أيام في تِطْوان (4/4)
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
تطوان مدينة جميلة، صغيرة، تقع في شمال المغرب على البحر الأبيض المتوسط، وكانت محتلة من قبل الأسبان ـ في جملة من مدن الشمال المغربي ـ وقد جلوا عنها سنة 1377/1957، وفيها المدينة القديمة التي بنيت بيوتها على الطرازين المغربي والأندلسي، وذلك لأن جملة كبيرة من أهل الأندلس خرجوا إليها إبّان المآسي التي تعرضوا لها في بلادهم، وأزقة المدينة ضيقة لكنها لا تنبئ عن سعة البيوت، فقد دخلت أحد تلك البيوت فوجدته واسعاً رحباً تدور غرفة على فناء يتوسطه حوض ماء، وتلك هيئة معظم البيوت العربية القديمة في الشام ومصر والحجاز وغيرها، وغرف ذلك البيت عجيبة، إذ كل غرفة فيها أرائك للجلوس وفي أحد أطرافها سرير عليه ستار، فسألت عن ذلك فقيل لي إن رب البيت إذا زوج أبناءه فإنه يبقيهم عنده، وتصلح كل غرفة من تلك الغرف أن تكون غرفة للنوم مع كونها غرفة للضيوف أيضاً، وهذا عجيب، وقد رأيت هذا في أكثر من بيت، وهذا الذي افتقدناه في البيوت الحديثة، وطرائق الحياة الحديثة؛ فمشكلة كثير من الشباب المقبل على الزواج اليوم هي أنه لا يجد مكاناً للسكنى أو لا يستطيعه، ولم تكن هذه المشكلة موجودة فيما سبق.
والداخل إلى تطوان القديمة يشعر أنه قد ولج إلى ثنايا التاريخ، وعاد إلى أيام مضت يراها في الأفلام القديمة ويقرأ عنها في بطون الكتب؛ وهو الشعور نفسه الذي يشعر به من دخل إلى فاس القديمة وصنعاء القديمة، وهو شعور رائع جميل لا يُقرأ ولا ينقل بل لابد من تذوقه، والدوران في تطوان القديمة يدرك به المرء مدى السعادة التي كان يشعر بها القدماء في عيشهم في تلك المدن القديمة الرائعة، والفارق الكبير بينها وبين كتلنا الإسمنتية الحديثة التي يضيق بها الصدر وتخالطها الكآبة غالباً.
وقد دُعيت لإلقاء محاضرة في الجامع الأعظم في تطوان، وكانت بعد صلاة المغرب، وقد اعتاد الأئمة في المغرب على قراءة حزب من القرآن بعد صلاة المغرب، كما بينت في الحلقة الأولى، وقد استأذن الإخوة رئيس المجلس العلمي في تطوان في أن يكلم الإمام ـ ورئيس المجلس مسؤول قانوناً عن الإمام ـ حتى يؤخر الحزب أو يقدمه، وجئت الجامع ففوجئت أن الإمام رفض توجيهات رئيس المجلس العلمي وأخذ في قراءة حزبه بعد الصلاة مباشرة، فأشار إليه الإخوة فقام وأخذ بيدي وأجلسني بجواره وأكمل حزبه هو ومن معه، والناس ينتظرون وينظرون في ساعاتهم، ولم أبدأ المحاضرة إلا بعد فراغه، وقد كانت مدة قراءته قرابة العشرين دقيقة، وذلك لأنه يقرأ الحزب ويقرأ الأذكار ـ أذكار المساء ـ بعده، ولم أبدأ المحاضرة إلا وقد بقي على العشاء أقل من خمس وأربعين دقيقة، وكانت المحاضرة عن "أثر المرء في دنياه" ولم أستطع أن أوفيها حقها حتى بقيت بعد الأذان عشر دقائق، وهذه الحادثة تدل على مدى استمساك الأئمة بهذه التقاليد التي وجدوا من سبقهم عليها بحيث لا يستطيعون تركها حتى لو كان هناك أمر مهم أو عاجل.
وقد دُعيت لإلقاء المحاضرة نفسها: "أثر المرء في دنياه" في شفشاون، وهي بلدة في أحضان الجبال جميلة أنيقة، المسافة إليها من تطوان تقطع في أقل من ساعتين بقليل، والطريق إليها جميلة والمسافر إليها مخير بين أن يتبع الطريق الجبلية أو يؤم المسلك البحري الذي ينعطف به إلى الجبال مرة أخرى، والأول أقصر والآخر أجمل وأروع، وقد سلكت الطريقين أولهما في الذهاب وآخرهما في الإياب، وقد كان لهذا سبب سأذكره للقراء إن شاء الله تعالى.
وقد وصلت شفشاون قبيل المغرب، وأممت جامعها الأعظم، وشفشاون تعني بالبربرية "انظر إلى القرن" والشاون هو القرن، وقد استأذن الإخوة المجلس العلمي في شفشاون في أن يؤخر الإمام حزبه أو يقدمه فاستجاب الإمام وقدمه إلى ما بعد العصر، فتحدثت مع المصلين عقب المغرب مباشرة، وتلك عادتهم هنالك فلا يصلون السنة بعد المغرب إلا بعد الفراغ من حزبهم ـ فيما يبدو ـ وعقب المحاضرة اقترح الإخوة أن أبيت في شفشاون لئلا أعود في الليل فاستجبت لهم وأخذوني إلى فندق قديم في طرف المدينة القديمة، وقد سررت به وذلك لأنه بني على الطريقة القديمة التي شرحتها في الحلقة الماضية، وكل ما في الغرفة تقريباً يذكرك بطريقة حياة الآباء والأجداد.
ثم بعد ذلك أخذني الإخوة لمأدبة عشاء حافلة دالة على كرم وعناية وحسن ضيافة، والحق أني دعيت لعدة مآدب في المغرب قديماً وحديثاً فلم أجد إلا حفاوة بالغة بالضيف وكرماً بالغاً الغاية، وألواناً من الطعام والحلوى والسلطات والمشروبات، ويقدم كل ذلك مع البسمة الصادقة والفرحة الحقيقية بالضيف من غير تكلف ولا تأفف ولا ضيق، وليس هذا شأن صاحب البيت فقط بل أزعم أن جميع من رأيتهم من أهل البيوتات التي دعيت إليها كانوا كذلك، وهذا من نعمة لله عليهم فإكرام الضيف سنة الأنبياء العظام، وإذا جُمع إلى الإكرام حسن الملقى، وجمال البسمة، وإسقاط التكلف، والعناية بالضيف فقد تمت النعمة وعظمت المنة.
هذا وقد دار بي الإخوة في مدينة شفشاون القديمة فرأيتها قريبة من تطوان القديمة التي وصفتها في الحلقة السابقة وإن كانت تطوان تفضلها في مساحتها وقدمها، وأروني قصبة المدينة ـ أي دار الحكم فيها قديماً، وهي اليوم متحف ـ وأروني جامعها الأعظم، وكان مغلقاً للترميم، وأروني معالم أخرى في تلك المدينة الجميلة، التي لم أمكث فيها إلا ليلة واحدة لضيق الوقت، وبعد الفجر تحركت إلى تطوان عبر الطريق البحرية، وذلك لأني كنت أريد أن أمر بقرية "تارغا" وهي قرية بحرية وصف لي حسنها وحفاظ أهلها على الشعائر الإسلامية، فلما جئتها وجدت الخبر كالعيان، ومكثت فيها قرابة ساعة؛ وذلك لأني كنت أنظر في سبل رجوعي إليها مع الأهل والأولاد، وقفلت عائداً إلى تطوان عبر طريق بحرية رائعة يمتزج فيها الجبل بالبحر، وتلتقي زرقة السماء مع زرقة البحر، والخضرة الرائعة تكسو الجبال جمالاً ورونقاً وبهجة، ومنعطفات الطريق تخبئ وراءها مزيداً من الجمال والجلال، والشمال المغربي يجمع أهله بين الحفاظ على الشعائر الإسلامية ـ في الجملة ـ مع جمال الطباع وحسن الخلق، هذا مع جمال الطبيعة التي خلقها الله تعالى على هيئة جليلة.
ولما وصلت تطوان سارعت إلى الفندق وجمعت متاعي، وسلمت على الإخوة الذين اجتمعوا لوداعي في حفاوة ظاهرة، جزاهم الله خيراً، وقصدت الرباط فتغديت عند أحد كرام أهلها، وجددت العهد بالشيخ الشاهد البوشيخي وأخيه أحمد جزاهما الله خيراً، وقد تحدثت عن الشيخ الشاهد في "أيام في فاس" ثم مضيت إلى الدار البيضاء إلى مطارها لأسافر بعدها إلى المملكة.
ولا يسعني بعد نهاية هذه الحلقات إلا أن أشكر أخي الكريم الفاضل عبد الرحيم، الذي صاحبني في جل رحلتي وكان بي حفياً، وأكرمني غاية الإكرام فلا أملك إلا أن أدعو الله تعالى أن يجزيه خيراً.
وكذلك أشكر أخي الدكتور طارق البردوني الذي قام على المؤتمر حتى أنجزه على وجه ملائم حسن فجزاه الله تعالى خيراً.
وهناك إخوة كثيرون أحاطوني بعنايتهم، ورأيت منهم كرماً، وسعة صدر، وحسن خلق، ورعاية وتذمماً لا أملك في هذه العجالة أن أورد أسماءهم جميعاً لكني سأدعو لهم بظهر الغيب إن شاء الله تعالى.
بطاقة: حرفًا