أيام في ليبيا بعد الثورة “الأخيرة”.. زيارة درنة و البيضا وطرابلس القديمة
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
زرت “المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية” الذي أنشئ عام 1978م ويضم 150 ألف كتاب ودورية في تاريخ ليبيا وعشرة آلاف مخطوط وخمسة ملايين وثيقة.
المركز به محفوظات تتعلق بالحكومات التي حكمت ليبيا منذ القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي إلي زمن الثورة ضد الطاغية الهالك.
تجولت في طرابلس القديمة فصرت كأني جاوزت عتبة الزمن إلي الماضي الرائع فالمدينة القديمة وأزقتها الضيقة الملتوية وأسواقها المغطاه وبيوتها العتيقة تشعر المرء بعبق التاريخ.
حاضرت في درنة بمسجد الصحابة حول أهمية العناية بالمرأة وذلك لأنها في العهد البائد لم تكن تأتي المساجد ولم يكن هناك دروس تربوية
المنطقة الشرقية بليبيا جميلة وقد جمعت جمال البر وجمال البحر فكانت آية للناظرين ويمكن أن تصبح قبلة للسائحين المحبين للبلاد المحافظة
زرت »البيضاء» وهي مدينة جميلة على ساحل البحر وكانت فيها الجامعة الإسلامية التي أنشأها الملك « إدريس السنوسي» وفيها اليوم «كلية للدراسات الإسلامية« وقد دعاني عميداها الحالي والسابق لعقد حلقة نقاش في كيفية تحويلها لجامعة.
زرت مدينة درنة الليبية، وهي مدينة جميلة أنيقة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وجوانبها تكتنفها المروج، وهي مدينة تاريخية جليلة، كان لها الفضل الكبير في صد الحملة الفرنسية التي أرسلها »نابليون» نصرة ل »كليبر« القائد الفرنسي العام في مصر، وذلك بعدما خرج نابليون من مصر متجهًا لفرنسا، على إثر تدمير الإنجليز للأسطول الفرنسي ومحاصرتهم سواحل مصر، فلما وصل «نابليون« فرنسا كون حكومة سميت باسم حكومة القناصل الثلاثة، فأرسل أربعة آلاف عسكري بحرا لنصرة «كليبر» فلم تستطع أن تنزل الحملة إلا في درنة لتواصل مسيرها برا إلى مصر.
فلما رأى أهالي درنة الأعلام الفرنسية للحملة البحرية رفضوا رفضًا قاطعًا نزولها إلى البر الليبي، وحاول الفرنسيون إفهامهم أن الحملة لا يُقصد بها الليبيون إنما المراد بها المصريون، لكن محاولاتهم ذهبت أدراج الرياح لأنهم لم يعرفوا ولم يفهموا أن المسلمين جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وكان نتيجة ذلك الموقف الصلب لأهالي درنة أن غادرت الحملة تجر أذيال الخيبة والهوان، وكان من نتيجة ذلك الموقف الصلب -أيضًا- أن ضاقت الأحوال على الفرنسيين في القاهرة فخرجوا منها بعد حين ولله الحمد والمنة.
دعوة الخير
وفي درنة حاضرت في مسجد الصحابة محاضرة بالمعاني السابقة الذكر في الحلقات السابقة لكني أضفت إليها هاهنا أهمية العناية بالمرأة؛ وذلك لأن المرأة في العهد البائد لم تكن تأتي المساجد، ولم يكن في المساجد دروس تربوية، لكن بعد الثورة من المهم أن تعود المرأة إلى المساجد لتشهد دعوة الخير ولتثري من معرفتها بالشريعة والثقافة الإسلامية، ولقد سئلت عن مشاركة المرأة في الانتخابات القادمة فقلت: إنه ليس للمرأة أن تتولى رئاسة البلد وهذا قول جماهير علماء السلف والخلف ولكن يمكن أن تكون مرشحة، أي تشارك في الانتخابات، أما مشاركة المرأة في مجالس الشورى فليس في ذلك بأس إذا روعيت الضوابط الشرعية، أما مشاركة المرأة عضوًا في البرلمان فهذا أمر مرده إلى علماء البلد ومفكريه ومثقفيه ودعاته، فيجتمعون فيه على رأي سواء يكون موافقا للقواعد والضوابط الشرعية، وفي الوقت نفسه يكون مناسبا لأعراف البلد وأحوال أهله وسئلت عن القبور في المساجد فذكرت الحكم الشرعي في ذلك، فأصر بعض القوم على أن يروني القبور التي في باحة المسجد لأنظر هل هي موافقة للشرع أم لا؟ وذلك لأن مجموعة من الصحابة على رأسهم زهير بن قيس البلوي -رضي الله عنهم- قد دفنوا في ذلك المكان، وهناك صالحون وشهداء مدفونون أيضًا في ذلك المكان، فلما أوقفوني على قبور الصحابة -رضي الله عنهم- إذا هي بعيدة عن الحدود الشرعية للمسجد وأروني قبرا قرب قبلة المسجد فبينت لهم أنه خارج حدود المسجد، ومنحرف عن قبلته فلم يملكوا بعد ذلك البيان إلا الرضا بما قلت، وقد كانوا يتحرجون من الصلاة في ذلك الجامع، فاللهم لك الحمد.
مدينة جميلة
ثم بعد المحاضرة شددت الرحال إلى البيضاء، وهي مدينة لطيفة جميلة على ساحل البحر، وكانت فيها الجامعة الإسلامية التي أنشأها الملك »إدريس السنوسي» -يرحمه الله تعالى - وفيها اليوم «كلية للدراسات الإسلامية»، وقد دعاني عميداها الحالي والسابق لعقد حلقة نقاش في كيفية تحويل الكلية إلى جامعة، وما الخطوات التي ينبغي أن تخطى لتحقيق هذه المسألة، فلما جئتهم جمعوا لي أساتذة الكلية من الليبيين والمصريين، وكان فيهم أحد الأساتذة من الأردن من آل القضاة، فقلت لهم: إن أهم أمر لابد من تحقيقه في هذه الكلية بعد الثورة هو: كيف نجمع بين العلوم الشرعية والتربية القويمة، بحيث نخرج طلبة علم تجولت في طرابلس القديمة فصرت كأني جاوزت عتبة الزمن إلى الماضي الرائع فالمدينة القديمة وأزقتها الضيقة الملتوية وأسواقها المغطاة وبيوتها العتيقة تشعر المرء بعبق التاريخ المركز به محفوظات تتعلق بالحكومات التي حكمت ليبيا منذ القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي إلى زمن الثورة ضد الطاغية الهالك يجمعون بين العلم الشرعي الجيد والالتزام المتين بالإسلام، وذلك لأن علماء السوء جنوا جناية عظيمة على الأمة الإسلامية، وقد حان الوقت في زمن الربيع العربي المبارك لتغيير طرائق الدراسة الشرعية العقيمة -في الجملة، خاصة في بلاد الطغيان والاستبداد- وقد جرت مناقشات عديدة في جوانب كثيرة تناولت الربيع العربي، وطرائق كتابة الدستور الإسلامي المنشود، والدولة المدنية والدينية والديمقراطية والنظام السياسي الإسلامي، وأهل الحل والعقد إلى آخر ما أثير في تلك الجلسة من مناقشات عميقة ولطيفة، ثم توجهت إلى بنغازي.
آية للناظرين
وفي الطريق من درنة إلى البيضاء إلى بنغازي رأيت من محاسن صنع الله تعالى المتقن ما ينطق اللسان بالتسبيح، فالمنطقة الشرقية من ليبيا جميلة، وقد جمع جمال البر وجمال البحر، فكانا آية للناظرين ومتعة للسائرين، وتورث المرء شعورا باجتماع الجلال والجمال، فما أحسن هذا وما أجمله! والعجيب أن تلك المناطق الجميلة تكاد تخلو من البشر، وربما يعود ذلك إلى قلة عدد السكان في ليبيا جدًا بالنسبة إلى مساحتها الضخمة، ويمكن أن تصبح تلك المناطق قبلة للسائحين المحبين للبلاد المحافظة فليبيا ليس فيها أماكن للفحش والخمر فيها ممنوع، وأهلها من أقرب المسلمين للالتزام بالإسلام في الجملة.
وفي الطرق الليبية حواجز أمنية كثيرة كثرة لافتة للنظر، وذلك لأن الاستقرار لم يسد بعد في ليبيا، وبقايا النظام البائد البائس ما زالت منبثة في الشعب تخرج رؤوسها الكريهة بين الفينة والأخرى، ومن الطرائف أني لما حاضرت في الجامع الكبير في المرج كان بجواري عن اليمين والشمال ثلاثة من العسكر يحملون الرشاشات!! ولم يحصل لي هذا إلا في محاضرة في جامع بصعدة قبل بضع سنين، وشعور المرء أنه بين الرشاشات في المحاضرة شعور يجمع بين العجب والرهبة.
أخطار محدقة
فلما وصلت بنغازي قصدت مطارها عائدًا إلى طرابلس التي خطبت فيها الجمعة في جامع مولاي محمد، وكانت الخطبة مجموعة من النصائح استقيتها من جولتي أسبوعًا بليبيا، ووقوفي على بعض الأخطار التي تهدد استقرار ليبيا، وقد ذكرتها للقراء في ثنايا الحلقات السابقة.
وبعد الخطبة توجهت إلى بيت الدكتور محمد القدار، وهو شقيق مرافقي الذي نوهت به سابقًا الطبيب خالد، وكان لقاء جليلًا حضره مفتي الديار الليبية الشيخ الفاضل المجاهد الصادق الغرياني، ورئيس مجلس طرابلس المحلي الأستاذ عبد الرزاق أبو حجر، وجماعة كبيرة من أهل العلم والفضل، وفي المساء حاضرت في جامع مراد أغا.
ثم عقب المحاضرة عقد لقاء ثقافي في صالون للأخ الفاضل الأستاذ عمر جرانة وهذا اللقاء الثقافي سنة ثقافية جيدة يجتمع فيه ثلة من أهل العلم والفضل وهذا ما جرى في صالون الأستاذ؛ فقد اجتمع فيه جماعة من أهل العلم والفضل وعلى رأسهم الشيخ الدكتور حمزة أبو فارس وزير الأوقاف، وطلب مني الحديث فتحدثت عن الثقافة وعرفت بمعناها وذكرت أن الصالونات الثقافية بدأت في و مصر في بداية القرن الماضي، في صالون الملكة »نازلي»، وفي الشام على يد الشيخ طاهر الجزائري الذي له فضل كبير على مثقفي الشام وعلمائه آنذاك، وانتشرت هذه الصالونات بعد ذلك في العراق والحجاز وذكرت لهم أن أهم المهمات في ليبيا بعد الثورة، هو مسارعة الصالحين لأخذ زمام المبادرة في إنشاء مؤسسات ثقافية واتحاد ثقافي قبل أن يهجم على ذلك العلمانيون في ليبيا، كما صنع إخوانهم الذين يمدونهم - في الغيّ في البلاد العربية والإسلامية وقد عانت البلاد العربية كثيرًا من تسلط العلمانيين واللادينيين على الثقافة وتسنمهم ذراها زورًا، وادعائهم امتلاك مقاليدها بهتانًا، فجنوا على الشعوب جناية عظيمة وفعلوا بعقولها ما لم يفعله أعداء الإسلام من وخارج ديار الإسلام وإنا لله وإنا إليه راجعون ثم تكلم الشيخ حمزة أبو فارس - حفظه الله تعالى- بكلام حسن أكد فيه ما ذهبت إليه من عدم ترك الثقافة لأولئك المبطلين يتلاعبون بها كيف شاؤوا، ثم كان هناك حوار لطيف وأسئلة جيدة، واقتراحات حسنة، وختم اللقاء بأهمية إعادة كتابة تاريخ ليبيا في مدده كلها عامة، وتاريخها الحديث والمعاصر خاصة وضربت لهم أمثلة على ذلك.
زيارة مركز المحفوظات
وفي الصباح التالي -وكان يوم المغادرة- مررت بمركز الجهاد الليبي ضد الإيطاليين وقد غير اسمه إلى المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية وكنت قد اقتنيت بعض الكتب التي نشرها قديمًا من معرض الكتاب في القاهرة، فلما جئتهم على يد الشيخ قابلني مدير المركز الأستاذ الدكتور محمد ضل كبير على الطاهر الجراري مقابلة حسنة، وأهداني كتبًا، وبين لي أهمية المركز، وخلاصة ما وقفت عليه هو أن هذا المركز أنشئ سنة 1398 هـ / 1978م، وجمع المركز مائة وخمسين ألف كتاب ودورية في تاريخ ليبيا وعشرة آلاف شريط سجل فيها خمسة عشر ألف رواية للمجاهدين والشهود، ومائة ألف الذين يمدونهم صورة شمسية لتاريخ ليبيا قبل سنة 1389هـ / 1969م، وعشرة آلاف مخطوط، وخمسة ملايين وثيقة، والمركز فيه محفوظات تتعلق بالحكومات التي حكمت ليبيا منذ القرن مقاليدها العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي إلى زمن الثورة ضد الطاغية الهالك، وقد نشر المركز سبعمائة كتاب، وألقي فيه منذ إنشائه ألف وخمسمائة محاضرة، وفي المركز قاعة محاضرات ضخمة، وأقام المركز خمسين معرضًا تاريخيًا داخل ليبيا وخارجها، وأنشأ جائزة علمية باسم جائزة »ابن الأجدابي للوثائق والمخطوطات«، وعقد مئات الندوات واللقاءات المتعلقة بليبيا وتاريخها.
وقد اطلعت على وثيقة تعريفية بالمركز وقد ذكرت الوثيقة أن المركز حافظ على سياسة معتدلة زمن الطاغية الهالك، فقد عد زمن ولاية العثمانيين في ليبيا أنه حكم الدولة إسلامية، وليس استعمارًا ولا احتلالًا وهي أشبه بالدولة الأموية والعباسية. مواقف مشرفة
وذكرت الوثيقة أن للمركز موقفًا واضحًا من إيطاليا، وهو وجوب التعويض عن الخراب الذي لحق بليبيا في زمن احتلالهم للبلاد وقد شارك المركز -كما ذكرت الوثيقة- بالمطالبة الجادة للإيطاليين بالتعويض عن الجرائم التي ارتكبوها في ليبيا، وقد دفعت إيطاليا لـ«القذافي« الهالك مبلغ أربعة مليارات دولار تعويضًا عن جرائمها، ولا أرى هذا يفي بعشر معشار -أي واحد بالمائة- من التعويض.
وقد ذكرت الوثيقة أن السنوسية والملكية غيبتا جزئيًا في المركز لكنهما لم تشوّها أبدًا فيه، وقد نشر المركز في هذا الموضوع عشرة كتب، وعشرات المقالات وسجل خمسمائة شريط مسموعًا، واشترى أربعة آلاف وثيقة دفعة واحدة خاصة بالأسرة السنوسية، ونشر كتابًا مترجمًا »اسمه الليبيون والفرنسيون في تشاد»، وفي الكتاب شرح لشيء من أثر السنوسيين في ليبيا وأفريقيا، فجاء المركز أحد أزلام »القذافي» وطلب من القائمين عليه وقف توزيع الكتاب أو تعديله بما يتفق مع سياسات الطاغية الهالك، فاختار القائمون على المركز وقف التوزيع احترامًا و السياسة المركز.
و ثم بعد مكثي مدة في المركز، ودعني - مديره وداعًا حسنًا، ودعاني لإلقاء محاضرة في المركز فوعدته خيرًا.
زيارة طرابلس القديمة
وانطلق بي المرافقون إلى طرابلس القديمة، وعبرت السور فصرت كأني جاوزت عتبة الزمن إلى الماضي الرائع، فالمدينة القديمة وأزقتها الضيقة الملتوية، وأسواقها المغطاة، وبيوتها العتيقة، كل ذلك يلقي في و النفس معاني لا يملك المرء أن يعبر عنها، وتغديت في أحد المطاعم القديمة، وقد دفع ثمن الغداء الأخ في -الله تعالى- عبد المنعم حريشة الذي عرفته قديمًا في بريطانيا، ولقيته صدفة في السوق القديمة، فلما اجتمعنا تعانقنا فرحًا بلقائنا في طرابلس وقد كان هذا حلمًا من الأحلام زمن الطاغية المقبور.
ثم يممت وجهي إلى المطار حاملًا معي من الذكريات الشيء الكثير الذي لا ينسى إن شاء الله تعالى.
وإن أنس فلا أنسى الأخ في الله تعالى الطبيب خالد القدار صاحب الفضل علي بعد الله -تعالى- في دعوتي إلى ليبيا وقد رافقني في كل الأيام الثمانية، وجهد في سبيل راحتي فجزاه الله عني خيرًا وكذلك الأخ في الله عبد الغني بن زاهية والأخ عبد السلام الصفراني وهما كذلك ممن حرص على مرافقتي، والشكر موصول القرابتي هنالك، وهم عدد كبير أحاطوني بعواطفهم الدافقة على بعد تلك القرابة فقد انتقلت أسرتنا إلى المدينة قبل مائتي سنة تقريبًا، ولي في بقيع الغرقد ثمانية أجداد، رحمهم الله جميعًا.
ولقد وجدت في كل مدينة وبلدة مررت بها أو حططت فيها رحالي من صور المروءة والعاطفة الجليلة والاستقبال الحسن ما تمنيت معها أن تطول مدة إقامتي، وشعرت كأني بين أهلي وأحبابي، فاللهم لك الحمد والشكر.
بطاقة: حرفًا