضة في الغرب كما يدعي بعض المستشرقين والمستغربين أن المسلمين كانوا جسراً فقط لنقل حضارة الأولين إلى الغرب، بل أضافوا إليه وهذبوه ووضعوا القواعد العلمية للاستفادة مما نقلوه، فبزغت لهم شمس حضارة سطع على الدنيا شعاعها زماناً طويلاً، وكانت على الحقيقة السبب الرئيس لنهضة الغرب التي قامت على أنقاض الحضارة الإسلامية الرائعة التي فرط فيها أهلها تفريطاً بيِّناً، فالمسلمون لم يورِّثوا الأمم الأخرى عقيدتهم الصافية فقط بل ورَّثوهم معها أسباب الحضارة ومفاتيح العلوم، لكن كثيراً من الأمم - لضلالها وبعدها عن أسباب الهداية - اكتفت بأخذ العلوم وقطف ثمارها، وضلّت عن أسباب الهداية والرشاد عصبية وحمية جاهلية، والعياذ بالله.

(١) إلا فيما نقلوه من الخرافات العقدية والمعضلات الكلامية الذي أضرََّ بهم ضرراً بالغاً، وفتح عليهم باب شر لم يغلق تماماً إلى الآن.

36

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080