التنازع والتوازن في حياة المسلم
المبحث الثاني النوازع: ذكرها وبيانها
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
المبحث الثاني
النوازع: ذكرها وبيانها
21
النازع الأول: طلب العلم الشرعي:
هذا النازع قويّ متجذِّر في نفوس كثير من الملتزمين بالإسلام، وذلك لما ورد من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة وكلام أئمة السلف تنوِّه بطلب العلم وتذكر عظم أجره وفضله.
والعلماء العاملون سبب لهداية الناس، وهم الذين يجدّدون الدين وينقّونه ممّا عَلق به من البدع والمخالفات، ويصححون مفاهيم العامّة وآراءهم، وهم الذين يُستشفى بحديثهم ويتنزل نصر الله بسببهم.
وإذا علم الأخ المسلم فضل العلم والعلماء دعته نفسه ليكون منهم فيفوز بما فازوا به من الأجر والفضل، ولكنه
23
لا بد له أن يلتفت إلى جملة من التحذيرات والتنبيهات في هذا، وهي:
١ - لا يحسن به ولا يجمل أن يترك دراسته للفنون والصناعات - إن كان من المتخصصين فيها والدارسين لها - ليطلب العلم الشرعي الكفائيّ، فإن هذه الفنون والصِّناعات - من طب وهندسة وفيزياء وكيمياء وغيرها - سببٌ من أسباب سعادة الأمة وفوزها على أعدائها المتربصين بها، وترك المسلمين لها يزيدهم وهناً على وهن، وقد يصيب التاركَ لهذه الفنون - ممن تعينت عليه - إثمٌ؛ لأنها - اليوم - من فروض الكفاية ومن أصول الرِّيادة.
٢ - لم تكن للصناعات والفنون في عهد السلف هذه المنزلة التي لها يقوم، فلا يصح أن نقارن ما عليه السلف بما نحن عليه، فقوة الأمم - اليوم - تقاس بما هي عليه من التقدم التِّقَني والعلميّ.
٣ - كان السلف حريصين على هذه الفنون والصناعات - رغم بدائيتها في عصرهم- فكثير من علمائهم اشتُقت
24
ألقابهم من الصناعات التي يزاولونها، فهناك القفّال، والشاشيّ، والحدّاد، والزجّاج، والفرّاء، والخيّاط، والسرّاج، والحذّاء، وغيرهم من علماء السلف وأعلامهم.
٤ - قد عاب بعض السلف تضييع بعض الفنون والصناعات، فهذا الإمام الشافعي (١) يقول فيما نقله عنه الربيع (٢):
(( لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطبِّ إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه )) (٣).
وقال حَرْملة (٤):
(( كان الشافعي يتلهّف على ما ضيع المسلمون من الطب ويقول: ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى )) (٥).
يقول هذا في زمانه فكيف في زماننا؟!
٥ - قد سَهُل عند بعض السلف الجمع بين الصناعات والفنون وبين طلب العلم الشرعيّ، ولكنّا اليوم يصعب علينا بل قد يعسُر فعل هذا، فطلبك
(١) محمد بن إدريس الشافعي الإمام المشهور، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة. كان ذا ذكاء نادر، وصاحب لغة مستقيمة لم يؤثر عنه لحن قط. توفي رحمه الله تعالى سنة ٢٠٤.
(٢) الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المراديّ، أبو محمد المصريّ المؤذن، صاحب الإمام الشافعي، ثقة، مات سنة ٢٧٠ وله ست وتسعون سنة، رحمه الله تعالى. انظر (( التقريب )) :٢٠٦.
(٣) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٧٣٨.
(٤) أبو حفص حرملة بن يحيى بن عبد الله التُجيبيّ المصريّ الحافظ، صاحب الإمام الشافعيّ. ولد سنة ١٦٦ وتوفي ٢٤٣. وله بعض المصنفات. انظر (( الوافي بالوفيات )): ١١/ ٣٣٤.
(٥) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٧٣٨.
25
للعلم الشرعيّ من مظانّه يعني أنك لابد أن تلتحق بكلية من الكليات الشرعية أو تطلب العلم على شيخ، والأوّل صعب المنال إن كان الشخص مشغولاً بفنه وبصناعته، والثاني من أصعب الأمور؛ إذ هات لي شيخاً يصبر على تدريس الطالب أوّليات العلوم ومبادئها، ثم يتدرج معه حتى يكمل ويفقه، فالمشايخ- اليوم- يعتذرون لطالب العلم بالانشغال وعدم القدرة، وبين كثير منهم وبين الشباب فجوة سحيقة؛ إذ لا يوصل إليهم- غالباً - إلا بشق الأنفس، وإذا وصلت إليهم وجدت من الصِّعاب والعقبات عند الشيخ ما يفقدك الرغبة في طلب العلم عليه.
هذا ما حدا بكثير من الشباب إلى طلب العلم من الكتب والتفقه بغير شيخ، فظنوا أنهم قد علموا، والحقيقة أنه بينهم وبين العلم الصحيح المعتبر مفاوز؛ إذ هم من الفضلاء المطّلعين، ولا يصح وصفهم بأكثر من هذا.
فإذا فهمت الأمور الخمسة الماضية فاعلم أنك إن لم
26
تستطع تحصيل العلم الشرعيّ على الوجه المطلوب فقد يعوضك الله بفن وبصناعة تكفي بها الأمة الذل والهوان، وتكون ممن رُفع عند الله درجات أعلى وأعظم من كثير من العلماء المتقاعسين الذين لم يجمعوا بين العلم والعمل:
(( أين فينا من يساهم ابتداءً في العمل على رقي المسلمين وتحررهم ووحدتهم إسهاماً يجسد ما يريد الإسلام من أبنائه، أن يكونوا عُباداً بررة وصناعاً مهرة، رهباناً بليل وفرساناً بنهار، دعاة إلى إنارة القلوب بالذكر، وسعاة إلى إزالة الظُلمة والجوع والمرض والفقر بالتقدم، يريدهم أن يكونوا هم المتفوقين دوماً في كل علم وصنعة لا عالة على أهل البحوث والدراسات والصناعات، وهم المخترعين المبدعين المبتكرين في كل فن وميدان لا المستوردين المستهلكين دون تقصٍّ أو انتقاء لكل جديد مُبتدَع، وهم الذين يصنعون التاريخ لا الذين يقرؤون
27
أحداثه فحسب )) (١).
ومن الأمور التي يجب أن تُعرف أنه لا بد لمزاول صناعة أو مهنة أن يكون له إلمام بالأحكام الشرعيّة اللازمة لصناعته ومهنته وفنه، فالطبيب- مثلاً- عليه أن يعرف الحكم الشرعيّ في الاطلاع على عورة مرضاه، ومتى يجوز له ذلك ومتى يُحظر عليه، وحكمَ التشريح، وحكم الإجهاض إلخ ...
والإعلاميّ عليه أن يعرف ما الذي يحل له بثُه وإذاعته بين الناس وما لا يحل له، وما هي الضوابط الشرعية لبثّ ما يملك من معلومات وأخبار؟ ويجب أن يعرف أيضاً كيفية التثبت من الأخبار شرعاً حتّى يكون في مأمن من تشويش الناس وإقلاقهم أو تطمينهم وتهدئتهم بدون وجه حقٍّ كما يحصل - اليوم - كثيراً.
(١) (( الرائد )): ١٢ - ١٣.
28
وهذا الأمر ينسحب على أصحاب المهن الأخرى من صيدلية وهندسة وتجارة وصناعة إلخ ...
ومما هو معلوم أنه يجب على الشخص - أيّاً كانت صنعته - تعلم فروض العين وفروض الكفاية، ولا يعذر بجهل هذه الأمور، وكذلك يحسن به أن يعرف الضرورات والحاجيات والتحسينات حتى يستطيع فهم واقعه على ما هو عليه.
جوانب التوازن في طلب العلم الشرعي
ثم إن وفّق الله المسلم لطلب المزيد من العلم فعليه بالآتي ليتوازن في طلبه للعلم، فلا يطغى جانب على جانب:
29
أولاً: التوازن في طلب العلوم المختلفة وتفضيل بعضها على بعض:
يحتاج طالب العلم إلى النظر والتخير في العلوم ليعلم بأيها يبدأ، وأيها يؤخر.
قال الإمام يحيى بن عمّار السجستاني (١):
(( العلوم خمسة: علم هو حياة الدين وهو علم التوحيد، وعلم هو قوت الدين وهو العظة والذكر، وعلم هو دواء الدين وهو الفقه، وعلم هو داء الدين وهو أخبار ما وقع بين السلف، وعلم هو هلاك الدين وهو علم الكلام )) (٢).
وقيل للإمام مالك (٣):
(( ما تقول في طلب العلم؟ قال: حسن جميل، ولكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي فالزمه )) (٤).
وقد يحتاج طالب العلم أن يستشير غيره في هذه القضية المهمة، وعلى طالب التفصيل الرجوع إلى الكتب التي تتحدث عن طرق طلب العلم ومراتب العلوم (٥).
(١) الإمام المحدث الواعظ شيخ سجستان، ونزيل هراة. كان رأساً في التفسير وحسن الموعظة، فصيحاً مفوهاً. توفي سنة ٤٢٢ رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ١٧/ ٤٨١ - ٤٨٣.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ٣/ ١٢٣١.
(٣) أحد أئمة أهل السنة الأعلام، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة، مالك بن أنس الأصبحيّ. توفي بالمدينة ١٧٩ عن ٨٩ سنة رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ٨/ ٤٨ - ١٣٥.
(٤) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٦٢١.
(٥) من تلك الكتب: (( تذكرة السامع والمتكلم )) للشيخ ابن جماعة رحمه الله و (( تعليم المتعلم طرق التعلم )) لبرهان الدين الزَّرْنُوجي، و (( الحث على طلب العلم )) لأبي هلال العسكري، وغيرها.
30
ثانياً: التوازن بين طلب العلم وطلب ترقيق القلب:
وهذا من أهم المهمات، فقد حثّ عليه السلف كثيراً وحذروا من تركه والتفريط فيه؛ لأن الشخص حال انشغاله في طلب العلم قد ينسى هذا الأمر المهم.
فهذا محمد بن عبادة المعافري يحدث أنه وصحبه كانوا عند أبي شريح المعافري (١) رحمه الله (( فكثرت المسائل فقال: قد دَرنت (٢) قلوبكم، فقوموا إلى خالد ابن حميد المَهْري (٣) استقلُّوا (٤) قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق فإنّها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجرّ الصداقة، وأقلوا المسائل فإنها - في غير ما نزل - تقسي القلب، وتورث العداوة )) (٥).
وقال شعبة (٦)
(( إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وعن صلة الرحم، فهل أنتم منتهون )) (٧).
(١) الإمام القدوة الربانيّ، أبو شريح المعافريّ الإسكندرانيّ. العابد المتأله الزاهد توفي سنة ١٦٧ وكان من أبناء السبعين رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٧/ ١٨٢ - ١٨٤.
(٢) وَسخت.
(٣) الإسكندراني. لا بأس به. توفي سنة ١٦٧ رحمه الله تعالى. انظر (( التقريب )): ١٨٧.
(٤) استبدلوا.
(٥) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٧٩ - ٥٨٠.
(٦) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي- بالولاء-، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة، وكان عابداً، مات سنة ١٦٠. انظر (( التقريب )): ٢٦٦.
(٧) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٨١.
31
يعني أن كثرة طلب الحديث قد تؤدي إلى ما ذكره إذا لم يُجمع بينه وبين قراءة الرقائق والمرغبات والمزهِّدات.
وذُكر معروف الكَرخي عند الإمام أحمد، فقيل: قصير العلم، فقال: أمسك، وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف (١).
وذكر الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله أمر الموازنة بين العلم وطلب ترقيق القلب فقال:
(( تأملت العلم والميل إليه والتشاغل به فإذا هو يقوي القلب قوة يميل به إلى نوع قساوة، ولولا قوة القلب وطول الأمل لم يقع التشاغل به، فإني أكتب الحديث أرجو أن أرويه، وأبتدىء بالتصنيف أرجو أن أتمه، فإذا تأملت إلى باب المعاملات (٢) قلّ الأمل، ورقّ القلب، وجاءت الدموع، وطابت المناجاة، وغشيت السكينة ... إلا أن العلم
(١) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٧١٤.
(٢) أي المعاملات القلبية مع الله تبارك وتعالى.
32
أفضل، وأقوى حجة، وأعلى مرتبة، وإن حدث منه ما شكوت منه (١)، والمعاملة- وإن كثرت الفوائد التي أشرت إليها منها- فإنها قريبة إلى أحوال الجبان الكسلان الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره، وانفراد بعزلته عن اجتذاب الخلق إلى ربهم، فالصواب العكوف على العلم مع تلذيع (٢) النفس بأسباب المرقِّقات تلذيعاً لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم )) (٣).
وقول الإمام ابن الجوزيّ: (( فالصواب العكوف على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات ... )) يُعد من القواعد الجامعة المُثلى في هذا الباب.
والناظر اليوم لحال طلبة العلم يعرف أن أكثرهم قد قست قلوبهم وجمدت عيونهم، وانصرفوا عن الرقائق وطلب بعضهم الدنيا بعلمه؛ وذلك لأن القلب ليس متوجهاً إلى الله ولا اللسان بمخلص في دعواه، وهذا من عوامل تأخر النصر، وقلة التوفيق، وندرة البركة في الأعمار والأوقات، والله المستعان.
ثالثاً: التوازن بين طلب العلم وحقوق الأهل والأولاد:
إذ أن حب العلم للعلم أعظم من حب الناس للمال والنساء، وطالب العلم إن لم يوازن
(١) أي نوع من قسوة القلب.
(٢) اللذع: الإيلام والإحراق: (( ترتيب القاموس المحيط )): (ل د ع).
(٣) (( صيد الخاطر )): ١٤١.
33
بين الحقوق المختلفة يضعف عن إكمال مسيرته.
وقد يقول قائل: إن السلف كانوا يطلبون العلم ولا يفكرون في غيره من الأمور المذكورة، وأقول لمن يقول ذلك: هات نساء كنساء السلف، وهات معيشة كمعيشتهم، ثمّ يصح لك بعد ذلك قياسك.
وهاك أمثلةً توضح مدى انشغال طالب العلم به، فقد قال سفيان بن عيينة (١) رحمه الله تعالى:
(( لا تدخل هذه المحابر بيت رجل إلا أشقى أهله وولده )) (٢).
أي أشقاهم بكثرة انشغاله عنهم، وانشغاله عن طلب الرزق.
وسأل رحمه الله رجلاً: (( ما حرفتك ))؟
قال: طلب الحديث.
فقال له: (( بشِّر أهلك بالإفلاس )) (٣)
أي أنه لأجل حرفته هذه لن يطلب عملاً دنيوياً يُغني به أهله.
وقالت بنت أخت الزبير بن بكار (٤) لزوجه:
(( خالي خير رجل لأهل لا يتخذ ضَرَّة ولا سُرِّية (٥)، فقالت المرأة: والله
(١) الإمام سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، فقيه إمام حجة، توفي سنة ١٩٨ وله ٩١ سنة، انظر (( التقريب )): ٢٤٥.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٦٧١.
(٣) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٦٧١.
(٤) العلامة الحافظ، النسابة، قاضي مكة وعالمها، أبو عبد الله بكار بن عبد الله القرشي الأسدي الزبيدي. ولد سنة ١٧٢. وتوفي بمكة سنة ٢٥٦ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٢/ ٣١١ - ٣١٥.
(٥) أي الجارية المتخذة للتسري وهو الجماع.
34
هذه الكتب أشدّ عليّ من ثلاث ضرائر )) (١).
ونحن اليوم بين مُفْرط ومُفَرِّط، بين قابع في بيته لا يخرج بدعوى الحفاظ على حقوق الأهل والأولاد، وبين مضيع لهم لا يعرف لهم حقاً ولا واجباً، وقليل من التزم الجادة وأعطى كل ذي حق حقه، والطريقة المثلى في ذلك ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
رابعاً: التوازن بين طلب العلم وفعل التطوعات:
هذه مسألة مهمة طالما أرَّقت طالب العلم الجادَّ، حيث إنه يفضل طلب العلم على فعل التطوع، ويظل هذا الأمر يحوك في صدره زماناً طويلاً خاصة عند قراءة سير العابدين الزاهدين.
يقول الإمام الذهبي (٢) رحمه الله شارحاً المراد:
(( هذه مسألة مختلف فيها: هل طلب العلم أفضل أو صلاة النافلة والتلاوة والذكر؟
فأمّا من كان مخلصاً لله في طلب العلم وذهنه جيِّد، فالعلم أولى، ولكن مع حظٍّ من صلاة وتعبد، فإن رأيته مجداً في طلب العلم لا حظّ له في القربات، فهذا كسلان مهين، وليس هو بصادق في حسن نيته.
وأما من كان طلبه الحديثَ والفقه غيَّةً ومحبة نفسانيّة فالعبادة في حقّه أفضل، بل ما بينها أفعل تفضيل.
وهذا تقسيم في الجملة، فقَلّ - والله - من رأيته مخلصاً في طلب العلم )) (٣).
وقال في موضع آخر معلقاً على قول ابن المبارك (٤):
(( ما
(١) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٨٩٢.
(٢) محمد بن أحمد بن عثمان، الحافظ شمس الدين، أبو عبد الله التركمانيّ الذهبي محدّث العصر، ولد سنة ٦٧٣، واعتنى بطلب الحديث وارتحل من أجله منذ كان عمره ١٨ سنة، وألَّف مصنفات جامعة نافعة، وتوفي سنة ٧٤٨ بعد أن أضَر مدة يسيرة. انظر ترجمته في (( طبقات الشافعية الكبرى )): ٩/ ١٠٠ - ١٢٣، لكن ليُحذر من طعن السبكيّ في الطبقات على شيخه الذهبي فإنه لا يلتفت إليه، والله أعلم.
(٣) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٧٨.
(٤) عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه، عالم جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، مات سنة ١٨١ وله ٦٣ سنة. انظر (( التقريب )): ٣٢٠.
35
رأيت أحداً ارتفع مثل مالك ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة )).
فقال رحمه الله
(( ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به الله )) (١).
فحاصل كلام الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى هو وجوب التوازن بين العلم والعبادات التطوّعية لتحقيق الكمال المنشود، وإن كان - أي الذهبيّ - يفضل العلم على النوافل مثل كثير من السلف.
خامساً: التوازن بين طلب العلم الشرعي وبين طلب الثقافة الإسلامية والواقعية:
كثير من إخواننا الصالحين المعتكفين على العلم الشرعي قد قصروا أنفسهم عليه أو على جانب منه، ولم يتهموا بما يُثري ثقافتهم الإسلامية أو بمعرفة واقعهم
(١) المصدر السابق: ٢/ ٦٢١ - ٦٢٢.
36
الذي يعيشونه، فترى كثيراً منهم لا يفقهون أحوال إخوانهم المسلمين، ولا يهتمون بما آل إليه حال الأقليات، ولا يطّلعون على شبهات الكافرين والضالين ... إلخ.
وهذا الأمر - لا شك - عيب في العالم أو طالب العلم المتصدِّر لإرشاد الناس؛ إذ معرفة أحوال الناس أمر لا غنى عنه لفهم مشاكلهم والعمل على حلها.
والعجيب أن بعض الناس اليوم يستهزئ بأمر معرفة الواقع، ويعده من الفضول، بل علامة على خسارة الشخص المشتغل به، وهذا والله عجيب عجيب؛ إذ كيف يريدون أن يعيش الناس، ويواجهوا أعداءهم. أبجهل واقع الأعداء والغفلة عن شأنهم؟! نحن بحاجة ماسة لمعرفة الواقع العقدي، والفكري، والقافيّ، و (( الفني ))، والسياسيّ، والاقتصادي، والاجتماعيّ لكل الأمم المحيطة بنا ممن تتربص بنا الدوائر، وتعمل على حربنا بشتى الوسائل، وإن لم نفعل ذلك فنحن غارقون في الغفلة والسذاجة.
هذه بعض جوانب التوازن في طلب العلم التي لا مناص لطالب العلم من مراعاتها، حتى لا يضل الطريق السويّ أو ينقطع.
37
النازع الثاني: كثرة العبادة:
رغبة كل مسلم ملتزم بدينه أن يكون عظيم العبادة، كثير الأوراد متقرباً إلى بشتّى الطاعات حتى يفوز في الآخرة بالمنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة.
وأشد ما يكون شوقه إلى الإكثار من العبادة حين يقرأ أو يسمع أخبار السّلف وعبادتهم، فهذا سُهيل بن عمرو (١)
رضي الله عنه قد كان (( كثير الصلاة والصوم والصدقة، خرج بجماعته إلى الشام مجاهداً، ويقال إنه صام وتهجّد حتى شحب لونه وتغيّر، وكان كثير البكاء
(١) خطيب قريش وفصيحها وشريفها. أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه. وكان سمحاً جواداً. قام بمكة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحو من خطبة الصديق بالمدينة فسكنهم وعظّم الإسلام.
وكان كثير الصلاة والصيام والصدقة. واستشهد يوم اليرموك رضي الله عنه انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١/ ١٩٤ - ١٩٥.
39
إذا سمع القرآن )) (١).
وهذا أنس بن عياض (٢) يحدث أنه رأى صفوان بن سليم (٣) - أحد أئمة التابعين - (( لو قيل له: (( إذا القيامة )) ما كان عنده مزيد على ماهو عليه من العبادة )) (٤).
وهذا هنّاد بن السَّري (٥) يحدث عنه أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ (٦) بأنه كان (( كثير البكاء، فرغ يوماً من القراءة لنا، فتوضأ وجاء إلى المسجد فصلى إلى الزّوال، وأنا معه في المسجد، ثم رجع إلى منزله، فتوضأ وجاء فصلى بنا الظهر، وأخذ يقرأ في المصحف حتى صلّى المغرب، فقلت لبعض جيرانه: ما أصبره على العبادة، فقال: هذه عبادته بالناهار منذ سبعين سنة، فكيف لو رأيت عبادته بالليل )) (٧).
(١) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٣٤ - ٣٥.
(٢) أنس بن عياض بن ضمرة، أبو عبد الرحمن الليثي المديني. ثقة توفي سنة مائتين وله ستة وتسعون سنة: (( التقريب )): ١١٥.
(٣) الإمام الثقة الحافظ الفقيه، أبو عبد الله الزهري المدني مولى محمد بن عبد الرحمن بن عوف، كان قد بلغ في العبادة مبلغاً عظيماً، وكان من الصالحين الثقات. توفي سنة ١٣٢ وقد عاش ٧٢ سنة، وانظر (( سير أعلام النبلاء )): ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٩.
(٤) المصدر السابق: ١/ ٤٩٨.
(٥) الإمام الحجة القدوة، زين العابدين، أبو السَرِيّ التميمي الدارمي الكوفي. ولد سنة ١٥٢. وكان كثير البكاء، طويل التعبد. توفي سنة ٢٤٣ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١١/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٦) الحافظ الحجة المأمون، رفيق الإمام مسلم في رحلته. روى وجمع وصنف توفي رحمه الله تعالى سنة ٢٨٦. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٣/ ٣٧٣.
(٧) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٨٤٧ - ٨٤٨.
40
هذه بعض الأمثلة من عبادة السلف، إذ لو أكثرتُ لأتيت بالعجب العُجاب، فهذه الأخبار وغيرها يقرأها المسلم أو يسمعها يتفطر قلبه، ويتمنّى أن ول عبد الله مثلهم، ولكنه يصدم بواقعه، فهو يعمل من الصباح الباكر حتى العصر، هذا إن كان ممن اقتصر على عمل واحد، فكيف بمن يعمل مرتين في اليوم - صباحاً ومساءً - ثم إنه عندما يعود إلى منزله إمّا أن يخلد إلى الرّاحة أو يقضي حوائجه وحوائج أهله، ثم قد ينظر في بعض أموره، فينتهي يومه وهو في عمل متصل، حتى إذا جاء المساء احتاج لقضاء بعض الوقت في الدعوة أو في شأن آخر، ثم يخلد إلى الراحة ليستيقظ فجراً، وهكذا دَوَاليك، فماذا يصنع وكيف يصل إلى ما وصل إليه القوم؟
لبيان ذلك لابد م توضيح الآتي حتى لا يصاب
41
الشخص بإحباط، أو يكذب هذه الأخبار فيرتكب ما لا يسوغ:
١ - لم يكن السلف يعملون أغلب أوقات نهارهم كما نفعل الآن، بل كان أحدهم إذا كسب ما يقوته اكتفى به، فهذا الآن، بل كان أحدهم إذا كسب ما يقوته اكتفى به، فهذا عتبة الغلام (١) - من نسّاك أهل البصرة - (( كان رأس ماله فلساً يشتري به خُوصاً يعمله ويبيعه بثلاثة فلوس، فيتصدق بفلس، ويتعشى بفلس، وفلس رأس ماله )) (٢).
هذا شيخ الإسلام حماد بن سلمة (٣) إذا ربح في ثوب حبة أو حبيتين لم يبع شيئاً (٤).
فهذه الصورة لكسب الرزق لم تعُد سائغة اليوم،
(١) عتبة بن أبان البصريّ. الزاهد الخاشع، كان ورعاً زاهداً عابداً. قاتل الروم فاستشهد رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٧/ ٦٢ - ٦٣.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٦٤.
(٣) الإمام القدوة شيخ الإسلام، أبو سلمة البصري النحويّ البزاز مولى آل ربيعة بن مالك. كان إماماً في الحديث العربية، فقيهاً فصيحاً، رأساً في السنة، صاحب تصانيف، عابداً كثير التعبد. توفي سنة ١٦٧ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٧/ ٤٤٤ - ٤٥٦.
(٤) المصدر السابق: ١/ ٦٠٣. والمقصود بالحبة وزن حبة من شعير ونحوه ذهباً أو فضة.
42
ولا هي مطلوبة - أيضاً - في زماننا هذا الذي نريد الإمساك بزمام الأمر فيه.
٢ - كانت عندهم بركة في الوقت تكاد تكون معدومة في عصرنا، وما ذاك - والله أعلم - إلا بإخلاصهم وكثرة تحريهم للحلال.
٣ - لم تكن الحياة بنحو هذا العسر الذي نعيشه الآن، فالأماكن كانت متقاربة، والعيش سهل، ولكن انظر إذا تعطلت سيارة الشخص مثلاً كيف يعسر عيشه، أو إذا خرب شيء في منزله فكيف يتنغص ويمكث أيّاماً من أجل إصلاحه، وهكذا ...
٤ - لم تكن هناك كثير من الأمور المزعجة لنا الآن، أذ هاجس الشخص الملتزم - اليوم - هو تربية أولاده فيحتاج إلى مراعاتهم وقضاء كثير من الوقت في إصلاحهم، بينما لم يكن ذلك كذلك عند السلف، وذلك لنقاء حياتهم وصفائها وخلوّها من كثير من أسباب الفساد الكائنة
43
في هذا العصر.
وهاجس آخر - كذلك - هو توفير أسباب العيش الكريم له ولأهله؛ فقد ضافت أرزاق كثير من الناس في كثير من البلاد على وجه لم يكن معروفاً عند سلفنا، وكذلك كانوا يقنعون بالرزق اليسير ممّا لا يقنع أبناء العصر بأضعافه.
وهاجس آخر، وهو أن الشخص الملتزم في كثير من ديار المسلمين أصبح يفكر كيف يتخفى بإسلامه ودينه عن أعين الغادرين والمتربصين.
والهواجس المزعجات أكثر من أن تُحصر في عصرنا.
٥ - تغير نمط الحياة بحيث صار الشخص - إلا من رحم الله - يفكر في مستقبله ووظيفته وماله، وكذا مستقبل أولاده ووظائفهم وأموالهم، ويسعى لهذه الأمور الثلاثة سعياً عظيماً يكاد يغلب كلَّ سعي آخر.
٦ - سَعْيُ الشخص المسلم - في كثير من ديار
44
الإسلام - لإقامة دولة الإسلام قد اقتطع كثيراً من وقته، ولم يعد هناك الوقت الكافي لأن يكثر من العبادة، بخلاق أكثر السلف فإنهم كانوا يعيشون في ظل دولة خلافة إسلامية عزيزة مرهوبة الجانب، قد كفتهم - في أكثر الأحيان - هذه المؤونة.
جوانب التوازن في التعبد
إذا عرفنا هذا كله فماذا نصنع لكي نحقق التوازن بين العبادة البدنية وغيرها من العبادات المطلوبة من المسلم كالدعوة، والتعلم، وصلة الرحم، إلخ ... ؟
هذه بعض الجوانب المساعدة على هذا - في ظني - والله أعلم:
أولاً: الأولوية إقامة الفرائض:
لابد للشخص المسلم من إقامة الفرائض كاملة غير منقوصة، ولا يُعذر في ترك شيء منها إلا فيما يعذره
45
فيه الشرع، ثم بعد ذلك يأتي بأنواع من الطاعات حسب قدرته وفراغه.
ثانياً: فعل بعض التطوعات أمر لازم لطالب الدرجات العلى:
لا محيص للمسلم - إذا أراد الدرجات العُلى - من فعل بعض الطاعات البدنية التطوعية بقدر ما يسعفه الزمان؛ لأن كثيراً من الناس يُعلل نفسه بأنه يدعوا إلى الله، أو أنه يتعلم العلم، فلا وقت عنده لصلاة تطوع، ولا قدرة عنده على صيام نافلة، فهذا يُساق له قول الفُضيل بن عياض (١) رحمه الله تعالى:
(( إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم، كبّلتك خطيئتك )) (٢).
ثالثاً: العزيمة القوية:
لابد للشخص من العزيمة القوية حتى يستطيع فعل بعض الطاعات، فهذا أبو مسلم الخولاني (٣)
(١) الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خرسان وسكن مكة، ثقة، عابد إمام، مات سنة سبع وثمانين ومائة. انظر (( التقريب )): ٤٤٨.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٦٦٥.
(٣) عبد الله بن ثُوَب الدارانيّ الخولانيّ، سيد التابعين وزاهد العصر، توفي بداريا في الشام سنة ٦٢، وله أخبار جميلة انظرها في (( سير أعلام النبلاء )): ٤/ ٧ - ١٤.
46
إذا فَتَر في العبادة ضرب ساقه سوطاً أو سوطين (١)، وأما التراخي والتعلّل فلا يورث إلا حرماناً من القُربُات، وقد يعتبر عن العزيمة بالهمة، والحق أن العزيمة فرع عن الهمة، فمن ارتفعت همته صحت عزيمته، والعكس صحيح، والله أعلم.
رابعاً: إقامة الحقوق الأخرى:
لابد من إقامة الحقوق الأخرى قبل القيام بالعبادات التطوعية، وأعني بها حقوق الزوج والأولاد وما يماثلها مما يتعلق بذمّة الشخص، فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه
(( كنت تاجراً قبل المبعث، فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فتركت التجارة ولزمت البعادة )).
فقال الذهبي معلقاً على هذا:
(( قلت: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة من السلف، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع كالصَّديق وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك،
(١) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٣١٨ - ٣١٩.
47
وبعضهم يعجز ويقتصر على البعادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز وبالعكس، وكل سائغ، ولكن لا بد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال )) (١).
وأخرج الإمام البخاري رحمه الله بسنده عن عون بن أبي جُحيفة (٢) عن أبيه (٣) (( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخى بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى الدرداء مُتبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلمّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي
(١) المصدر السابق: ١/ ١٥٧.
(٢) السُوائي الكوفي ثقة. توفي سنة ١١٦ رحمه الله تعالى. انظر (( التقريب )): ٤٣٣.
(٣) وهب بن عبد الله السُوائي، مشهور بكنيته، ويقال له وهب الخير. صحابي معروف رضي الله عنه، مات سنة ٧٤: المصدر السابق: ٥٨٥.
48
حقٍّ حقّه، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم صدق سلمان )) (١).
خامساً: الشمولية في العبادة:
لا بد من الجمع بين التطوعات المختلفة، فلا يصلح الاقتصار على العبادات البدنية فقط، بل هناك عبادات أخرى يحسن الإتيان بها: فالدعوة، والتعلم، والأمور بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصلة الرحم كلها من الأمور المهمة، بل قد تكون أهمَّ من العبادات التطوعية البدنية، وذلك - والله أعلم - لأن تلك نفعها متعدٍّ والعبادة البدنية نفعها ذاتي قاصر على العابد.
وهذا من ميزات دين الإسلام الذي جعل كل حركة يتحركها المسلم عبادةً إذا صلحت نيته وأتى بالعمل على قواعد الإسلام وأحكامه، والناظر للأديان والمذاهب لا يجد مثل هذه الميزة أبداً.
(١) أخرجه الإمام البخاري في كتاب الصيام: باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع.
49
النازع الثالث: الدعوة إلى الله تعالى:
هذا مطلب لكثير من الملتزمين، وهو تأدية لحق العلم بالدعوة إلى الله تعالى، وهو أمر واجب في هذا العصر الذي ضلّ فيه كثير من الناس، واتّبعوا أهواءهم وشهواتهم، ونكصوا على أعقابهم، ونكثوا البيعة مع الله تبارك وتعالى.
وللدعوة (شروطها، ووسائلها، ومقوماتها، وآدابها) رسائلُ كثيرة، ولكن الذي هو مطلوب البحث ذكر بعض الأمور التي يتم بها للداعية أمر دعوته من حيث التوازن والاعتدال.
جوانب التوازن في الدعوة
أولاً: التوازن بين الدعوة وأداء القربات:
حال خوض الداعية غمار الدعوة لا ينسى أن يوازن بين التقرب إلى الله بأداء بعض العبادات البدنية
51
وبين الدعوة كما كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل؛ وذلك لأن الدعوة بدون قُرَب جفاف، والقُرَب بدون دعوة تضييع، والجمع بينهما حال الأنبياء والرسل.
قال التابعي معاوية بن قُرّة (١):
(( من يدلني على رجل بكّاء بالليل بسام بالنهار )) (٢).
فهو يبكي بين يدي الله تبارك وتعالى حال قيام الليل، ويضحك في وجوه الناس في النهار تألُّفاً وتحبُّباً.
وقد سُئل أبو أسامة عن الإمامين الكبيرين الفُضَيْل بن عياض وأبي إسحاق الفزاري (٣) فأجاب بما يصلح إيراده هاهنا، إذ قال:
(( كان فضيلٌ رجل نفسه، وكان أبو إسحاق رجل عامّة )) (٤).
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني (٥) رحمه الله
(( أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري كما كنت
(١) الإمام العالم الثبت، أبو إياس المزني البصري والد القاضي إياس. أدرك سبعين من الصحابة رضي الله عنه وله كلام حسن. توفي سنة ١١٣ وهو ابن ٧٦ سنة. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٥/ ١٥٣ - ١٥٥.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٤٨٢.
(٣) الإمام الكبير، الحافظ المجاهد إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاريّ الشامي. كان من أئمة الحديث، صالحاً، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر. مات سنة ١٨٦ عن ثمانين سنة تقريباً. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٨/ ٥٣٩ - ٥٤٣.
(٤) المصدر السابق: ٢/ ٦٧٩.
(٥) الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة، محي الدين أبو محمد عبد القادر بن عبد الله بن جنكي دوست الجيلي الحنبلي، شيخ بغداد، ولد بـ (( جيلان )) سنة ٤٧١، وتوفي ببغداد سنة ٥٦١. انظر (( نزعة الفضلاء )): ٣/ ١٥٧٣ - ١٥٧٦.
52
في الأول لا أرى الخلق ولا يروني، ثم قال: أراد الله مني منفعة الخلق، فقد أسلم على يديّ أكثر من خمسمائة، وتاب على يدي أكثر من مئة ألف، وهذا خير كثير )) (١).
ثانياً: عدم الانجراف مع الناس حال دعوتهم:
ولست أقصد أن ينجرف معهم في معاصيهم؛ لأن هذا خارج موضوع البحث، ولكني أقصد ألا ينجرف - حال دعوة الناس - إلى أن يكثر الهَذَر معهم، ويسترسل في اللغو والمزاح فيفقد تأثيره وبريقه، فلا يُقبل بعد ذلك غالب كلامه، ولله در الشاطبي (٢) رحمه الله حيث قال:
هو المجتبي (٣) يغدو على الناس كلهم ... قريباً غريباً مستمالاً مؤمّلاً
(١) (( نزهة الفضلاء )): ٣/ ١٤٤٧.
(٢) الشيخ الإمام، العالم العامل، القدوة، سيد القراء، أبو محمد، وأبو القاسم، القاسم بن فيرُّه بن خلف بن أحمد الرُّعينيُّ، الأندلسي الشاطبي، الضرير، ناظم (( الشاطبية )). ولد سنة ٥٣٨، وكان يتوقد ذكاء، له الباع الأطول في فن القراءات والتقوى والتألُّه والوقار. استوطن مصر، وتصدر، وشاع ذكره، وتفي سنة ٥٩٠ رحمه الله تعالى. انظر: (( سير أعلام النبلاء )): ٢١/ ٢٦١ - ٢٦٤.
(٣) المختار: (( ترتيب القاموس )): (ج ب ي)
53
نعم هو قريب منهم بدعوته وغريب عنهم حال هذرهم ولغوهم.
قال الإمام ابن القيم (١) رحمه الله تعالى:
(( فأما ما تؤثره كثرة الخلطة فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يَسْود، ويوجب له تشتتاً وتفرقاً، وهمّاً وغمّاً وضعفاً، وحملاً لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى من لله والدار الآخرة؟
هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلّت من رزية، وأوقعت في بلية؟ وهل آفة الناس إلا الناس، وهل كان على أبي طالب - عند الوفاء - أضر من قرناء السوء؟ لم يزالوابه حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد ...
والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات ...
فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسلّ قلبه من بينهم كسلّ الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضراً غائباً، قريباً بعيداً، نائماً يقظاً، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه؛ لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فبين العبد وبينه (٢) أن يصدق الله تبارك وتعالى، ويديم اللّجَأ إليه، ويلقي نفسه على بابه طريحاً ذليلاً، ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان، ولا يُنال هذا إلا بعدة صالحة، ومادة قوة من الله عز وجل، وعزيمة صادقة، وفراغ من التعلق بغير الله تعالى )) (٣).
ولله در الشافعيّ حيث يرشد تلميذه يونس بن عبد الأعلى (٤) فيقول:
(( يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقُرناء السُوء، فكن بين المنقبض والمنبسط )) (٥).
وهذا وَهْب بن مُنَبِّه (٦) رحمه الله قد جاءه رجل فقال:
(( قد حدثت نفسي أن لا أخالط النّاس، قال: لا تفعل، إنه لابدّ لك من النّاس ولا بد لهم منك، ولهم إليك حوائج ولك نحوها، ولكن كن فيهم أصمّ سميعاً، أعمى بصيراً، سكوتاً نطوقاً )) (٧).
ثالثاً: الإقلال من مخالطة المدعوِّين إلا لغرض صحيح:
وهذا لأن الداعية قد يلتبس عليه الأمر فيخالط
(١) الإمام المشهور محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُرَعي الدمشقي، شمس الدين الحنبليّ، ولد سنة ٦٩١ وتوفي سنة ٧٥١، وكان واسع العلم، عارفاً بالخلاف ومذاهب السلف. انظر (( الدرر الكامنة )): ٤/ ٢١ - ٢٣.
(٢) أي بينه وبين أن يحصل على تلك الحالة مخالطته للناس.
(٣) (( تهذيب مدارج السالكين )): ٢٤٥ - ٢٤٦، بتصرف يسير.
(٤) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٧٤١.
(٥) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٧٤١.
(٦) الإمام العلامة، الأخباريّ القصصي، أبو عبد الله اليماني الذماري الصنعانيّ. ولد سنة ٣٤. وكان غزير العلم بالإسرائيليات. كان عابداً حليماً زاهداً وله كلام حسن. توفي سنة ١١٤ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٤/ ٥٤٤ - ٥٥٧.
(٧) انظر (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٤٤٢.
54
المدعوّين لسبب وبدون سبب، ويكثر من زيارتهم كثرة تفضي به إلى أن تكون زيارته عادة وليست عبادة، فيضيع الغرض الصحيح الأوّل من الزيارة، نعم كثرة الزيارة لغرض صحيح أو لإصلاح مدروس أمرٌ لا غبار عليه بل هو من المندوبات.
قال الحميدي (١) رحمه الله
لقاء الناس يفيد شيئاً ... سوى الهَذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال
رابعاً: الإقلال من مخالطة الدعاة إلا لغرض صحيح:
قد يعتاد الداعية زيارة إخوانه الدعاة كثيراً فيضيع وقته وأوقاتهم، ويأخذ من وقت المدعوِّين بدون حق، فيجب على الداعية ألا يكثر من زيارة إخوانه الدعاة إلا لغرض صحيح من تنسيق في أعمال الخير، أو تخطيط
(١) الإمام الكبير شيخ الإمام البخاري، عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحُميدي المكي، أبو بكر، توفي بمكة سنة ٢١٩ رحمه الله تعالى. انظر (( التقريب )): ٣٠٣.
55
لغزو بعض القلوب الصَّدئة ونحو ذلك.
ويحسن بالدعاة ألا يتأثروا من قلة زيارة إخوانهم لهم؛ إذ المعيار هو الأخوّة وتقارب القلوب، وليس الدليل على المحبة كثرة الزيارة، فقد جاء يوسف القاضي (١) إلى الإمام إبراهيم الحربي (٢) فقال له:
يا أبا إسحاق، لو جئناك على مقدار واجب حقِّك لكانت أوقاتنا كلها عندك. فقال:
(( ليس كل غيبة جفوة، ولا كل لقاء مودة، وإنما هو تقارب القلوب )) (٣).
خامساً: التوازن في الحرص على الناس:
بعض الدعاة بسبب كثرة مخالطته للناس ومعرفته بمشاكلهم قد يضعف شعوره بمشاكلهم وتجاوبه معها، وبعض الدعاة على العكس من ذلك يكاد يتمزق كلما سمع مشكلة أو رأى منكراً، والمطلوب التوازن.
(١) لعله يوسف بن يعقوب بن إسماعيل، الإمام الحافظ المتوفى سنة ٢٩٧ كما في (( سير أعلام النبلاء )): ١٤/ ٨٦.
(٢) الشيخ الإمام، الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم البغدادي الحربي، صاحب التصانيف، ولد سنة ١٩٨. كان إماماً في العلم، رأساً في الزهد، عارفاً بالفقه، بصيراً بالأحكام، حافظاً للحديث، مميزاً للعلة، صنف كتباً كثيرة، توفي سنة ٢٥٨ رحمه الله تعالى.= انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٣/ ٣٥٦.
(٣) المصدر السابق: ٢/ ٩٨٢.
56
فقد حث الله سبحانه وتعالى رسوله الأعظم - صلى الله عليه وسلم - على ألا يهلك نفسه حسرة على قومه فقال:
(( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين*) (١).
وقال سبحانه:
(( فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً* )) (٢).
والبَخْع: الهلاك.
ولكنه قد غلب الناس في هذه الأزمنة تبلد شعورهم بمشاكل المسلمين، فيا حبّذا أن يتوازن هذا الأمر في الداعية، فلا يتأثر تأثراً يفضي به إلى عدم القدرة على العمل وإلى الإحباط واليأس، ولا يضعف هذا الشعور في نفسه فيتبلد حسه.
كان أويس القَرَنيّ (٣) (( إذا أمسى تصدّق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب، ثمّ قال: اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عُرياً فلا تؤاخذني به )) (٤).
(١) سورة الشعراء: [٣].
(٢) سورة الكهف: [٦].
(٣) القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، المرادي اليماني. من أولياء الله المتقين وعباده المخلصين. أثنى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث صحيحه. وانظر (( سير أعلام النبلاء )): ٤/ ١٩ - ٣٣.
(٤) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٣٢٤.
57
وهذا الزاهد أبو عثمان الحيري (١) (( طلب في مجلسه مالاً لبعض الثُّغور فتأخر، فتألّم وبكى على رؤوس النّاس فجاءه ابن نُجيْد (٢) بألفي درهم فدعا له )) (٣).
سادساً: التوازن بين كره التصدي والشهرة وبين وجوب قيادة الناس:
الداعية يكره التصدر والشهرة بطبعه لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكن ماذا يفعل إن تعينّ عليه نصح الجمهور وإرشادهم للحق، فإنه لا ينبغي له الفرار من الميدان بدعوى كراهية الشهرة والتصدر، كما أنه لا ينبغي له طلب الشهرة وإرادة التصدر لئلا يجرح إخلاصه.
قال تعالى:
(وأجعلنا للمتقين إماماً*) (٤).
(١) الشيخ الإمام، المحدث الواعظ، القدوة، شيخ الإسلام، الأستاذ سعيد بن إسماعيل بن سعيد النيسابوري الصوفي. ولد بالري سنة٢٣٠. وكان مجاب الدعوة، مجمع العباد والزهاد، وله مواعظ حسنة وحكم رائعة وكرامات جليلة. توفي سنة ٢٩٨ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٦/ ١٤٦ - ١٤٨.
(٢) الشيخ الإمام القدوة، المحدث، الرباني، شيخ نيسابور إسماعيل بن نجيد السلمي الصوفي. ولد سنة ٢٧٢. وتوفي سنة ٣٦٥ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٦/ ١٤٦ - ١٤٨.
(٣) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ١١٥٨.
(٤) سورة الفرقان: [٧٤].
58
وقال سبحانه قاصاً كلام سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام
(أجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم*) (١).
فهاتان الآيتان توضحان أن المسلم هو الرائد والدليل، بل قد ينبغي له طلب هذه الوظيفة الشريفة.
وقد يكون في قلب المتصدر المخلص حبٌ للشهرة وهو لا يشعر به ولا يريده، ولكنه نازع من نوازع النفس الإنسانية لا يؤخذ عليه إن شاء الله، فهذا إبراهيم بن أدهم (٢) يقول:
(( ما صدق الله عبدٌ أحب الشهرة )).
فيعلق الذهبيّ قائلاً:
(( علامة المخلص الذي قد يحب شهرةً ولا يشعر بها أنه إذا عُوتب في ذلك لا يَحْرد ولا يبرىء نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، ولا يكن معجباً بنفسه لا يشعر بعيوبها، بل لا يشعر أنه لا يشعر، فإن هذا داءٌ مزمن )) (٣).
(١) سورة يوسف: [٥٥].
(٢) القدوة الإمام العارف، سيد الزهاد، أبو إسحاق العجلي الخراساني البلخي، نزيل الشام. ولد في حدود المائة. له = كلام رائق جميل وكرامات. توفي رحمه الله سنة ١٦٢. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٧/ ٣٨٧ - ٣٩٦.
(٣) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٩٦.
59
وقد أكثر السلف من التحذير من طلب التصدر وحب الشهرة، فهذا شيخ المالكية أبو عثمان ابن الحدّاد (١) يقول:
(( ما صد عن الله مثل طلب المحامد وطلب الرفعة )) (٢).
ويقول الذهبي رحمه الله محذراً من حب الشهرة:
(( فربما أعجبته نفسه وأحب الظهور فيعاقب ... فكم رجل نطق بالحق وأمر بالمعروف فيسلط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده وحبه للرئاسة الدينية، فهذا داء خفيٌ سارٍ في نفوس الفقهاء، كما أنه سارٍ في نفوس المنفقين من الأغنياء ... وهو داء خفيّ يسري في نفوس الجند والأمراء والمجاهدين، فتراهم يلقون العدو ويصطدم الجمعان وفي نفوس المجاهدين مخبآت وكمائن من الاختيال وإظهار الشجاعة ليُقال (٣) ... يضاف إلى ذلك إخلال بالصلاة وظلم للرعيّة وشرب للمسكر
(١) الإمام شيخ المالكية سعيد بن محمد بن صبيح المغربي. أحد المجتهدين، وكان بحراً في فروع الفقه، رأساً في لسان العرب، بصيراً بالسنن كريماً حليماً. توفي سنة ٣٠٢ عن ٨٣ سنة رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٤/ ٢٠٥ - ٢١٤.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ١٠٣٤.
(٣) أي ليقال عنهم إنهم شجعان.
60
فأنى ينصرون؟ وكيف لا يخذلون؟ ... فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء تحامق واختال وازدرى بالناس وأهلكه العجب ومقتته الأنفس )) (١).
والذي يحب الصدارة معرّض للذل، كما قال أبو الطيب سهل الصعلوكي: (٢)
(( من تَصدّر قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه )) (٣).
وكما قال زُفَر بن الهذيل (٤):
(( من قعد قبل وقته ذَلّ )) (٥).
وهذه الأقوال إن انطبقت على محب التصدر والشهرة وعديم الإخلاص فلا تنطبق - إن شاء الله - على داعية
(١) (( نزهة الفضلاء )): ٣/ ١٢٧٧ - ١٢٧٨.
(٢) العلامة شيخ الشافعية بخراسان، الإمام الطيب سهل بن محمد العجلي الحنفي ثم الصُعلوكي النيسابوري الفقيه الشافعي. وبعده بعض العلماء مجدد المائة الرابعة. توفي رحمه الله تعالى سنة ٤٠٤ وهو في عشر الثمانين. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٧/ ٢٠٧ - ٢٠٩.
(٣) (( نزهة الفضلاء )): ٣/ ١٢٧٧ - ١٢٧٨.
(٤) العنبري، الفقيه المجتهد، الرباني، العلامة، أبو الهذيل. ولد سنة ١١٠ كان ثقة مأموناً. توفي سنة ١٥٨ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٨/ ٤٦ - ٤٨.
(٥) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٦١٢.
61
تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق وإلى طريق مستقيم حتى لو شُهر وعرف فلا بأس عليه - إن شاء الله تعالى - وله أسوة بالرسل الكرام، فهم أعظم الناس شهرة، وكذلك المصلحون والدعاة من بعدهم.
وما أجملَ قول الفُضَيْل رحمه الله
(( من أحب أن يُذكر لم يذكر، ومن كره أن يُذكر ذُكر )) (١).
وقد وازن الفُضَيْل - أيضاً - هذا الأمر قائلاً:
(( إن استطعت ألا تكون محدثاً ولا قارئاً ولا متكلماً (٢)، إن كنت بليغاً قالوا: ما أبلغَه وأحسنَ حديثه وأحسنَ صوته فيعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغاً ولا حسن الصوت قالوا: ليس يحسن يحدّث وليس صوته بحسن، أحزنك ذلك وشق عليك فتكون مرائياً، وإذا جلست فتكلمت لم تبال من ذمك ومن مدحك فتكلم )) (٣).
وقد يكون المرء كارهاً للشهرة من باب التواضع الكاذب الذي سول لصاحبه أنه أضعف وأصغر من أن يشتهر ويعرف، وهذا داء سارٍ في كثير من الصالحين ولولاه لتمكنوا من ارتياد آفاق أعظم لدعوتهم ودينهم.
(١) المصدر السابق: ٢/ ٦٦٥.
(٢) أي فافعل إن كنت ممن يحب التصدر.
(٣) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٦٦٥.
62
النازع الرابع: الجهاد في سبيل الله:
يطير المسلم شوقاً إلى الجهاد، وكلما دعاه الداعي إليه رغب فيه وحنّ إليه، والجهاد - لا شك - من أعظم القُرب وأفْعَلها في النفس وأشدها تأثيراً، استمع إلى قوله تعالى:
(( * إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فأستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم* )) (١).
فالذي يسمع هذا النداء العلويّ الجليل لا بد أن يستجيب إن كان في قلبه إيمان قويّ.
جوانب التوازن في الجهاد
وللتوازن بين نازع الجهاد وبين النوازع الأخرى
(١) سورة التوبة: [١١١].
63
من دعوة وتعليم وعبادة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر لا بد من ذكر التالي:
أولاً: العلم والدعوة قد يفضلان الجهاد الكِفائي:
قد يكون العلم والتعليم والدعوة أفضل من الجهاد الكفائي في بعض الأحيان، وخاصة في هذا الزمان الذي قد يتصدر فيه للجهاد كثير، ولكن المتصدر الحكيم للتعليم والدعوة نادر أشبه بالمفقود، فالمتصدر - الصادق الحكيم - للدعوة يفعل في الأمة - أحياناً - ما لا يفعله جمع من المجاهدين.
يقول يحيى بن معين (١) رحمه الله تعالى:
(( الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله )).
فقال له محمد بن يحيى الذهلي (٢).
(( الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد فهذا أفضل منه؟
قال: نعم، بكثير )) (٣).
(١) الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، أبو زكريا يحيى بن معين الغطفاني ثم المري بالولاء البغدادي، أحد الأعلام، ولد سنة ١٥٨.
وكان رأساً في الجرح والتعديل. توفي بالمدينة في طريقه للحج سنة ٢٣٣، رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١١/ ٧١ - ٩٦.
(٢) الإمام العلامة الحافظ البارع، شيخ الإسلام وعالم أهل المشرق وإمام أهل الحديث بخراسان، أبو عبد الله الذهلي- بالولاء - النيسابوري. ولد سنة بضع وسبعين ومائة وتوفي سنة ٢٥٨ رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ١٢/ ٢٧٣ - ٢٨٥.
(٣) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٧٧٨.
64
فهذا رأي يحيى بن معين في ذلك الزمان؟ فكيف في هذا العصر الذي قلّ فيه من ينشر العلم ويدعو بصدق وحكمة.
ثانياً: وجوب الاستعداد للجهاد:
من كان الجهاد مفضولاً في حقّه فليس معنى هذا أنه ينسى الاستعداد له نفسيّاً وعقلياً وبدنياً، بل ينبغي له أن يكثر من ذكره ويتمنّى الشهادة ويرغب فيها، بل يجعلها أسمى أمانيه، ويتحسّر على الجهاد إذا فاته، فهذا يونس بن عبيد (١) الإمام التابعيّ (( نظر إلى قدميه عند الموت وبكى، فقيل: ما يبكيك أبا عبد الله؟ قال: قدماي لم تغبرَّ في سبيل الله )) (٢).
ولقد كان الكثير من السلف مستعدين للجهاد،
(١) الإمام القدوة الحجة، من صغار التابعين وفضلائهم، العبدي - بالولاء - ثقة، ورع. توفي سنة ١٤٠ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٦/ ٢٨٨ - ٢٩٦.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٩٠٣.
65
فهذا الإمام البخاري (١) رحمه الله تعالى كان يركب إلى الرمي كثيراً، وكان لا يُسبق في إصابته الهدف (٢).
وهذا السلطان الصالح نور الدين محمود الشهيد (٣)
(( كان يكثر اللعب بالكرة فأنكر عليه فقير (٤) فكتب إليه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن في ثغر فربّما وقع الصوت (٥) فتكون الخيل قد أدمنت على الانعطاف والكرِّ والفرّ )) (٦).
وهذا سلطان الموحِّدين يوسف بن عبد المؤمن (٧) (( أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تُملى على الجند، وكان هو يملي بنفسه وكبار الموحِّدين يكتبون في ألواحهم )) (٨).
(١) الإمام الحافظ العلم محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي - بالولاء - توفي سنة ٢٥٦ بقرية خَرْتَنْك، رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٢/ ٣٩١ - ٤٧١.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٩٠٤.
(٣) صاحب الشام، الملك العادل، ليث الإسلام، أبو القاسم محمود بن زنكي. ولد سنة ٥١١. كان حامل رايتي العدل والجهاد، قلّ أن ترى العيون مثله. وكان بطلاً شجاعاً، وافر الهيبة، حسن الرمي، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يتعرض للشهادة في غزوات كثيرة غزاها مع الإفرنج. توفي رحمه الله تعالى سنة ٥٦٩. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٢٠/ ٥٣١ - ٥٣٩.
(٤) أي صوفي.
(٥) أي جاء العدوّ.
(٦) (( نزهة الفضلاء )): ٣/ ١٤٥٤.
(٧) صاحب المغرب. كان حلو الكلام فصيحاً، حلو المفاكهة، عارفاً باللغة والأخبار والفقه، متفنناً، جواداً، شجاعاً، استشهد بالأندلس الذي دخلها للدفاع عنها سنة ٥٨٠ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٢١/ ٩٨ - ١٠٣.
(٨) (( نزهة الفضلاء )): ٣/ ١٤٧٣.
66
وهذا العالم الصالح حَيْوة بن شُريح (١) إمام المصريين قد قال مرّة لبعض نواب مصر:
(( يا هذا، لا تخليَنّ بلادنا من السلاح، فنحن بين قبط لا ندري متى ينقضّ، وبين حبشي لا ندري متى يغشانا، وبين رومي لا ندري متى يحلّ بساحتنا، وبربري لا ندري متى يثور )) (٢).
وأمّا سؤال الله الشهادة فقد كان الصالحون يكثرون منه، فهذا عتبة الغلام بات عند رياح القيسيّ (٣) فسمعه يقول في سجوده:
(( اللهم احشر عتبة من حواصل الطير وبطون السِّباع )) (٤).
أي أن يستشهد في معركة ويُترك حتى تأكل الطير والسباع من لحمه.
وقد غفل كثير من الصالحين عن الاستعداد للجهاد، فهم إذ نادى مناديه لا أدري كيف سيستجيبون ولسان حالهم الناطق بالعجز أفصح من مقالهم.
(١) الإمام الرباني، أبو زرعة، التجيبي المصري، من البكائين، وكان ضيق الحال جداً، وصاحب كرامات. توفي رحمه الله تعالى سنة ١٥٨. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٦/ ٤٠٤ - ٤٠٦.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٥٣.
(٣) رياح بن عمرو القيسي العابد، أبو المهاصر، بصري زاهد، متألِّه، كبير القدر، وهو قليل الحديث، كثير الخشية والمراقبة.
انظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ٨/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٤) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٦٤.
67
ثالثاً: معرفة أنواع الجهاد:
هناك جهاد بالنفس وهو أعلاها مرتبةً، وهناك جهاد بالمال وهو من أعظم الأمور خاصةً في هذا العصر، وهناك جهاد بالقلم، وهناك جهاد بالدعوة، وهناك جهاد للنفس، وغير ذلك، فمن لم يوفق للجهاد بالبدن فليس أقل من أن يجاهد بماله أو بلسانه؛ لأن هناك قوماً من الصالحين إذا تخلف عن الجهاد بالنفس صار إلى حبّ الدنيا والتشبث بها، كأنه لا منزلة بين المنزلتين، فهو إمّا أن يجاهد بنفسه أو يركن إلى الدنيا، وهذا غير صحيح، فهو إن لم يجاهد بنفسه فلا بدّ أن تكون حياته بين قومه جهاداً حقيقياً باللسان وبالحال وبالدعوة وغير ذلك.
وقد غفل كثير من إخواننا الصالحين عن هذا المعنى، فهم في ترف ودَعَة، وكأنهم بعدم خروجهم للجهاد البدني لعذر ما قد سقطت عنهم جميع أنواع الجهاد الأخرى.
68
النازع الخامس: طلب المال:
أهمية المال
المجتمع الإسلاميّ- اليوم - في أمسِّ الحاجة إلى المال ليقيم به حياة إسلامية كريمة، والمال عصب لكثير من المشاريع الإسلامية النافعة، وكل مناحي العمل الإسلامي في حاجة إليه، إذ هو أساسٌ في الجهاد، والدعوة، والإعلام الإسلاميّ، واللجان الخيرية، وهيئات الإغاثة إلخ ... باختصار هو أساس لا غنى عنه، فهل يلام المسلم الملتزم إن بحث عنه وجدّ في طلبه للأغراض المذكورة آنفاً، لا ليس عليه لوم، فقد قال سعيد بن المسيَّب (١).
(( لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقّه ويكفّ به وجهه عن الناس )) (٢).
(١) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. انظر (( التقريب )): ٢٤١.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٣٧٦.
69
وقال ابن المنكدر (١):
(( نعم العون على تقوى الله الغنى )) (٢).
وقال وهب بن منبِّه:
(( الدرهم خواتيم الله في الأرض، فمن ذهب بخاتم الله قضيت حاجته )) (٣).
وقيل للإمام أبي الزِّناد (٤).
(( لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: لأنها وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها )) (٥).
وقال الثوري (٦):
(( كان المال فيما مضى يُكره، فأمّا اليوم فهو تُرس المؤمن )) (٧).
(( ونظر إليه رجل وفي يده [أي سفيان] دنانير، فقال: يا أبا عبد الله، تمسك هذه الدنانير؟
(١) الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو عبد الله القرشي المدني. ولد سنة بضع وثلاثين. كان من سادات القراء بكاءً.
له كلام حسن رائق، وأخبار جميلة. توفي سنة ١٣٠ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٥/ ٣٥٣ - ٣٦١.
(٢) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٤٩٦.
(٣) المصدر السابق: ١/ ٤٤١.
(٤) عبد الله بن ذكوان، الإمام الفقيه الحافظ المفتي، أبو عبد الرحمن القرشي المدني، ويلقب بأبي الزِّناد. ولد نحو سنة ٦٥، وكان من علماء الإسلام وأئمة الاجتهاد. توفي سنة ١٣٠ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٥/ ٤٤٥ - ٤٥١.
(٥) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٠٨.
(٦) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أبو عبد الله، ثقة، حافظ، فقيه عابد، إمام حجة، مات سنة ١٦١ وله أربع وستون سنة. انظر (( التقريب )): ٢٤٤.
(٧) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٨٤.
70
قال: اسكت، فلولاها لتمندل بنا الملوك )) (١).
ولتحقيق التوازن في طلبه لا بد من تدبر الآتي:
أولاً: وجوب كون المال في اليد لا في القلب:
فإن حب المال للمال إذا تمكّن في القلب أهلك صاحبه، فقد قال هشام بن حسّان (٢):
(( سمعت الحسن (٣) يحلف بالله: ما أعز أحدٌ الدرهم إلا أذله الله )) (٤).
ولكي يضمن الأخ الداعية عدم تغير نفسه بكثرة المال فإن عليه أن يستكثر من قراءة سير الصالحين الذين جمعوا بين الغنى والأموال الطائلة وبين الزهد والتطلع إلى الآخرة وما عند الله تبارك وتعالى، ومن أعظم من
(١) المصدر السابق.
(٢) هشام بن حسّان الأزدريّ القُرْدُسي، أبو عبد الله البصريّ. ثقة. مات سنة ١٤٧ أو التي تليها، وانظر (( التقريب )): ٥٧٢.
(٣) هو الحسن البصري التابعي الكبير. توفي سنة ١١٠. وفي (( التقريب )): ٧٢ كلام عن سماع بن هشام من الحسن، ولعل هذا النص هنا - إن صح - يثبت سماعه منه، والله أعلم.
(٤) (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٤٤٩.
71
جمع بين الأمرين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف
رضي الله عنهما؛ إذ أن كثرة مالهما معروفة، وكانا - مع ذلك - مبشريْن بالجنة.
ثانياً: عدم الإغراق في طلب المال:
وهذا أمر خطير؛ إذ في غمرة حماس الأخ وتطلعه إلى جمع المال قد ينسى دعوته وعبادته فيقسو قلبه وتجف روحه، وإذا رأيته فكأنك ترى أحد أبناء الدنيا المتكالبين عليها والذين لا يبالون بأمر آخر غير حبها وتفضيلها.
فكم من نفوس زكية خربت، وكم من صلات أخوية متينة تقطعت بسبب التهافت على جمع المال ونسيان الآخرة، والحوادث أكثر من أن تحصر، ولكني أضرب - لما أقوله - ثلاثة أمثلة:
أعرف أخاً صالحاً داعية ثقة دخل مضمار الدنيا ففتح عليه قليلاً فظن أنه قد فاز، فابتلاه الله تعالى بأمور متعددة نتج عنها قطع صلاته بإخوانه، وخسرت الدعوة
72
أخاً كان من المأمول أن يرتقي بها ويعلي من شأنها، وخسر هو إخوانه الذين هم رأسماله الحقيقي.
وأعرف آخر، ليس كسابقه، ولكنه مسلم مستقيم، ترك وظيفته لأجل طلب الدنيا التي استدرجته حتى وقع في حبائلها، فأصبح الآن يُرثى لحاله؛ إذ هو بعيد عن الله تعالى، مكروه من الناس، ممقوت حتى من أقرب أهله إليه، هذا بخلاف ما اعتاده- الآن - من كذب وغش وخداع.
وأختم بثالث كان نشيطاً في الدعوة محباً لها حينما كان موظفاً، فسوّل له الشيطان ترك الوظيفة والالتحاق بركب التجار، وكانت له أعذار في هذا- كالعادة - فغرق في بحر التجارة شيئاً فشيئاً حتى نسي المعاني العليّة التي كان يدعو لها، وتقهقر نشاطه، وفتر عزمه،
وتشوش باله، وتفرق قلبه.
هذه بعض أمثلة توضح ما يمكن أن يصيب الأخ
73
الداعية إذا جرى في المضمار بغير فرس جيد وبغير لجام.
وقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه موضحاً ذلك:
(( أعوذ بالله من تفرقة القلب. قيل: وما تفرقة القلب؟
قال: أن يُجعل لي في كل واد مال )) (١).
ثالثاً: المسارعة في إنفاقه لوجه الله تعالى:
قد يسوَل الشيطان لأصحب الأموال جمعها وعدم الإنفاق منها بدعوى استعدادهم لمشاريع آخرَ، وهذا المنطق قد يجر صاحبه إلى أن يكتنز الأموال فلا يراها المحتاجون الذين كان جمْعُ هذا المال من أجلهم، كما هو الظاهر.
نعم قد يقال إن هذا أمر نفسي لا يُطلع عليه، ولكني أردت أن أحذر إخواني حتى لا يكونوا مثل ذلك الداعية
(١) المصدر السابق: ١/ ١٦٠.
74
الواعظ الذي كان له جلالة عجيبة وأتباع وأنصار، ولكنه لما مات وجودا له أربعين وعاء مختومة مليئة بالأموال لم يفك ختمها، فقال الذهبي:
(( كان من كبار المذكِّرين، لكن ما أقبح بالعالم الداعي إلى الله الحرص وجمع المال )) (١).
رابعاً: وجوب التخصص في هذا الباب:
وأعني بذلك أنه ليس لكل داعية أو مسلم ملتزم الخوض في جمع المال بغرض الإكثار منه للإنفاق في سبيل الله تعالى؛ إذ لابدّ من ضوابط في هذا الباب، باب التجارة، تحكمه وتوجه العاملين فيه، فلا يصلح للتفرغ لهذا الأمر داعية قدوة، ولا غرٌ ضعيف لا يفقه حيل الدنيا غرق فيها، إلخ ...
وأقول هذا
(١) المصدر السابق: ٣/ ١٢٣١.
75
حتى لا يطغى جمع المال - بدعوى الإنفاق منه في سبيل الله - على غيره من الجوانب المهمة في حياة المسلم، فيضيع في تلك الأودية.
76