تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

أيام في عَمان

مدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

عهدي بعمّان بعيد، فقد جئتها ماراً بها إلى الشام عامي 1389، 1399 هـ وذلك يوافق بالميلادي - لمن جهل التاريخ الهجري- 1969، 1979 ولم أمكث فيها في المرتين إلا لُبث المارّ، لكن في المرة الأولى جئتها طفلاً مع الوالد، وفي المرة الأخرى مررتها وأنا ابن ثمانية عشر عاماً، وجرى لي أمر لطيف فيها؛ وذلك أني تعلمت قيادة السيارات في جدة، وهي مدينة ساحلية، ولم أَقُد في المناطق الجبلية قط، فلما وصلت عمّان فوجئت بالجبال والمنحدرات التي لم أعتدها من قبل، وكدت أن أفقد السيطرة على السيارة مراراً لكن الله سلم ولله الحمد والمنة، ولا أذكر شيئاً سوى ذلك ذا بال.

وقد قدمت الأردن سنة 1429هـ/ 2008م مدعواً لحضور مهرجان الأنشودة الإسلامية الذي أقيم هو ومهرجان غنائي ماجن في وقت واحد، وكانت إقامة المهرجان هذا أمراً محموداً، إذ لابد من البدائل الجيدة لهذا السيل الماجن الذي تموج به بلاد المسلمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وكان عدد الحاضرين جيداً مناسباً، وكانت النساء في معزل عن الرجال، وهذا مما تمتاز به هذه المهرجانات الإسلامية، ولله الحمد والمنة، ولم أحضر في هذا المهرجان إلا للمنشد يحيى حوى حفظه الله تعالى، ولمنشد آخر نسيت اسمه الآن، وذلك لأني كنت مشغولاً بالزيارات العديدة للمشايخ والعلماء.

لماذا التبديل؟

وقد حدثني الأخ المنشد يحيى حوى أن هنالك من يضغط عليه لاستعمال الآلات الموسيقية في النشيد، لكنه رافض وثابت على رفضه، وقد أسعدني هذا وأحزنني، أسعدني لأن هناك مِن المنشدين مَن يثبت على البعد عن الحرام والنفرة منه، وذلك لأن الأئمة الأربعة متفقون على حرمة الآلات الموسيقية، ومن أحلها فقلة نادرة جداً في محيط ضخم من المحرمين، على أن أدلة المحلِّين ضعيفة، فأفرحني بثباته جزاه الله خيراً، وحزنت لأن هناك من يريد وأد هذه التجربة الفريدة التي ابتدأت منذ سنة 1388هـ/1968م -أي منذ أكثر من أربعين سنة- على يد المنشد السوري أبي مازن حفظه الله، ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن ظهرت آلاف الأناشيد الهادفة الرائعة التي تخلو من الآلات الموسيقية، فما عدا مما بدا يا عباد الله، وماذا بعد هذا؟ أنعود إلى الآلات بعد أربعين سنة من التخلص منها؟ أنهدم هذا البديل الرائع الذي عُني به طويلاً، ورأينا إقبال الشباب عليه إقبالاً منقطع النظير؟
ولمصلحة من هذا التبديل لذاك البديل؟ وفي فتح هذا الباب المحرم ذريعة لسماع سائر المغنين الذين ليس في كلامهم فحش ويغنون بالآلات، بدعوى أن الآلات حلال، وفي ذلك قضاء تام على مشروع النشيد الإسلامي.

معارك رمضانية

ودعتني إذاعة حياة إف إم لتسجيل حلقات عن غزوات ومعارك رمضانية فسجلت لهم ثلاثين حلقة عن غزوة بدر، وعين جالوت، ومعركة العاشر من رمضان سنة 1393 هـ / 6أكتوبر 1973م، وهذه المعركة معركة جليلة جداً، فقد تنـزل فيها النصر في وقت لم يكن يظن أحد فيه أن ننتصر، نعم إنه قد حدثت نكسة في المعركة وهي ثغرة الدفرسوار، والتفاف القوات اليهودية المدعومة أمريكياً بقوة حول الجيش المصري، ونعم قد مهدت هذه المعركة للصلح مع اليهود بعد ذلك لكني إنما تحدثت عن النصر الذي جرى في أرض المعركة في بداياتها، والتكبير الذي ملأ جنبات القنال، وارتفع إلى عنان السماء، ولم يكن لليهود عهد بهذا التكبير منذ عقود طويلة..

وأيضاً تحدثت عما جرى في أرض المعركة من كرامات عجيبة وإليكم إحداها؛ فقد حدثني الأستاذ الثقة العامل -أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً- أحمد جلبط المصري- وهو داعية في الندوة العالمية للشباب الإسلامي وممن يحمل هم الإسلام- عن الحرب، وذكر لي أنه كان مشاركاً فيها، وأن الجنود كانوا يدفنون قتلاهم على عجل ويضعون علامات على قبورهم، حتى إذا انتهت الحرب جاء أهلوهم فمن شاء منهم أخذ شهيده أخذه ومن شاء إبقاءه أبقاه، وأنهم كانوا يدفنون اليهود أيضاً، وبعد الحرب أغلق ميدان المعركة قرابة ستة أشهر من أجل المفاوضات بين المسلمين واليهود، ثم فتح الميدان للأهالي، فقال الأستاذ: جئت مع الأهالي فلا أحصي عدد القبور التي فتحت وأنا واقف عليها، وما نكاد نزيح التراب قليلاً إلا وتعم المكانَ رائحة ما شككنا قط أنها ليست من روائح الدنيا، وبعض القبور التي فتحت ليس فيها رائحة لكن - والكلام له- ما وجدنا جندياً من الجنود تغير أبداً بل هم على حالهم التي قبروا عليها، بل وجدنا في بعض الجنود مكان الرصاصة منه ما زال ينـزف دماً الله أكبر الله أكبر!! وذكر أنهم ربما فتحوا خطأً قبور بعض يهود فيعم المكان رائحة الجيف المنتنة.

مقارنة واجبة

وقارنت في حديثي في إذاعة حياة إف إم بين انتصار رمضان سنة 1393 هـ، والهزيمة المذلة جداً في 5 يونيو سنة 1387هـ/1967م، وبينت للمستمعين أننا في تلك الهزيمة المذلة جداً كنا بعيدين جداً عن إسلامنا فأذلنا الله، وكنا مستمسكين بالقومية، والبعثية، والعروبة المنتنة بحبل قوي فقصمنا الله، أما في حرب رمضان فقد أقبلنا على الله شيئاً ما فأذاقنا الله شيئاً من لذة النصر، ولله الحمد والمنة، وأفضت في المقارنة بين حالنا في الحربين بما لا يسعني إيراده هاهنا، لكن له مكان آخر، إن شاء الله تعالى، وبينت أنه بعد الحرب ظهرت الصحوة الإسلامية بقوة، وهي التي ننعم بآثارها إلى الآن.

وقد شرفت بزيارة ثلة من العلماء والصالحين، كان منهم الأستاذ الكبير المستشار عبد الله العقيل في مكتبه، وصليت معه الجمعة، وأخذني إلى ثلة من أهل العلم والفضل، والأستاذ العقيل كنـز مخبوء لكنه متواضع فجزاه الله خيراً، وله فضل كبير في تأريخ أحوال أبطال الإسلام في العصر الحديث، وقد أورد من أخبارهم ما لم أجده عند غيره، وفقه الله.

وقد سررت بلقاء الشيخ الدكتور الزمِّيت عمر الأشقر، فقد كنت أرجو رؤيته منذ مدة طويلة، وقد حدثني بأمور كثيرة، ورأيت فيه حلماً وعلماً، ولمست منه إخلاصاً -أحسبه كذلك والله حسيبه- ولعلي أن أعود إلى ذكره في وقت آخر إن شاء الله تعالى.

ولا أنسى فضل الأستاذ عدنان حميدان الإعلامي الألمعي، والأستاذ الأحوذي، وهو صاحب البرنامج الصباحي المباشر في إذاعة حياة إف إم، وهو برنامج ذائع الصيت، يشارك في حل بعض مشكلات الناس، فقد ساعدني في عمان كثيراً ودأب في خدمتي فجزاه الله عني خيراً، ومما لا أنساه له أنه ذهب بي إلى جولة في ربوع الأردن مع المؤرخ البحاثة الأستاذ سعود أبو محفوظ، وأخذاني إلى موقعة اليرموك، وزرت قبر الصحابي الكبير معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وسلمت عليه السلام الشرعي، وفرحت بذلك، وأخذاني إلى قرب الحدود الفلسطينية فسررت وتألمت، سررت لرؤية الأرض المباركة وتمتعي بالنظر إلى ذلك التراب الطاهر، وتألمت لأنه في قبضة أعدائنا أحقر أهل الأرض، إخوان القردة كما وصفهم النبي [ في غزوة خيبر، أسأل الله أن يعيد لنا هذه الأرض المباركة الطاهرة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080