تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

أيام في دمشق (1/2)

مدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

دمشق كانت عاصمة الدنيا أيم الخلافة الأموية، ثم لما كبا الأمويون لم تتخلف دمشق عن المشاركة في الحضارة الإسلامية فقد كان لعلمائها خاصة وعلماء بلاد الشام عامة أعظم المشاركات في بناء مجد الإسلام، وإن ينس التاريخ أشخاصاً فلا ينس أبداً شيوخ الإسلام المقادسة الدمشقيين مثل الحافظ عبد الغني (ت 600هـ) والضياء المقدسي وابن قدامة المقدسي (ت 620هـ) الذين سكنوا جبل قاسيون في دمشق وسميت المنطقة إلى اليوم بالصالحية نسبة إليهم، ولا ينس التاريخ شعلة النار الحافظ ابن عساكر (ت 571هـ) والإمام الذهبي: ذهب ذلك العصر لغة ومعنى (ت 748هـ) والإمام ابن كثير (774هـ) وتقي الدين السبكي (ت 759هـ) والحافظ المزي وعلم الدين البرزالي، وأكابر الصحابة وعظماء التابعين الذين سكنوا تلك البلاد المباركة بإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبي للشام – ثلاث مرات – قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: فإني رأيت ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام "و" إن الله تكفل لي بالشام وأهله "و" ستجندون أجناداً جند بالشام وجند بالعراق وجند باليمين، فقال عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه: خِرْ لي يا رسول الله فقال: "عليكم بالشام" في جملة من الأحاديث الكثيرة التي أنبأت بفضل الشام ومكانته، وهي الأرض التي بارك الله فيها: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) وقال تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) والقرى التي بورك فيها هي قرى الشام.

والشام فيه مقابر الأنبياء العظام والرسل الكرام، وفيه جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، وما أحسن ما وصف به ابن شُكر الوزير دمشق فقال: (دمشق نزهة الأبصار، وعروس الأمصار، ومجرى الأنهار، ومغرس الأشجار، ومعبد الأبرار، المستغفرين بالأسحار، وظلها الممدود، ومقامها المحمود، وماؤها المسكوب، وعيبها المسلوب، ومحاسنها المجموعة، وفضائلها المروية المسموعة، ودرجتها المرفوعة، وفاكهتها الكثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، ونسيمها العليل، وهجيرها الأصيل، وماؤها السلسبيل ... ولم تزل مقر البركات، ومعدن النبوات، ومنزل الرسالات، ومسكن أرباب الكرامات...

ولما أنعم الله تعالى عليّ بإسكاني في فنائها، وتخيري لبنائها، ونزهتي في أفنائها، وأنسي بإنسانها مضيت إلى جامعها الجامع، وشفعت بإدراك البصر منه إدراك المسامع، فلما وصلت إليه رأيت مَرْءاً صَغّر الرواية، ورونقاً حصل من الحسن على النهاية، ونوراً يجلو الأبصار، وجمعاً يفضل على جموع الأمصار، وعبادة موصولة على الاستمرار، وقرءاناً يتلى في آناء الليل وأطراف النهار، ومنقطعين إليه قد أنفقوا في الاعتكاف به نفائس الأعمار، والبركات تحف بجوانبه، والعلوم تنشر في زواياه ومحاربه، والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُسند وتُروى، والمصاحف بين أيدي التالين تُنْشر فلا تُطوى، وأعلام البر فيه ظاهرة فلا تخفى ولا تُزوى، والإسلام فيه فاش، والجهل فيه متلاش ... وهو بيت المتقين، وسوق المتصدقين، ليله للمتهجدين، ونهاره للعلماء المجتهدين...) إلى آ خر ما قاله رحمه الله.

وكنت قد أتيت دمشق قديماً وأنا طفل سنة 1389/1969 فراعني منها حسن مبانيها، وجمال مصايفها، وحلاوة فاكهتها، وبرودة مائها على أننا كنا في وسط القيظ وفي شهر الحر: آب اللهّاب / أغسطس، ولا أنسى يوماً جاءنا الوالد فيه ببطيخة فوضعناها في بركة وسط البيت فانشقت البطيخة والله وأنا أنظر من شدة برد الماء، هذا ونحن في أغسطس!! ولما جئت دمشق آنذاك كانت البركة ما زالت فيها حالة، والليرة لكثير من المشكلات حالّة!! ومن ثم جنتها سنة 1400/1979 فوجدت الفارق شاسعاً، وهذا لأن البلاد يوم زرتها أول مرة كانت آمنة مطمئنة، وفي المرة الثانية كانت على شفا جرف هار، والأوضاع فيها صعبة بسبب الخلاف بين الحكومة والإخوان.

ثم جئتها سنة 1416/1996لأشتري جزءاً من مكتبة أديب وعالم مشهور كان قد انتقل إلى رحمة الله فرغبت أسرته في أن أصطفي جزءاً من مكتبته شراءً، فرحبت وسارعت، واصطفيت منها ما استطعت حمله، وكنت راغباً فيها كلها، طامعاً في الاستحواذ عليها لكن حال دون ذلك أحوال، وقد أفدت من تلك الكتب أيما إفادة، وسعدت بها كل السعادة، وحملتها إلى بلدي، وزينت بها مكتبتي، ولله الحمد والمنة، لكن لأنها كانت مغلقة دهراً طويلاً فقد نالني شيء من غبارها ليس بالقليل، وظللت أسابيع بعدها وأنا عليل، والحمد لله على كل حال.

ومكتبات العلماء والمشايخ القدامى ثروة وكنز، وذلك لأن كتباً كثرة طبعت قديماً لم تطبع من بعد، وهناك كتب طبعت طبعات خاصة ولم تُتح للجمهور، فينبغي الحرص على هذه المكتبات الخاصة إن بيعت أو أهديت.

ثم إني لما جئت دمشق سنة 1416/1995 وجدت نقصاًَ واضحاً في الالتزام بشروط الحجاب، ومن المعلوم عند القاصي والداني أن الحجاب الشامي هو من أجود أنواع الحجاب وأسبغه وأحسنه، ومن أكثره التزاماً بالضوابط الشرعية لكن لما جئتهم تلك السنة وجدت أن الحجاب قد ضعف الالتزام بشروطه وازداد عدد المحجبات!! وأصبح سائغاً أن تلبس المرأة هذه السراويل الضيقة وتضع على رأسها (الإيشارب) لتصبح محجبة، هذا عدا عن الألوان التي تزيد المرأة جمالاً، وربما وضعت الفتاة الأصباغ (المكياج)، ومعاذ الله أن يكون هذا حجاباً مقبولاً، فإن الأصل في الحجاب هو درء الفتنة وإسكات صوت الغريزة المحرمة، أما هذا الملبوس فإنه يعظم الافتتان بالمرأة، ويشعل الشهوة المحرمة، وقد زاد انتشار هذا اللبس المخالف للأسف الشديد حتى صار هو الأصل في شوارع كثير من البلاد العربية والإسلامية، وهكذا المنكر إذا لم يُنكر في بدايته استفحل أمره حتى يصير هو المعروف والمعروف يصير منكراً.

وقد حدثني أحد أخواني من سورية أن بعض الفتيات السافرات المتبرجات يشجعن على الحجاب بهذا اللباس الضيق والملون والمخالف لشروط الحجاب الشرعي، ثم إذا لبسنه أقيمت لهن الحفلات، وكوفئن بالجوائز!! وأرى والله أعلم أن سبب انتشار مثل هذا اللباس إنما مرده إلى بعض القنوات الفضائية الإسلامية التي تشجع على هذا اللباس وتطرحه على أنه حجاب مقبول، وهذا تهاون وتفلت لا يليق أن يعرض في القنوات الفضائية ويطل على الناس من خلال المذيعات والمديرات للبرامج والندوات.

وفي دمشق السوق العثماني المشهور (الحميدية)، والمسقوف تماماً، وقد دخلته مراراً، وفيه محلات عتيقة، وهو جمال للناظرين، ومتعة للمتسوقين، والداخل إليه كوالج التاريخ من بوابته، ومودع العصر عند عتبته، وفي نهايته الجامع الأموي، وهو جزء من دمشق القديمة، وعيه تدور رحى المدينة، ودمشق مشهورة بلذيذ طعامها واعتدال هوائها، وأهلها معروفون بالتدبير، والاقتصاد وعدم التبذير، وهم في جملتهم لهم إقبال على الإسلام، وحب لشرائعه العظام، واعتزاز بأهله والدعاة إليه، والله المسؤول أن يمن عليهم بجمع الشمل، وأن يرفع عنهم الفتن، وأن يقيهم شر الغوائل، وهو الموفق والمستعان.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080