أيام في قازان /9
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
بعد نهاية اليوم الثاني للمؤتمر اجتمع حولي بعض الناس يريدون تطبيق بعض ما ذكرته من توصيات في حفل الافتتاح، فجاءني أحد رجال الأعمال وهو عضو في الغرفة التجارية التتارية، وطلب مني أن أساعد في تأسيس بعض الأوقاف في تتارستان وإقامة بعض المشاريع الاستثمارية التي تعود على أهل المنطقة بالخير، والحديث مع بعض رجال الأعمال في المملكة حول هذا الموضوع، فدللته على ما عرفته من شفاعات لكن هذه معضلة كبيرة، أعني عدم أو ضعف استثمار أغنياء المسلمين في بلاد المسلمين، وما الهزة الاقتصادية العظمى التي يعاني منا العالم اليوم بسبب الأزمة الأمريكية إلا واعظة ومذكرة لأغنياء المسلمين الذين ذهبت مليارات من أموالهم أدراج الرياح، فليرعووا وليعودوا إلى بلادهم الإسلامية الرؤوم، فالاستثمار فيها -بنية مساعدة المسلمين وإنعاش اقتصادهم- عبادة وقربة إلى الله تعالى، وتخلصٌ من الأسر الاقتصادي الغربي، فحتى متى أموال المسلمين تذهب لجيوب أعدائهم أو تُهدر وتضيع، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وإن ضعف استثمار المسلمين في البلاد الإسلامية الفقيرة والمحتاجة يؤدي إلى إجبار أهلها على الاستدانة من المصارف الربوية لإتمام بعض المشاريع التجارية والصناعية، أو الوقوع في براثن الغرب الجشع الذي يريد امتصاص خيرات الشعوب وتحطيم قدراتها وتهميش ثرواتها، وهذا التاجر الذي جاءني وعرض علي ما يطلبه عن مساعدة من المسلمين قد توجعت له ورحمته وذلك لأني أعلم أن استجابة رجال الأعمال في بلدي مع ما يريده ستكون ضعيفة أو لن تكون هناك حركة لتحقيق ما يطلبه، لكن ماذا أصنع وهذا هو الذي قُدر لي أن أقوله وأفعله، والله المستعان.
وجاءني ثانٍ من قبل الإدارة الدينية يريد بناء مسجد في أحد السجون لإرشاد السجناء، وهذا أمر مهم؛ إذ أن إصلاح السجين ليكون عضواً نافعاً في المجتمع من المهمات، وجاءني ثالث يريد منحة للدراسة في إحدى جامعات المملكة، ومثل هذا الطلب يكثر علي في رحلاتي؛ وذلك لأن كثيراً جداً من الشباب يتمنى أن يدرس في المملكة، وليس لي حيلة في هذا، إلا أن أقول له أرسل أوراقك وسأنظر من يستطيع مساعدتك وقبولك.
وجاءني رابع وخامس وسادس كلهم يريد ويطلب، ولهم في ذلك كل العذر فهم كالغريق الذي وجد خشبة لا تكاد تغني عنه شيئاً فتعلق بها، وهم يتوسمون فيّ خيراً لمساعدتهم لكن ليس بيدي حيلة في تحقيق أكثر ما يطلبونه، ومن تصدى للناس لابد أن يشاركهم همومهم وأتراحهم ولو بطلاقة الوجه والكلمة الحسنة.
لكن لا بد من القول أني قد حضرت اليومين الأولين من المؤتمر فقط، وفاتني حضور جلسات اليوم الثالث، الذي كان يوم سفري إلى بلادي، ففاتني جملة من البحوث، ربما فاتت المتابعين من القراء الكرام لكن هذه هي عناوينها، وحسبكم من القلادة ما أحاط بالعنق:
"اهتمام الجامعات السعودية بدراسة تترستان": د. عبدالله الغامدي الأستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
"دار الإفتاء والمدارس الدينية في تترستان": الشيخ رستم زينوروف، إمام وخطيب جامع قُل شريف.
ثم إنه من المقرر أن تعقد حلقة علمية نقاشية بعنوان "إمكانية تدريس الحضارة التترية في مناهج الجامعات العربية والإسلامية، وعن الوجود التترستاني في الإعلام الغربي".
ثم الجلسة الختامية والتوصيات، والله الموفق.
وفي ليلة مغادرتي إلى بلادي وقع في الفندق حادث لم أكن أتوقعه أبداً فقد نمت في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل واستيقظت على طرق شديد جداً على الباب قرابة الساعة الثالثة، فما التفت إليه في بداية الأمر وظننت أن الطارق ربما يكون من السكارى لكن لما اشتد الطرق وتعاظم فتحت الباب ووجدت من يقول لي إن الفندق يحترق فانزل سريعاً، وفي مثل هذه الأحوال لا يدري المرء ما الذي يأخذه في نزوله وما الذي يتركه؟ وهل سيحترق متاعه فيبقى بلا متاع، هذا ودرجة الحرارة منخفضة فقد كانت خمس درجات مئوية فقط، فأخذت حاسوبي المحمول وأوراق رحلتي، وجواز السفر، ونزلت في سلم طويل فقد كنت قاطناً في الطابق الثامن عشر، ولما كنت في بعض تلك الطوابق لذعني البرد فتذكرت أني لم آخذ معطفي فحرت هل أصعد من جديد أو أظل نازلاً، وذلك أني ظننت أنهم سيخرجون النـزلاء خارج الفندق، لكن رأيت أن أنـزل، فلله الحمد والمنة أبقونا في بهو الفندق الدافئ، ووجدت رجال الإطفاء قد ملأوا المكان، ونصبوا السلالم وصعدوا عليها ليكافحوا النار، وخرجت من الفندق أريد أن أرى هذه النار لكن مُنعت وطلب مني الدخول إلى بهو الفندق فدخلت ورضيت بالسلامة والدفء، وبقينا ثلاث ساعات في البهو حتى أطفئت النار، وكانت الساعات قد انقضت سراعاً بالحديث النافع مع مجموعة من علماء الترك وباحثيهم، فقد جرى ذكر السلطان سليم الأول الملقب بالقاطع: "ياوُوز" وذلك لصرامته وصلابته وإقدامه على الدماء، فقلت لهم إنه قاطع، ظالم -وهذا هو مااشتهر به- فقالوا لي: لا تقل هذا فإنه ما صنع ما صنع من غزوه مصر والشام إلا بعد تيقنه خطر الرافضة الصفويين وإرادتهم الشر بمصر والشام، وقالوا لي إنه لم يأت إلا بعد تسلمه وثيقة مكتوبة من علماء الشام يدعونه للمجيء وحماية البلاد من هذا الشر الهائل والحقد الدفين، وأن هذه الوثيقة باقية إلى اليوم، وأخبروني أنه كان صاحب دين وقراءة قرآن وتعبد، فندمت على تسرعي فقد كان مما ينبغي أن أصنعه هو التثبت والمراجعة قبل الخوض في سيرته، لكن المصادر العربية التي تحدثت عنه كانت بين مادح مفرط وقادح ذام لا يلوي على شيء، ولي في هذا بعض العذر، والله أعلم، لكني سأدرس سيرته بعمق لأخرج برأي بَيِّن عنه إن شاء الله، وهو قد مات ولم يبلغ الخمسين -فيما أذكر- وهو والد السلطان سليمان القانوني أعظم سلاطين بني عثمان -الذي حكم قرابة خمسين عاماً- وإن لم يكن أفضلهم، فأفضلهم -عندي- هو محمد الفاتح، كيف لا وقد مدحه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الإمام الذهبي: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير ذلك الأمير ولنعم الجيش ذلك الجيش" والله أعلم.
وأخذ بعض الباحثين يحدثني عن بعض الآثار المهمة في تركيا، وجاء غير هؤلاء وأطرفوني بأحاديث السمر وأخبار لطيفة، وكانت هذه مناسبة حسنة للقاء سائر الباحثين المجتمعين في البهو؛ إذ أني منذ وطئت أرض قازان وأنا في شغل شاغل عنهم، ومتنقل بين بحث أسمعه، وكتابة أصيد بها خواطري وأسجل بها مذكراتي، وبين مدرسة أزورها، أو جامعة مدعو لها، أو امرئٍ من أهل البلاد أقابله، وهكذا ...
ثم إني سألت عن سبب الحريق فقالوا لي إنه بسبب تماسٍ كهربائي في اللوحة المنصوبة على الفندق في منتصف طوابقه فاحترقت الأسلاك وسارت النار في عشرة طوابق لكن في ظاهرها وليس باطنها ولله الحمد، وتذكرت في ذلك الوقت جهنم أعاذنا الله منها، فإن كانت نار الدنيا التي تجد من يطفئها قد أخافت الناس إلى هذا الحد وأحدثت فيهم من الفوضى ما الله به عليم فكيف بنار الآخرة التي لا تجد من يطفئها، وهي قد فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا ولها شهيق وفوران، وتكاد تتقطع من غيظها على أهلها، ولا شافع يومئذ ولا متكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، فليت شعري كيف النجاة من ذلك اليوم، وكيف العمل، وقد قال تعالى موجباً على نفسه الشريفة: {وَإن مِّنكُمْ إلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوْاْ وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} فاللهم نجنا في ذلك اليوم العظيم، ولا ترينا النار إلا تحلّةَ القسم، واجعلنا من الفائزين بجناتك جنات النعيم، وارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، ولا تخزنا يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
ثم طلب القائمون على الفندق من الناس أن يصعدوا إلى غرف قد هيأوها لهم لكن الكهرباء ستظل مقطوعة، فرأيت وأنا صاعد إلى غرفتي بعد الفجر - والظلام ما زال مخيماً- رأيت في المصعد امرأة مسافرة قد غادرت غرفتها، فسألتها ما بك؟ فقالت: لا أستطيع البقاء في الغرفة في الظلام، وسأنزل إلى البهو، وأخبرتني أنها مصطربة جداً ومرتبكة بسبب الطرق الشديد الفجائي على الباب، فقد قالت: قد استيقظت فزعة في الظلام لأرى أربعة رجال من هيئة الإطفاء يأمرونني بالنـزول على عجل فارتبكت واضطربت، وما زال الارتباك والاضطراب مستوليين علي إلى الآن ولا أستطيع البقاء في الظلام الدامس، فتذكرت حكمة الشارع الحكيم في إلزام المرأة بالمحرم في السفر الطويل، فلو كان محرمها معها لما اضطربت هكذا أو لكان قد واساها وأذهب عنها الخوف والاضطراب، هذا وهي امرأة فاضلة جداً محجبة عرفتها في مؤتمرات سابقة وهي في أواخر الخمسينات من عمرها، بارك الله فيها ونفع بها.
هذا ولا يسعني في نهاية هذه الحلقات إلا أن أشكر الله تعالى العظيم الذي هيأ لي القدوم إلى هذا البلد الذي حرم المسلمون قروناً من زيارته، وعملاً بقول النبي الأعظم صاحب المقام الأفخم: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" موسوعة الأحاديث ↗ وهو حديث صحيح إن شاء الله تعالى، فأشكر لسعادة الدكتور الفاضل صالح بادحدح رفيقي في هذه الرحلة وفي رحلات كثيرة، وهو ممن أزعم أن الله تعالى قد نفع به كثيراً من عباده، وهو ممن أتوسم فيه الإخلاص -أحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً- أشكره لقيامه على المؤتمر وعنايته به، وأشكر سعادة الدكتور محمد حرب زناتي المنسق العام للمؤتمر وهو ممن بذل جهداً لإقامته عسى الله تعالى أن يثيبه عليه، وأشكر سعادة الدكتور اليمني الفاضل محمد العماري الذي ساعدني في كثير من الأمور وتعب كثيراً وهو رئيس المركز الثقافي العربي الذي ذكرته في بعض الحلقات السابقة، وأشكر المربي الفاضل والموجه التعليمي سعادة الأستاذ محمد محمود عبدالله المصري الذي كان له الفضل في تبصيري بأمور كثيرة، ودار معي في المدرسة المحمدية كما بينت سابقاً، وكذلك أشكر سعادة الدكتور الفاضل نور الدين الماحي المغربي الذي نشط في مساعدة الباحثين وتسهيل أمورهم، ومن أهل تلك البلاد لا أنسى الأخ الفاضل بولاد التتري الذي درس عندنا في الرياض في جامعة الإمام محمد بن سعود قرابة عشر سنوات وفي موريتانيا سنة، ولهذا فإنه يجيد العربية، هذا الأخ الفاضل قد بذل جهوداً في مساعدتي أدعو الله أن يثيبه عليها، وممن ساعد على إنجاح هذا المؤتمر فضيلة المفتي ومن ورائه الإدارة الدينية.
هذا وقد غادرت البلاد وفي حلقي غصة، وفي قلبي حسرة على أنني لم أوف الزيارة حقها؛ فقد كانت بضعة أيام تمنيت أن تطول، وإقامة يسيرة رجوت أنها لا تـزول، ففي قازان وتترستان والجمهوريات الإسلامية في روسيا مغاني ومعاهد، وأطلال دوارس وغير دوارس، وذكريات جليلة، وأعمال عظيمة تركها الأسلاف وديعة عند الأخلاف، ودار عليها الزمان دورة لا أجد في التعبير عنها أحسن من قول أبي البقاء الرندي راثياً الأندلس المفقود:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ فلا يُغَرّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتُها دُوَلٌ من سره عيشٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدنيا لا تُبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شانُ
والحمد لله أولاً وآخراً، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ولا أرى أن أختم هذه الحلقات قبل أن أورد أبيات أبي تمام الطائي:
مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قُصرها أيام
ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
بطاقة: حرفًا