تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

أيام في تونس 2/2 - تونس بعد الثورة

مدة القراءة التقريبية: 9 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

لم يكن يدور في خَلَدي، ولم أتوقع من حوادث دهري أني سأعود إلى تونس مرة أخرى بعد أن زرتها سنة 1415/1995، تلك الزيارة التي كانت صادمة لي صدمة عنيفة، وقد تحدثت عنها في الحلقة الأولى التي نشرتها مجلة المجتمع ثم رد عليها السفير التونسي في الكويت، ثم رددت عليه، لكن الله -تعالى- قضى بإزاحة نظام الطاغية المخلوع وأراح منه البلاد والعباد، فعدت إلى تونس هذه السنة 1432/2011 بين العيدين، فرأيت البلاد غير البلاد، والناس غير الناس، ولله الحمد والمنة.

وليست بي حاجة أن أذكر المآسي التي حدثت في تونس زمن الطاغية المخلوع فحسبي أني ذكرتها في حلقتين قبل هذه، لكن لابد من القول إن ما سمعته هذه المرة يفوق كل ما سجلته من قبل، وأني لم أكن أعرف من بئر المآسي إلا غطاءها، ولم أكن أدرك من الأخبار إلا أطرافها، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولولا أن سياق الحديث في البشائر لذكرت للقراء ما تبكي منه العيون، وتنفطر لسماعه القلوب.

وقد جئت تونس بدعوة من عدة جمعيات قرآنية لإلقاء محاضرات، فلم أترك مدينة مهمة إلا جئتها بفضل الله تعالى -على قِصَر إقامتي في البلاد؛ إذ مكثت ثمانية أيام- فزرت تونس العاصمة وجزيرة جربة، وسوسة، والقيروان، والمنستير، والحمامات، وقابس، وصفاقس، ومساكن، وفي كل المدن -تقريباً- ألقيت محاضرات تحدثت فيها عن تونس بعد الثورة، وشروط التمكين، ووجوب المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي القادمة، وأهمية التعاون والتنسيق بين الاتجاهات الإسلامية المختلفة، وتاريخ تونس الإسلامي وثراء ثقافتها وعظمة علمائها ومجاهديها، وغير ذلك من الموضوعات، وإليكم بعض ما جرى في تلك الزيارة:

أولاً: حال المساجد:

كان الرئيس المخلوع وزبانيته قد وصل بهم الطغيان إلى حد إغلاق بعض المساجد، وتعطيل بعضها الآخر بمنع الدروس والمحاضرات وحلقات القرآن عنها، وتكبيل أئمتها، وتكميم أفواههم، وكتابة نصوص خطبهم، وترهيبهم، فلما جئت تونس هذه السنة وجدت المساجد قد عاد إليها بهجتها وبهاؤها وهيبتها -خاصة الجوامع العظام العتيقة- وفتحت أبوابها للدروس والمحاضرات وحلقات تحفيظ القرآن، وقد شرفت بالحديث فيها وخطبة الجمعة، فرأيت اجتماع آلاف الناس فيها في تغيير تاريخي مدهش، فسبحان مغير الأحوال، ومن أعجب ما حصل لي أني قُدمت لإلقاء درس في جامع الزيتونة العتيق، وهذا كان مستحيلاً على مَن هو من خارج تونس في الزمن الغابر، بل كان ممنوعاً على علماء تونس العاملين في زمن الطاغية المخلوع، وقد قُدمت للإمامة في عدة جوامعَ عتيقة وجديدة، وقد كان هذا من الممنوعات الغليظة في تلك المدة البائسة، وإن أنس فلن أنسى أبداً -إن شاء الله تعالى- تلك الجوامع العظام كالزيتونة وعقبة بن نافع في القيروان، وجامع اللخمي في صفاقس وغيرها.

ثانياً: الجماعات الإسلامية:

في تونس توجد كل الجماعات الإسلامية الموجودة في سائر الدول العربية والإسلامية لكنها كانت مقموعة بقوة النظام، ممنوعة بسبب الطغيان، فلما فُتح الباب، وزالت الحواجز والعقبات برزت تلك الجماعات إلى السطح ومعها كل خلافاتها ومشكلاتها، وأصبح هذا لا يرضى عن ذاك، وخرج من يبدع ويفسق الآخرين، وظهرت فرقة المداخلة الجامية التي هي أشد هذه الجماعات على الناس وأكثرها اتهاماً لهم وتشهيراً بهم وإساءة لهم، وقد كان لهذه الفرقة آثار سيئة في تونس كآثارها السيئة المبثوثة في أغلب مدن الإسلام.

وقد حرصت كل الحرص على بيان أهمية الوفاق بين الجماعات المختلفة، وأن الوفاق لا يعني السكوت عن المنكرات أو عدم التناصح، أما الاختلاف في هذا الوقت، وفي هذا المنعطف التاريخي الخطير الذي تمر به تونس فإنه جريمة تُرتكب عن سبق إصرار وتعمد، وإن مثل القوم المختلفين كتيوس في زرائبها تتناطح وسكين الجزار في انتظارها!! وعسى أن يلقى كلامي مكاناً في قلوب القوم وعقولهم، إذ إن الاجتماع مهم في كل وقت، وفي هذا الوقت أهم وأعظم.

ثالثاً: الانتخابات:

فوجئت في تونس بمعارضة شديدة للمشاركة في الانتخابات، ودعوات كثيرة لاعتزالها وذلك من قِبل الجماعات السلفية خاصة، فقلت للقوم: إن هذه الدعوات ينتج عنها تسليم البلد لقمة سائغة لحزب فرنسا في تونس، وإن أسعد أيام أعداء تونس في الداخل والخارج هو يوم يعتزل الصالحون الانتخابات ويتركون الفاسدين يستقلون بالمجلس التأسيسي وكتابة الدستور، وسن القوانين التي ستكدر على المعتزلين حياتهم، وتضيق عليهم في أمور دينهم بل دنياهم أيضاً.

هذا وإن من الشبهات التي يتذرع بها المطالبون باعتزال الانتخابات أن المشاركة فيها إقرار بالطاغوت ورضىً بالديمقراطية التي هي عندهم كفر كلها، فبينت لهم أن الديمقراطية ليست كفراً كلها إنما شِقٌّ منها لا يجوز وهو أن الشعب مصدر التشريع، فإن التشريع عندنا إنما هو لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقط لا غير، أما الآليات التي في الديمقراطية من برلمان وانتخابات ورقابة فهي جائزة لا شائبة تحريم فيها؛ وذلك لأن الإسلام ترك للناس أمر طريقة إدارة بلادهم فلا يهمه إن كان النظام ملكياً أو جمهورياً، رئاسياً كان أو برلمانياً لكن الذي يريده الإسلام هو تحكيم شرع الله، وبينت للناس أنه حتى يخرجوا من الحرج -إن كان ثمة حرج- فلينووا بالمشاركة المغالبة لأعداء الإسلام، والتمكين للأصلح من الناس وإبعاد الفاسدين، وأن الأصلح قد لا يكون صالحاً بمقاييس المنتخب لكنه هو الأفضل والأصلح من المرشحين، وأن المنتخب لا يسعه ديناً إلا هذا.

ويتكئ الممانعون الداعون للاعتزال على أقوال قالها بعض زعماء الإسلاميين فيها مخالفات شرعية حقيقية أو متوهمة، فقلت لهم: إنا لا ندري لماذا قالوا تلك الأقوال؟ على أننا لا نقبلها لكن قد نعذرهم في بعضها ونخالفهم في بعضها الآخر لكن لابد من المشاركة والمغالبة وإيصال الأصلح إلى المجلس التأسيسي.

هذا وقد شكى لي بعض الذين حضروا المحاضرات بأن هنالك قوانين تُسن الآن في تونس مخالفة للشرع، وهناك تعيينات وظيفية لملحدين وفاسدين، فقلت لهم إن هذا حجة لي في وجوب المشاركة وعدم الاعتـزال؛ فإن هذه الاستفزازات لجمهور المسلمين إنما هي مقدمة السيل الذي سيدهم البلاد والعباد بقوانين الفساد إذا اعتـزل الصالحون الانتخابات.

وأظن -والله تعالى أعلم- أن بعض الأئمة والخطباء ووجهاء القائلين بالاعتـزال من بعض الدعاة والمثقفين قد راجعوا عزمهم هذا، وقد أفصح لي بعضهم عن هذه المراجعة، فلله الحمد والمنة على هذا الذي جرى من اقتناعهم فإني أرى -والله أعلم- أن هذا هو الأصلح للبلاد والعباد في هذه المرحلة.

ولقد ضربت للقوم مثلاً مصرَ التي حدثت فيها تنازعات شديدة جداً في الأربعين سنة الماضية -تقريباً- في قضية المشاركة في الانتخابات في الأنظمة الفاسدة وكان على رأس الممانعين المشايخ السلفيون، أما الآن وفي هذه السنة فقد تغير رأيهم، وأطبق أكثرهم على وجوب المشاركة في الانتخابات بل تعدوا ذلك إلى إنشاء أحزاب سلفية للدخول في المعترك الانتخابي، فهل يبدأ الإخوة في تونس من حيث انتهى المصريون أو سيبدأون من حيث بدأوا ويعيدون تلك المناقشات الطويلة، والمنازعات الكثيرة، والجدال العقيم؟!!

رابعاً: مسألة الخروج على الحكام:

ومن العجب العجيب أنني وجدت في تونس بعض الشبهات التي تدور حول إسقاط ابن علي وخلعه وأيضاً خلع القذافي، فوجدت بعض من حضر المحاضرات والدروس يرون أن هذا من باب الخروج على الحكام وأنه لا يجوز شرعاً، فبينت لهم أن فقهاء أهل السنة والجماعة يرون أن الحاكم المسلم الذي يحكم بشريعة الإسلام هو الذي لا يجوز الخروج عليه وإن ظلم شيئاً ما، وفي مثله يتنـزل قول النبي : "وإن جلد ظهرك وأخذ مالك"، أما الحاكم المسلم الذي لا يحكم بشريعة الإسلام، فهذا هو الذي يجب عزله لكن وضعوا شرطاً وهو أمن الفتنة، أو ما يعرف بلغة العصر بأقل الخسائر الممكنة، وهذا بالضبط هو الذي جرى في تونس ومصر فقد خلع الطاغيتان بأقل الخسائر الممكنة التي جعلت جواز ذلك العزل للحاكمين لا يتنازع فيه فقيهان راشدان، هذا إذا قلنا بأن أولئك الحكام مسلمون، أما إن كانا مرتدين فمن باب أولى خلعهما وعزلهما.

وكذلك ما جرى ويجري في سوريا وفي ليبيا له الحكم نفسه والله أعلم.

وأختم ببعض الجوانب عن تونس وزيارتي لها:

  1. أولاً: تونس أصغر بلد عربي افريقي لكن أثرها في إفريقيا والعالم الإسلامي عظيم، فلا يدري إلا الله -تعالى- كم كان فيها من علماء ومجاهدين وزهاد وعباد ومرابطين، وقد كان لعلمائها يد بيضاء على الشريعة والثقافة الإسلامية، وفي تونس من آثار الحضارة الإسلامية شيء كثير، ولهذا تتبوأ تونس المرتبة الثانية في إفريقيا الإسلامية بعد مصر وقبل المغرب في الأيادي البيضاء التي لها على المسلمين وشريعتهم وثقافتهم وعمارتهم.

  2. ثانياً: في تونس أربطة للجهاد رائعة وعلى رأسها رباط المنستير الذي لا يُنسى أثره في الجهاد وصد أعداء الإسلام، وقد شرفت بزيارته، وأصابني خجل لما درت فيه وتذكرت سير العظماء الذين كانوا يسكنونه، فإني -والله- لست جديراً بدخول ذلك المكان لكن الله المستعان، ومن أراد أن يعرف عظمة أولئك القوم الذين أضاءت بهم تونس وكان لهم أعظم الأثر في مسيرتها فليقرأ كتاب أبي بكر عبدالله بن محمد المالكي "رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وافريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم" فإنه أورد من قصصهم وأخبارهم ما تحيا به القلوب.

  3. ثالثاً: الشعب التونسي متعطش للإسلام فقد خرج من نفق مظلم من التجهيل وحِيل بينه وبين إسلامه وشريعته طويلاً، ولن يقبل هذا الشعب إلا الإسلام حاكماً له ومهيمناً على القوانين والأنظمة، ولن تستقر تونس ولن يستقيم أمرها إلا بهذا، وقد أدهشني حقاً ذلك الإقبال الرائع على المساجد والدروس، هذا وإن حبهم الشديد للإسلام وأهله ظاهر لائح لا يحتاج إلى برهان، لكن المشكلة الكبرى التي يعاني منها الشعب هي قلة الموجهين والمرشدين خاصة من الراسخين في العلم الشرعي وفقه الوقت.

وفي الختام، ومن باب "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" فإني أشكر من كان سبباً في مجيئي إلى تونس وهما الأخ عصام الشيخي المقيم عندنا في جدة، وهو مهندس دمث الأخلاق، والأخ أيوب بن درويش من مدينة الحمامات، وأشكر كذلك الأخ محمد فوزي العيساوي الذي سُعدت بمرافقته في أيامي الثمانية في تونس فقد أجهد نفسه وأهله في سبيل إرضائي وإسعادي وأهلي بكل وجه ممكن فجزاه الله عني خير الجزاء، وأعانني على مكافأته.

وأشكر كذلك كل الإخوة في المدن العديدة الذين أحسنوا استقبالي إلى الغاية وجهدوا في تذليل كل عقبة أمامي من أجل القاء المحاضرات أو الاطلاع على آثار الإسلام في الديار التونسية، ومنهم الإخوة فتحي السعيدي والداعية القارئ بشير بن الحسن، وإخوة القيروان وسوسة الذين أُنسيت أسماءهم وأرجو ألا أنسى فعالهم، وكذلك إخوة جربة وقابس وصفاقس، فجزاهم الله خيرا الجزاء.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080