أيام في مصر (1/3)
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
لي في مصر عرى وثيقة، فوالدتي حفظها الله منها، وامرأة أبي أم إخوتي منه منها، وهي أول بلد أزورها منذ خرجت من المملكة أول ما خرجت سنة 1386/ 1966، ثم زرتها عشرات المرات بعد ذلك، وأول ما تراه في مصر مآذنها الشامخة، ففي البلد أكثر من سبعين ألف مسجد، وهي دالة شاهدة على أن ذلك البلد هو عرين الإسلام مهما ادعى المدعون وأراد الهادمون، وفطرة أهله ربما كانت أقرب الفطر إلى الإسلام، فهم قوم فيهم طيبة ورفق في الجملة، وسلاسة طباع ونزوع إلى خير ولين، هذا هو المعروف عنهم الذي شهد لهم به الموافق والمخالف.
ومصر هي التي نصرت الإسلام في مواقع فاصلة، فهي التي أخرجت الصليبيين من آخر مواقعهم في بلاد الشام من عكا أيام الأشرف خليل المملوكي سنة 690، وهي التي أنقذت المسلمين في معركة عين جالوت الفاصلة في سهول فلسطين سنة 658 على يد أسدي الإسلام قطز والظاهر بيبرس، وهي موطن الخلافة الإسلامية العباسية بعد أن سقطت بغداد لمدة قرنين ونصف قرن تقريباً، إلى أن جاء العثمانيون، وهي التي ردت الصليبيين خاسئين أيام الكامل الأيوبي ومعركته مع لويس التاسع الذي سجن في دار ابن لقمان في المنصورة، وهي التي خرّجت ليوث الإسلام من قادة المعارك العظام، فهي التي صقلت صلاح الدين واليها سنوات طويلة قبل سلطنته، وفيها الممالك التي حرست الإسلام طويلاً، وذبت عنه مثل المملكة الأيوبية ودولة المماليك، ومنها خرج الفتح الإسلامي الأول إلى ليبيا وما وراءها إلى المحيط.
أما علماء مصر فحدث عن البحر ولا حرج، وحسبي أن أذكر على سبيل المثال الليث بن سعد الذي قال عنه الشافعي الإمام: هو أفقه من مالك، وعبد الله بن عبد الحكم، والمزني، والبويطي، والشافعي ـ وقد مكث في مصر أكثر من أربع سنوات، وقد قال ابن المبارك: من مكث في بلد أربع سنوات نسب إليها ـ والقاضي الفاضل العالم وزير صلاح الدين، والحافظ العراقي، والحافظ الهيثمي، والحافظ ابن حجر، والحافظ السخاوي، والحافظ السيوطي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري في آلاف من العلماء، بل على الحقيقة مئات الآلاف من العلماء الذين امتلأت بهم مصر منذ الفتح الإسلامي إلى يوم الناس هذا.
وهي بلد الأزهر الذي ظل شامخاً أكثر من ألف سنة وإن اعتراه ما اعتراه في هذا الزمان من ضعف وهوان، لكن كم كان للأزهر بجلائه ومشايخه من مواقف عزة وقوة وجلال؟! أليس هو الذي دوخ نابليون وكليبر خليفته؟! أليس هو الذي وقف شامخاً أمام الخديوية وتساهلها وقلة دينها؟!
وعلى يد مصر وعلمائه قُعِّدت أكثر العلوم والفنون، وضبطت الصناعات وحذقت، ولو قُدِّر لها أن ترزق حكاماً صالحين لكانت الآن في مقدمة دول العالم، ألم يبعث اليابان بعثة رسمية في أواخر القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي إلى مصر لينظر كيف تقدمت ليتبع خطواتها؟ وإن شئت المزيد من البيان عن هذه الحادثة الجليلة فاقرأ منار رشيد رضا رحمه الله.
واليوم تعظم آثار الفراعنة أيما تعظيم وكأنما هي تاريخ مصر، فالأخبار عنهم وعن قبورهم وقصورهم قد ملأت الدنيا وشغلت الناس، وزوار مصر لا يكادون يعرفون إلا هي!! فمن ذا الذي يزور الأزهر، أو المتحف الإسلامي، أو قلعة صلاح الدين؟ سواء من الزوار المسلمين أو من غيرهم؟ وقد طمس اليوم التاريخ الإسلامي فيها أو كاد، وأًعلي تاريخ الفراعنة وآثارهم، هذا على ظلمهم وشدة سطوتهم وجبروتهم، وشركهم وكفرهم وإلحادهم، وتسخيرهم الشعب لنزواتهم وأهوائهم، وقد أخبر الله جل جلاله عنهم في كتابه بما يشفي ويكفي، لكن هي خطة ماكرة لإبعاد مصر عن دينها، وقطعها عن حضارتها الإسلامية الرائعة.
وقد زرت في مصر قلعة قايتباي في الإسكندرية، وهي قلعة جليلة، وقفت شامخة مئات السنين، وقايتباي هو أعدل سلاطين المماليك وأفضلهم وألينهم عريكة وأقومهم بالعدل، ومن أطولهم مدة حكم، ولا يُنسى فضل قطز لكن كانت مدته قصيرة جداً، وبين وفاتيهما قرنين ونصف قرن تقريباً، فرحمة الله عليهما، فهما طرفا حكم المماليك وخير سلاطينهم فيما أعلم، والله أعلم.
وزرت في الإسكندرية أيضاً مكتبتها الجليلة، وهي التي بنيت باسم المكتبة القديمة التي اتهم عمرو بن العاص ظلماً وعدواناً بأنه حرقها، ولم أر أشهد بالزور بعد الرافضة من هؤلاء المستشرقين الكاذبين الذين يلصقون بالمسلمين خطايا هم برآء منها براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، فقومهم هم الذين تواترت عنهم حرق المكتبات في مدن الأندلس لما دنسوها بأخذها من ضعاف المسلمين وخَلْف الصالحين العاملين، أما المسلمون فلم يثبت عنهم حرق مكتبة الإسكندرية ولا غيرها، لكن للقوم اليوم إعلام قوي رائج، وإعلامنا إعلام غنائي راقص ساذج!!.
وزرت في القاهرة قلعة صلاح الدين، وهي قلعة عظيمة بحاجة إلى عناية وترميم، وزرت أول مساجد إفريقية: جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وسعدت بالصلاة فيه مراراً، كما سعدت بالصلاة في الأزهر مع ألم اعتصرني من تراجع وظيفته ودرجة علم أكثر مشايخه.
وقد زرت أيضاً جامع الشيخ المقرئ الكبير محمود خليل الحصري رحمه الله تعالى، وشرفني القائمون عليه بالإمامة فيه في صلاة المغرب، وهو ضمن مجموع من الأبنية التي تقوم على الأيتام والفقراء، كلها تحت إدارة ابنة الشيخ الناشطة العاملة ياسمين الحصري، وقد جمعت من المال الشيء الكثير، وبنت به تلك المباني الضخمة، وجعلت ثواب كل ذلك لوالدها، فما أحسن ما صنعت!! وما مات من رزق مثل تلك البنت.
ومن العجائب التي رأيتها في مصر أنني زرت المتحف الفرعوني فوقفت على جثة فرعون مصر الذي قال الله تعالى عنه في القرآن: " فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية " فأبقاه الله إلى يوم الناس هذا، وسيبقى إلى يوم القيامة؛ تحقيقاً لوعد الله تعالى، وقفت عليه وهو في تابوت من زجاج، فإذا بالتابوت مكتوب عليه: هذا فلان بن فلان غرق في ظروف غامضة!! فاسترجعت وعجبت أن يكتب عليه مثل هذا، والله تعالى قد فصل لنا في كتابه الكريم حادث غرقه، وبينه لنا أحسن تبيين، فما هذا التجاهل لهذه الحادثة الجليلة التي أذل الله تعالى فيها فرعون وملأه، هذا وقد كنت وقفت عليه قديماً سنة 1402/ 1982 ثم إني لم أعد إليه، فلعلهم غيروا هذه العبارة العجيبة التي تدل على تجاهل كبير للنصوص الشرعية، إذ لا يمكن لمسلم أن يجهل ما حدث لفرعون!!.
وفي مصر جوامع كثيرة جليلة إضافة إلى ما ذكرت، ومن أجلّها جامع السلطان حسن، وهو من الجوامع التي بنيت في العصر المملوكي، وأظن أن هذا الجامع هو أعظمها بناءً، وبوابته شاهقة الارتفاع، لم أر جامعاً من قبل له مثل هذه البوابة العجيبة.
وبعد فمصر بلد واعد، فيه زيادة على 75 مليوناً من البشر، وفيه طاقات كبيرة، ومواهب جليلة، وسواعد واعدة، لكنه بحاجة إلى إخلاص الحاكمين والمحكومين، والتعاون بين العلماء والدعاة من جهة وبين الحكومة من جهة أخرى، وبحاجة إلى تخطيط سليم وأخذ بأسباب التقنية، فإذا فعلوا ذلك فأزعم أنهم سينافسون كثيراً من دول العالم وأقطاره، والله أعلم.
بطاقة: حرفًا