أيام في دمشق (2/2)
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
جئت دمشق سنة 1429/2008 مدعواً للمشاركة في الملتقى الثقافي التراثي: "الخطبة الشامية: صرخة حياة في موات أمة" وهذا الملتقى هو دراسة لمعاني الخطبة الشامية التي ألقاها بديع الزمان سعيد النورسي من فوق منبر جامع بني أمية بدمشق في سنة 1329، أي في ذكرى مرور مائة سنة كاملة على إلقائها بالتاريخ الهجري، فعقد هذا الملتقى تمجيداً لمعاني هذه الخطبة، وإحياء للجهاد الدعوي الطويل الذي جاهده بديع الزمان النورسي، وفي عقد هذا الملتقى تمتين للعلاقة بين تركيا وسوريا التي ضعفت كثيراً في العقود الماضية.
وقد حضر هذا الملتقى علماء من سوريا ومن خارجها، وحضرها نواب من مجلسي الشعب في تركيا وسوريا، وعقد برعاية وزارة الأوقاف السورية.
وكانت مدة الملتقى يوماً واحداً عقد فيه ثلاث جلسات سوى جلسة الافتتاح الرسمية، الجلسة الأولى: "الخطبة الشامية نموذج للخطاب الديني" ورأس الجلسة د. عبدالفتاح البزم مدير معاهد الفتح الإسلامي ومفتي دمشق، وتكلم فيها د. علي محي الدين القره داغي الأستاذ بجامعة قطر ونائب رئيس اتحاد علماء المسلمين، وتكلم أيضاً الشيخ سارية الرفاعي رئيس مركز زيد بن ثابت لخدمة القرآن الكريم، وتحدث فيها أيضاً الدكتور توفيق سعيد رمضان البوطي الأستاذ في كلية الشريعة بجامعة دمشق.
أما الجلسة الثانية فكانت عن "ملامح من شخصية بديع الزمان النورسي" ورأس الجلسة الشيخ نعيم العرقسوسي خطيب جامع الإيمان، وتحدث فيها الأستاذ الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي وهو مشهور، وتحدث فيها فضيلة الشيخ عدنان السقا خطيب جامع قباء بحمص، والأستاذ في معهد الفتح الإسلامي، وتحدث فيها أيضاً كاتب هذه السطور.
وأما الجلسة الثالثة فكانت عن "رسائل النور: مصابيح هداية للإنسانية" وتحدث فيها الأستاذ إحسان الصالحي رئيس مركز أبحاث رسائل النور، وهو مترجم جل رسائل بديع الزمان إلى العربية، وتحدث فيها الدكتور علاء الدين زعتري أمين الفتوى ومحاضر في مجمع الشيخ كفتارو، والمتحدث الثالث: د. صادق درويش وهو محاضر في معهد الفتح الإسلامي.
ثم عقدت جلسة في اليوم التالي ـ في أحد الجوامع الدمشقية ـ تعد تلخيصاً لما قيل في الجلسات الثلاث السابقة، وفيها إضافات وتعليقات على بعض جوانب حياة بديع الزمان، وقد حضرها لفيف من نواب البرلمان التركي ونائب في البرلمان السوري، ومجموعة من العلماء والمشايخ.
وهذا الملتقى إبراز لجهود بديع الزمان النورسي السلمية في توعية الأتراك، وتفهيمهم عظمة الإسلام وكمال شريعته وعظم قرآنهم، وأن علاج أحوالهم كامن في رجوعهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وإبراز لمعاني الصبر والثبات والتضحية والمجاهدة التي كانت مضيئة ظاهرة في حياة بديع الزمان النورسي رحمه الله تعالى، لكن كان في بعض الكلمات مبالغات وأخطاء تاريخية وفكرية كنت أتمنى أن يخلو مثل هذا الملتقى منها، والله أعلم.
وقد جددت العهد بدمشق بعد ثلاثة عشر عاماً من الغياب عنها، ودرت في سوقها العثماني "الحميدية" وشارع مدحت باشا، وزرت قصر أسعد باشا العظم الذي كان والياً على الشام في منتصف القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، وهو قصر عجيب فسيح بهيّ، حوى مظاهر الحياة الدمشقية آنذاك، وسعدت بما رأيته فيه لأن فيه عبق التاريخ وجلال الزمان، وهو جدير بالزيارة.
وقد أكرمني الأستاذ الشيخ د. حسام الدين الفرفور نائب رئيس جمعية الفتح الإسلامي وأستاذ الفقه المقارن والفكر المعاصر وحوار الحضارات، أكرمني بالحديث لطلاب معهد الفتح الإسلامي إناثاً ثم الذكور في حلقتين منفصلتين، فكان مما قلته للإناث: إنكن تدرسن الشريعة الإسلامية واللغة العربية فأنتن ممن ينبغي أن يكنّ من الحاميات للشريعة الذابات عنها، وأن تدرسن بنية حسنة ابتغاء وجه الله تعالى دون النظر إلى منصب أو جاه أو مال أو غير ذلك من أعراض الدنيا التافهة، ونبهتهن إلى وجوب مقاومة المظاهر السيئة في المجتمع ومثلت على ذلك بالحجاب الجديد أو حجاب الموضة الذي ظهر في بلاد الشام حديثاً فتجد الفتاة لابسة السراويل "البنطلون" الضيقة وصدرها بارز نافر، واللباس ذو ألوان متعددة، وكل هذا غريب على المجتمع الشامي، ونبهتهن إلى وجوب الاطلاع على الثقافة الإسلامية اطلاعاً عميقاً، ومعرفة الشبهات المثارة حول الإسلام عامة والمرأة في الإسلام خاصة، ونبهتهن إلى وجوب الاستفادة من الأوقات قبل التخرج من المعهد والانشغال بالدنيا وأحوالها إلى آخر ما قلته لهن.
وتحدثت بعد ذلك إلى الطلاب الذكور حديثاً قريباً من هذا، وأضفت إليه وجوب أن يكونوا قدوة بلسان مقالهم وبلسان حالهم، وضربت لهم أمثلة متنوعة على هذا.
ولقد زرت دار ابن كثير بدمشق ـ وهي التي تطبع كتبي هناك ـ وتحدثنا عن هموم الكتاب، وأحوال معارض الكتب، ولقد حدثني عن إقبال الناس في الجزائر على الكتاب الإسلامي، وهذه بشرى لأن القراءة الجيدة الواعية الكثيرة مفتاح لحل كثير من المشكلات، وأيضاً حدثني عن إقبال الناس في المملكة ومصر على الكتاب الإسلامي، وقد حدثني عن إقبال دولة قطر على طبع الكتاب ورصد ميزانية كبيرة لهذا الأمر، وهذا من جملة الأعمال الحسنة التي إن عملت بنية حسنة حصل من ورائها خير كبير.
ولقد أهداني كتاباً تاريخياً مهماً حققه أساتذة عشرون في عشرين مجلداً، فقلت له: إن فلاناً حققه أيضاً فقال لي: إن في طبعته أخطاء كثيرة وسقطاً يصل في بعض المواضع إلى أكثر من صفحة، وهذا بلاء شديد يصيب كتب التراث بسبب عجلة كثير من المحققين وعدم اكتراثهم بالمراجعة والمقابلة، وعندي في هذا أمثلة كثيرة، والعجيب أن بعضهم يحقق الكتابَ غيره ثم يضع اسمه هو عليه!! وهذا من التكثر والتشبع زوراً وبهتاناً، وهو من تضييع مال الناس بشرائهم نسخاً ناقصة ومبتورة ومشوهة يدفعون فيها أموالاً طائلة، وتحدثنا معاً عن غير ذلك.
وقد ختمت جولتي في دمشق بالحديث إلى الطلاب والطالبات في معهد الشيخ أحمد كفتارو مفتي الجمهورية السابق، وتحدثت معهم حديثاً موجزاً عن التحديات التي تواجه المسلمين، وأثر طلبة العلم في الوقوف في وجه هذه التحديات، وذكرت لهم أن الصحوة التي قامت قبل أكثر من ثلاث وثلاثين سنة إنما قامت بفضل الله تعالى على أكتاف طلبة العلوم والطب والهندسة ولم يشارك فيها الشرعيون إلا قليلاً، وينبغي على الشرعيين أن يقوموا بواجبهم الآن ويتحملوا المسؤولية الضخمة الملقاة على عاتقهم، ونبهتم إلى أهمية الإخلاص في طلب العلم دون النظر إلى المال أو المنصب أو الجاه.
وليس لي أن أختم الحديث إلا بشكر الشيخ ماهر الهندي إمام وخطيب جامع الإحسان والمشرف العام على مؤتمر "الخطبة الشامية" فقد بذل جهداً ضخماً في إنجاح هذا المؤتمر، وفقه الله ونفع به.
بطاقة: حرفًا