تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

الأخوة الإيمانية

مدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

في كتب الرحلات سطرت صور جميلة للإخاء الإيماني تربو في أثرها على كل ما أنتجته قرائح البشر وأفكارهم، ونظمهم وقوانينهم وأحوالهم، ويتبين هذا في حوادث أصطفي منها اثنتين: واحدة جرت بين الدكتور محمد حسين هيكل رحمه الله تعالى عندما حج سنة 1935 وبين أحد الأوروبيين، وأخرى للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى.

أما الأولى فقد قال الدكتور محمد حسين هيكل رحمه الله تعالى واصفاً أثر الأخوة بين الحجاج في عرفة:

" وخرجت من قبتي أتعرف ما حولي، وأشهد صنيع الناس يومهم هذا وقد جاءوا إلى الله حاجّين مجردين، وإني لأتلفت يمنة ويسرة إذ وقع بصري على رجل لا شيء في سيماه يدل على أنه من أبناء الشرق، بل هو أدنى إلى أن يكون من أبناء الشمال في أوروبا بطول قامته النحيفة وببشرته البيضاء المشربة حمرة وعينيه الزرقاوين وشعره الأصفر، وأخبرني بعض أهل مكة ممن حوله أنه هولندي يقيم بجاوة، وأنه جاء يؤدي فريضته، ودلفت إليه وألقيت عليه التحية بالفرنسية، وتحدثت إليه بها، فدلتني لهجته على أنه ليس من أهل هذه اللغة وأن أغلب أمره أن يكون إنكليزياً، وسألته عن جنسيته فعملت أنه أيرلندي وأنه أسلم من سنوات خمس، وأنه جاء ليؤدي الفريضة، فأقام بجدة سبعة أسابيع حتى أيقن رجال الحكومة العربية من حسن إسلامه وسمحوا له بما يسمح للمسلمين دون غيرهم من دخول مكة ومن أداء فروض الحج ومناسكه.

واتصل بيني وبينه بالإنكليزية حديث طويل، ومع ذلك لم تطاوعني نفسي على سؤاله عن سبب إسلامه، وعلى رغم ذلك أخبرني أنه في إقامته بسرواك [ في ماليزيا اليوم ] بين المسلمين منذ أكثر من خمس عشرة سنة لم تطلب نفسه بما دون التعمق في درس حالهم الاجتماعية والأخلاقية، والبحث – بوصف كونه أيرلندياً – عن الأسباب التي أدت بهم إلى الخضوع لغيرهم، وكانت عقيدتهم الدينية بعض ما عُني بدراسته، ولم يلبث حين بدأ هذه الدراسة أن شعر بحافز قوي يحفزه للإمعان فيها ولقراءة ما كتب في اللغات المختلفة عنها وللتزيد من ذلك ولطول التفكير فيه، ولقد أخذت بساطة العقيدة الإسلامية بمجامع قلبه، ووصلت من تفكيره إلى أعماقه وجعلته يؤمن بحقيقة هذا الدين الذي نزل على النبي العربي وبحضارة الأخوة والإباء التي يدعو إليها.

ويؤمن بأن الحضارة التي تنشر أوروبا اليوم لواءها في العالم باسم العلم ليست من العلم في شيء، وإنما هي اللعنة التي صبها الله على العالم، فهذه الحضارة تتلخص عنده في إخراج الناس من بساطتهم الفطرية التي تكفل لهم سلامة التفكير وسمو الغاية، ليخضعوا لأهوائهم وشهواتهم المادية فتضعف نفوسهم ويذلّوا، وأية صلة بين سعادة الرجال أو المرأة وبين منسوجات (لانكشير) أو حرائر (ليون) أو عطور (باريس) أو ما إلى ذلك من موارد الزينة والترف، وهذه مع ذلك هي مظاهر الحضارة الأوروبية وهي السبب الحقيقي الذي تغزوا أوربا العالم من أجله، إنما الصلة الحقيقية بين هذه المنسوجات والحرائر والعطور وبين الأموال التي تريد أوربا استنزافها من الشعوب هي إقناعها كذباً بأن الحضارة في الرداء والترف والزينة.

أما الإسلام فيدعو إلى معنى هو أسمى المعاني، إلى نبذ كل عبودية لغير الله، وإلى الاستهانة بالموت في سبيل الله وإلى البر والتقوى وإلى الرحمة والمغفرة، وهو يدعو إلى ذلك كله في بساطة وقوة لا حاجة بهما إلى منسوجات أو حرائر أو عطور، ولو أن المسلمين أدركوا سر الإسلام إدراكاً عميقاً لهان عندهم ما يعرضه الغرب عليهم، ولما خضعوا لحكم الغرب ولا ذلوا لسلطانه، فدينهم يربأ بمن يؤمن به عن الخضوع لغير الله ويجعل الموت في سبيل التخلص من هذا الخضوع موتاً في سبيل الله يجزي صاحبه الجزاء الأوفى.

وأعجبت بحديث صاحبي أيما إعجاب، لأنه صادف موضع العقيدة مني، فسألته عما جاء به إلى الحجاز وعن رأيه في حكمة الحج، وكان جوابه على سؤالي كحديثه الأول حصافة ودقة، قال: إنما فرض الإسلام الحج ليُشهد المسلم الله على نفسه أمام ملأ إخوانه المؤمنين جميعاً أنه نبذ ما اختلط بحياته قبل الحج من ذنوب وأوزار، والله يغفر له ما صدق التوبة، ليُولد ميلاداً روحياً جديداً يكون بعده خيراً مما كان قبله من علم وبصيرة.

وخشينا أثر الشمس فصرنا نقصد مضاربنا، ولم نبتعد إلا خطوات وإذا صاحبي يدعوني أن أدخل معه إلى خيمته لنشرب فنجاناً من الشاي معاً فدخلت الخيمة معه، فألفيت بها سريرين جعلهما مضجع الليل ومتكأ النهار له ولزوجه، وزوجه امرأة مسلمة من أهل سرواك، عرفها وأحبها، فلما أسلم تزوجها وجاء بها تؤدي فريضة الحج معه.

وعدنا إلى حديث طويل تكلم أثناءه صاحبي عن المسلمين وعدم إدراكهم قوتهم العظيمة بسبب ما تخدعهم به مزاعم الغرب، فهؤلاء المسلمون يزيدون في آسيا وحدها على مائتي مليون، ولو أنهم أدركوا مبلغ قوتهم وأدركوا قيمة حياتهم الروحية وعظمتها لاستطاعوا تجديد نشاط الإنسانية لكنهم متروكون إلى جهالتهم ليسهل خداعهم واستغلالهم، قانعين لذلك بضعفهم وراضين عن هوانهم".

وأما الحادثة الثانية فقد قال الشيخ علي الطنطاوي مبيناً أهمية الأخوة الإيمانية وأثر الحج في تعميقها، وذلك في مقالته (من ذ كريات الحج)، وذلك بعد حجته الأولى بسنوات طويلة، فقال رحمه الله تعالى:

"ولقد كان في الفندق طائفة من صفوة الحجاج، أذكر منهم الأستاذ الشيخ مخلوف مفتي مصر الأسبق، والأستاذ الشيخ التبسي نائب رئيس جمعية العلماء في الجزائر، وشيخ الإسلام في تونس، والدكتور ظفر أنصاري من كبار القائمين بالعمل الإسلامي في باكستان، والسيد عبد الرشيد من رجال التبليغ في الهند، وممثل سيلان السياسي في باكستان، وعم ملك الأفغان، والقائد العام فيها، وحجاج من جنوب إفريقيا، وكان فيه البعثة العسكرية المصرية.

وكانت أيامنا في الفندق مجالس بحث ونظر في مسائل العلم، وفي أوضاع المسلمين، وفيما ينفع الناس، وطالت المناظرات بيني وبين هؤلاء العسكريين، فكان الحق يسكتهم في كل مرة، والمناظرات مع هؤلاء الذين يدعون الاجتهاد والمقدرة على الأخذ من الكتاب والسنة بلا معين، وهم لا يستطيعون أن يقرأوا ثلاثة أحاديث بلا لحن، أو يفهموا معناها بلا معجم، ولا بصر لهم بالأصول، وليس لهم ملكة الفقيه.

ولم يمر علينا يومان، حتى صرنا جميعاً، من جاء من الشرق، ومن قدم من الغرب، والعربي والهندي والأفغاني، صرنا إخواناً في أسرة واحدة، كأننا ما افترقنا من قبل أبداً، وهذا أثر الرابطة الإسلامية، وهي رابطة عجيبة، وهي أقوى من وشائج الدم واللغة والوطن، والمرء قد يخاصم أخاه ابن أمه وأبيه – هل في روابط الدم واللغة والوطن، أقرب مما بين الأخ وأخيه؟

إن المرء يخاصم أخاه الشقيق، إن لم يكن دينه من دينه، ومذهبه من مذهبه، فكيف بغيره؟

فقولوا هذا، لهؤلاء الببغاوات الذين لا يفتأون يرددون مقالة الأحمق الأول: (الدين لله والوطن للجميع) والذين يفضلون رابطة القومية واللسان على رابطة الإسلام".

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080