الهمة طريق إلى القمة
أهمية علو الهمة في حياة المسلم
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
أهمية علو الهمّة في حياة المسلم
يقول ممشاد الدينوريّ (١):
(( همتك فاحفظها، فإن الهمّة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال )) (٢).
ويقول ابن القيم رحمه الله
(( لابد للسالك من همة تسيِّره وترقيه، وعلم يبصِّره ويهديه )) (٣).
وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم الدرعيّ (٤):
(( كن رجلاً رجله في الثرى وهمه في الثريا، وما افترقت الناس إلا في الهمم، من علت همته علت رتبته، ولا يكون أحدٌ إلا فيما رضيت له همته )) (٥).
وقد أسلفتُ بأنها عمود أمر الإنسان والأمر المهم في دنياه، ولكن سأفصّل ما أجملت
بما يلي:
(١) وردت ترجمة له في (( حلية الأولياء )): ١٠/ ٣٥٣ - ٣٥٤ اقتصر فيها على ذكر أقواله وحكمه.
(٢) (( إحياء فقه الدعوة )) للأستاذ الراشد، مجلة المجتمع: العدد ١٣٦.
(٣) (( الدرر الكامنة )): ٤/ ٢١.
(٤) الزاهد العابد، ولد عام ١٠٠١، وتوفي عام ١٠٥٢، له حكم ومواعظ: انظر (( نشر المثاني )): ٢/ ٢٢.
(٥) المصدر السابق.
27
أولاً: تحقيق كثير من الأمور مما يعده عامة الناس خيالاً لا يتحقق:
وهذا الأمر مشاهد معروف عند أهل الهمم، إذ يستطيعون - بتوفيق الله لهم أولاً، وبهمتهم ثانياً - إنجاز كثير من الأعمال التي يستعظم بعضَها من قعدت به همته ويظنها خيالاً.
وأعظم مثال على هذا سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إذ المعروف عند أهل التواريخ أن بناء الأمم يحتاج إلى أجيال لتحقيقه، لكنه صلى الله عليه وسلم استطاع بناء خير أمة أُخرجت للناس في أقلَّ من ربع قرن، واستطاعت هذه الأمة أن تنير بالإسلام غالب الأجزاء المعروفة آنذاك، وجهاده صلى الله عليه وسلم وعمله وهمته العالية في بناء الأمة أمرّ معروف، وهو مما تقاصر عنه أطماع أهل الهمّة العالية وخيالاتهم وما يتطلعون إليه.
والصدِّيق رضي الله عنه استطاع - في أقل من سنتين - أن يخرج من دائرة حصار المرتدين، ولم يمت إلا وجيوشه تحاصر أعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت، هذا وقد نهاه كبار الصحابة عن حرب المرتدين وظنوا أنه لا يستطيع أن يقوم في وجه العرب كلهم، ولكن همته العالية أبَتْ عليه ذلك واستطاع أن ينجز ما ظنه الناس خيالاً لا ينجز.
وقس على هذا أمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى أنه من عظمة همته في طلب الحق قال له علي رضي الله عنه
(( لقد أذللت الخلفاء من بعدك يا أمير المؤمنين )) (١).
(١) تاريخ عمر بن الخطاب، ابن الجوزي.
28
ويصلح أن يكون أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز مثالاً يستضاء به لطالب الهمّة العالية، إذ أنه حاول إرجاع الناس إلى ما كان عليه الصدر الأول، ولقد حقق كثيراً من النجاح، رحمه الله
وهناك أمثلة كثيرة مبثوثة في التواريخ، ولكن لنقترب قليلاً من عصرنا، ونحلِّق قريباً من ديارنا، ولنضرب مثلين على علو الهمّة لا أكاد أجد لهما - فيما أعلم - نظيراً:
أما أحدهما فشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الذي استطاع في مدة وجيزة إخراج مجتمعه من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد بهمة وعزيمة نادرتين.
وأما الآخر فالإمام حسن البنا رحمه الله إذ كانت حياته مثلاً جميلاً لعلو الهمّة، ومن أراد الإنصاف فليراجع (( مذكرات الدعوة والداعية )), (( ورسائله )) التي تفوح بعلو الهمّة وقوة الإرادة، وكيف لا يكون كذلك وقد كان يخاطب أتباعه بقوله: (( أحلام الأمس حقائق اليوم، وأحلام اليوم حقائق الغد )).
وأضرب - في الختام - مثلاً بهمة أحد الكافرين حتى نعتبره ونتعظ، فنحن أولى منه بعلو الهمّة وقوة الإرادة، وهذه القصة حكاها الدكتور توفيق الواعي حيث قال حفظه الله:
29
(( أرسلت الدولة اليابانية في بدء حضارتها بعوثاً دراسية إلى ألمانيا كما بعثت الأمة العربية بعوثاً، ورجعت بعوث اليابان لتحضر أمتها، ورجعت بعوثنا خاوية الوفاض!! فما هو السر؟ لنقرأ هذه القصة حتى نتعرف على الإجابة.
يقول الطالب الياباني (( أوساهير )) الذي بعثته حكومته للدراسة في ألمانيا:
لو أنني اتبعت نصائح أستاذي الألمانيّ الذي ذهبت لأدرس عليه في جامعة هامبورج لما وصلت إلى شيء، كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية، كنت أحلم بأن أتعلم كيف أصنع محركاً صغيراً، كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى (( موديل )) هو أساس الصناعة كلها، فإذا عرفت كيف تصنع وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها، وبدلاً من أن يأخذني الأساتذة إلى معمل، أو مركز تدريب عمليّ، أخذوا يعطونني كتباً لأقرأها، وقرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها، ولكنني ظللت أمام المحرك - أياً كانت قوته - وكأنني أقف أمام لغز لا يحل.
وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع، كان ذلك أول الشهر، وكان معي راتبي، وجدت في المعرض محركاً قوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله، فأخرجت الراتب ودفعته، وحملت المحرك وكان ثقيلاً جداً، وذهبت إلى حجرتي، ووضعته على المنضدة
30
وجعلت أنظر إليه، وكأني أنظر إلى تاج من الجوهر، وقلت لنفسي: هذا هو سر
قوة أوربا، لو استطعت أن أصنع محركاً كهذا لغيرت تاريخ اليابان، وطاف بذهني خاطر
يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى، مغناطيس كحذوة الحصان، وأسلاك، وأذرع دافعة، وعجلات، وتروس وما إلى ذلك، لو أنني استطعت
أن أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها ثم شغلته فاشتغل أكون قد خطوت خطوة نحو سر (( موديل )) الصناعة الأوربية.
وبحثت في رفوف الكتب التي عندي، حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات، وأخذت ورقاً كثيراً، وأتيت بصندوق أدوات العمل، ومضيت أعمل، رسمت المحرك،
بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمل أجزاءه، ثم جعلت أفككه، قطعة قطعة، وكلما فككت قطعة رسمتها على الورقة بغاية الدقة وأعطيتها رقماً، وشيئاً فشيئاً فككته كله، ثم أعدت تركيبه، وشغلته فاشتغل، كاد قلبي يقف من الفرح، استغرقت العملية ثلاثة أيام، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل.
وحملت النبأ إلى رئيس بعثتنا فقال: حسناً ما فعلت، الآن لا بد أن أختبرك، سآتيك بمحرك متعطل، وعليك أن تفككه،
31
وتكتشف موضع الخطأ وتصححه، وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل، وكلفتني هذه العملية عشرة أيام عرفت أثناءها مواضع الخلل، فقد كانت ثلاثاً من قطع المحرك بالية متآكلة، صنعت غيرها بيدي، صنعتها بالمطرقة والمبرد.
بعد ذلك قال رئيس البعثة - وكان بمثابة الكاهن يتولى قيادتي روحياً (١) - قال: عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركاً، ولكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد، وصهر النحاس، والألومنيوم، بدلاً من أعد رسالة الدكتوراه كما أراد مني أساتذتي الألمان، تحولت إلى عامل ألبس بذلة زرقاء وأقف صاغراً إلى جانب عامل صهر المعادن، كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم، حتى كنت أخدمه وقت الأكل، مع أنني من أسرة ساموراي، ولكنني كنت أخدم اليابان وفي سبيل اليابان يهون كل شيء، قضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات، كنت أعمل خلالها ما بين عشرة وخمس عشرة ساعة في اليوم، وبعد انتهاء يوم العمل كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة.
(١) ليتنا نحذو حذوهم فلا نرسل بعثة إلا بمرافق يعلمها أمور دينها.
32
وعلم (( الميكادو )) - الحاكم اليابانيّ - بأمري فأرسل لي من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهب اشتريت بها أدوات مصنع محركات كاملة، وأدوات وآلات، وعندما أردت شحنها إلى اليابان كانت النقود قد فرغت، فوضعت راتبي وكل ما ادخرته.
وعندما وصلت إلى (( نجازاكي )) قيل لي: إن (( الميكادو )) يريد أن يراني، قلت: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشىء مصنع محركات كاملاً، استغرق ذلك ٩ سنوات، وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي عشرة محركات (صنع في اليابان)، قطعة قطعة، حملناها إلى القصر، ودخل (( الميكادو )) وانحنينا نحييه وابتسم وقال: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة، هكذا ملكنا (( الموديل )) وهو سر قوة الغرب، نقلناه إلى اليابان، نقلنا قوة أوربا إلى اليابان ونقلنا اليابان إلى الغرب )) (١).
ثانياً: الوصول إلى مراتب عليا في العبادة والزهد:
وهذا مَعْلَم بارز في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ومن تبعهم بإحسان، يقول حذيفة رضي الله عنه
(( صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند
(١) "مجلة المجتمع": العدد ٩٩٨.
33
المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مّربسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه )) (١).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه
(( صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطال حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه )) (٢).
وهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه على فراش الموت يذكر أموراً تدل على همّته في العبادة والزهد، فروي عنه أنه قال:
(( اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا ولا طول المكث فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلَق الذكر )) (٣).
(١) أخرجه الإمام مسلم رحمه الله في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعاؤه بالليل.
(٢) المصدر السابق.
(٣) (( حلية الأولياء )): ١/ ٢٣٩.
34
هذا وقد كان يعيش في دمشق ولكنه علا بهمته عما فيها من مغريات وجمال.
وهذا الإمام مالك بن أنس رحمه الله إمام دار الهجرة قد روى عنه الإمام ابن القاسم (١)
هذه الحادثة:
(( كنت آتي مالكاً غلساً (٢) فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة، وكنت أجد منه انشراح الصدر، فكنت آتي كلّ سحر، فتوسدت مرة في عتبته، فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها وقالت لي: إن مولاك لا يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العَتَمَة (٣)، ظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه إليه )) (٤).
وإذا أردت التوسع في أمثلة عبادة السلف وزهدهم فسيطول بي الأمر، وحسبي ما أوردته دليلاً على علو هممهم.
(١) عالم الديار المصرية ومفتيها، أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العُتَقيّ بالولاء، المصريّ، صاحب الإمام مالك. كان ذا مال ودنيا
فأنفقها في العلم، وله قدم في الورع والتألّه، ولد سنة ١٣٢ وتوفي سنة ١٩١ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٩/ ١٢٠ - ١٢٥.
(٢) انظر إلى هذه الهمة العالية إذ يأتيه قبل الفجر، وفي أيامنا قلّ من يجلس مستيقظاً بعد صلاة الفجر إلى أن يصلي ركعتين بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، وإذا طلب من أحد الدرس بعد الفجر يعتذر بأنه موعد غير مناسب، وهذا حتى في أيام الإجازات التي ليس فيها عمل صباحيّ مبكر يحتاج إلى راحة.
(٣) أي العشاء.
(٤) (( ترتيب المدارك )): ٣/ ٢٥٠.
35
ثالثاً: البعد عن سفاسف الأمور ودناياها:
صاحب الهمّة العالية لا يرضى لنفسه دنايا الأمور بل يطمح دائماً إلى ماهو أفضل وأحسن، فتجده يترفع عن مجالس اللغو وإضاعة الوقت، وينأى بنفسه عنها.
يقول الإمام ابن الجوزيّ متألماً من حال من يقطع يومه وليلته في سفاسف الأمور:
(( قد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً، إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري وما عندهم خبر، ورأيت النادرين قد فهموا معنى الزمان وتهيأوا للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، والبدارَ البدارَ قبل الفوات، ونافسوا الزمان )) (١).
ولما فرّ عبد الرحمن الداخل (٢) - صقر قريش - من العباسين وتوجه تلقاء الأندلس أهديت إليه جارية جميلة فنظر إليها وقال:
(( إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا اشتغلت عنها بهمتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن اشتغلت بها عما أطلبه ظلمت
(١) (( قيمة الزمن عند العلماء )): ٢٧ - ٢٨.
(٢) عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، أمير الأندلس وسلطانها، أبو المُطرِّف الأموي المروانيّ- المشهور ب (( الداخل )) - ولما سقطت دولة بني أمية هرب ودخل الأندلس فتملكها ٣٣ سنة، وبقي الملك في عقبه إلى سنة ٤٠٠، ولد سنة ١١٣ بتدمر، وتوفي سنة ١٧٢ بالأندلس رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٨/ ٢٤٤ - ٢٥٣.
36
همتي، ولا حاجة لي بها الآن، وردّها على صاحبها )) (١).
ويروي الأستاذ عبد الستّار نوير قصة طريفة فيها عبرة فيقول:
(( قرأت للأستاذ أحمد أمين طريفة معبرة، قال:
حُدثت أن جندياً ظريفاً رأى في مقهى رجلين يلعبان النرد، وكانت الساعة السابعة مساءً، فتقدم إليهما بكل أدب واحترام وحيّاهما ثُمّ سألهما:
- ? من أي وقت بدأتما اللعب؟
- من الساعة الرابعة.
- وإلى متى؟
- إلى الثامنة أو التاسعة.
- وما عملكما؟
- مدرسان.
فانهال عليهما ضرباً ولكماً وقال: أما لكما عمل تعملانه، أو رياضة تقومان بها، أو خدمة اجتماعية تؤديانها؟ )).
ذكر الأستاذ القصة ثم قال معلقاً:
(( ليت لنا مشرفين من هذا القبيل يعزرون من أضاع وقته على هذا النمط، إذا ما نجا من
(١) (( نفح الطيب )): ٤/ ٤٣
37
الضرب واللكم إلا القليل )) (١).
إن الإسلام - وهو الدين الشامل الخاتم - قد أبيح فيه الترويح والتنفيس، ولكن أن يُخطأ في تقدير هذا الترويح فيُجعل هو الأصل، فهذا من الدنايا التي تُنزه عنها الأديان وترتفع عنها همة الإنسان.
رابعاً: صاحب الهمّة العالية يُعتمد عليه، وتناط به الأمور الصعبة وتوكل إليه:
وهذا أمر مشاهد معروف، فإن كل رؤساء ومدراء الجمعيات والمؤسسات يطمحون للعمل مع صاحب الهمّة العالية ويطمئنون له ويسعدون به، كيف لا وهو عوض عن فريق من العاملين، وكذلك صاحب الهمّة العالية في الدعوة يكون بمثابة فريق من الدعاة، ويرفع الله به الدعوة درجات.
وقد قيل:
(( ذو الهمّة وإن حط نفسَه تأبى إلا العلوّ، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً )) (٢)
(١) (( الوقت هو الحياة )): ١٧٨
(٢) (( محاضرات الأدباء )): ١/ ٤٤٥.
38
خامساً: صاحب الهمّة العالية يستفيد من حياته أعظم استفادة، وتكون أوقاته مستثمرة بنّاءة:
وهذا هو مطمع الصالحين ومراد العالمين ومجال المتنافسين، وقد كان السلف رحمهم الله يضربون أعظم الأمثلة في هذا المجال، وحسبي في هذا الأمر أن أورد مثالين:
أكان الإمام ابن عقيل الحنبليّ (١) يقول:
(( إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح )) (٢).
ب ووصف الإمام النوويّ (٣) حياته لتلميذه أبي الحسن ابن العطار (٤) فذكر له أنه
كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على مشايخه شرحاً وتصحيحاً: درسين في
(( الوسيط ))، ودرساً في (( المهذب )) (٥)، ودرساً في صحيح مسلم، ودرساً في (( اللمع )) (٦) لابن جنّي (٧)، ودرساً في إصلاح المنطق، ودرساً في التصريف، ودرساً في أصول الفقه،
(١) الإمام العلامة البحر، شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد البغداديّ الحنبليّ المتكلم، صاحب التصانيف. ولد سنة ٤٣١، وخالط المعتزلة فانحرف عن السنة، وكان يتوقد ذكاء، بحرُ معارف، وكان كريماً، توفي سنة ٥٠٣ وكان الناس في جنازته يفوقون الحصر. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٩/ ٤٤٣ - ٤٥١.
(٢) (( الوقت هو الحياة )): ١٧٨.
(٣) يحيى بن شرف بن مُرِّي، الإمام المشهور، توفي سنة ٦٧٦ عن ٤٥ سنة. انظر ترجمته في (( فوات الوفيات )): ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٨.
(٤) علي بن ابراهيم بن داود، أبو الحسن، من أهل دمشق، ولد سنة ٦٥٤، وكان أبوه عطاراً وجده طبيباً، ألف مؤلفات عديدة، وباشر مشيخة المدرسة النورية ٣٠ سنة، توفي سنة ٧٢٤ رحمه الله تعالى. انظر (( الأعلام )): ٤/ ٢٥١.
(٥) كتاب في الفقه الشافعيّ لأبي إسحاق الشيرازيّ، شرحه الإمام النوويّ في كتابه (( المجموع )).
(٦) كتاب في النحو.
(٧) إمام العربية، أبو الفتح عثمان بن جنيّ الموصليّ، صاحب التصانيف، له نظم جيد، توفي سنة ٣٩٢ عن قرابة ٦٣ سنة رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٧/ ١٧ - ١٩.
39
ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين، قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله تعالى في وقتي )) (١).
وقال أبو الحسن العطّار:
(( ذكر لي شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان لا يُضيع له وقتاً لا في ليل ولا في نهار إلا في
اشتغال حتى في الطرق، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة
والنصيحة وقول الحق.
قلت (٢): مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه، والعمل بدقائق الورع، والمراقبة، وتصفية
النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها )) (٣).
وإليك - أخي القارىء - كلاماً مهماً لأحد الغربيين يوضح حال أهل الهمّة مع
وقته:
قال د. ماردن:
(( كل رجل ناجح لديه نوع من الشّباك يلتقط به نحاتات وقراضات الزمان، ونعني بها فَضَلات الأيام والأجزاء الصغيرة من الساعات مما يَكنِسه معظم الناس بين مهملات الحياة،
وإن الرجل
(١) (( تذكرة الحفاظ )): ٤/ ١٤٧.
(٢) أي الذهبي.
(٣) (( تذكرة الحفاظ )): ٤/ ١٤٧.
40
الذي يدخر كل الدقائق المفردة، وأنصاف الساعات، والأعياد غير المنتظرة،
والفسحات التي بين وقت وآخر، والفترات التي تنقضي في انتظار أشخاص يتأخرون عن مواعيد مضروبة لهم، ويستعمل كلَّ هذه الأوقات، ويستفيد منها ليأتي بنتائج باهرة يدهش لها الذين لم يفطنوا لهذا السر العظيم الشأن )) (١).
سادساً: صاحب الهمّة العالية قدوة للناس:
صاحب الهمّة قدوة في مجتمعه، ينظر إلى حاله القاعدون وأنصاف الكسالى والفاترون فيقتدون بهمته، ويرون ما كانوا يظنونه أمراً مسطوراً في الكتب القديمة قد انتهى وعُدم من دنيا الناس، يرونه واقعاً متحققاً في حياتهم، فيظل هذا الشخص رمزاً للناس ومحل ضرب أمثالهم.
سابعاً: تغيير طريقة حياة الأفراد والشعوب:
يقول الشيخ الأستاذ محمد الخضر حسين (٢) شارحاً المراد:
(( يسمو هذا الخلق بصاحبه فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور، فهو الذي ينهض بالضعيف يُضطهد أو يزدرى فإذا هو عزيز كريم، وهو الذي يرفع القوم من سقوط ويبدلهم بالخمول
(١) (( سبيلك إلى الشهرة والنجاح )): ٥٦.
(٢) محمد الخضر بن الحسين بن علي الحسنيّ التونسيّ، ولد سنة ١٢٩٣، عالم إسلاميّ وباحث، من أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة ودمشق، وتولى مشيخة الأزهر، وكان هادىء الطبع، وقوراً، خص قسماً كبيراً من وقته لمقاومة الاستعمار، توفي سنة ١٣٧٧ رحمه الله تعالى. انظر ظزالأعلام )): ٦/ ١١٣ - ١١٤.
41
نباهة وبالاضطهاد حرية، وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية.
هذا الخلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملق خصمها ... أما صغير الهمّة فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة فيذوب أمامهم رهبة، ويطرق إليهم رأسه حِطَّة ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم، ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم )) (١).
(١) (( رسائل الإصلاح )): ٢/ ٨٨.
42