أيام في الأندلس (2/7)
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
ذكرت للقراء الكرام في الحلقة السابقة أنني صليت الجمعة في جامع مدريد الكبير، وبعد الصلاة حاضرت في الجمع الكبير في شأن هوية المسلم، ثم بعد ذلك اتجهت إلى سانتا ندير، وهي منطقة جبلية تبعد عن مدريد 480 كيلاً، والمخيم يبعد عن سانتا ندير خمسين كيلاً، وقد طال بنا الطريق، وكنا أربعة أنا وزوجي أم علي وسائقنا الدمث الأخ عبد العزيز الترنيفي ورابع فاضل، لكن السيارة خربت في الطريق وطال بنا فم نصل إلى مكاننا إلا بعد المغرب بساعة، ومغربهم قرابة العاشرة!! فلم نصل إلا وقد أخذ منا التعب كل مأخذ، ولله الحمد.
والمخيم ضخم على بحيرة عذبة كبيرة متصلة بالمحيط الأطلسي لكن بينهما برزخ لا يبغيان، سبحان الله العظيم، وقد تحدثت مع الجمع – القليل – عن قصة مريم جميلة حفظها الله وهي مسلمة أمريكية من أصل ألماني، وهي من أبوين يهوديين وأسلمت في قصة جليلة يطول ذكرها ها هنا لكن خلاصتها أنه قد كان لله تعالى بها عناية، وسيقت إلى الإسلام عن طريق القراءة العميقة المطولة والثقافة الواسعة العجيبة، هذا ما اتصفت به ولما تكن مسلمة بعد!! واتصلت بالأستاذ المودودي عليه من الله الرحمة والرضوان، ثم أسلمت وتعرضت بعد إسلامها لصنوف من البلاء على أيدي العرب المسلمين في أمريكا!! ثم هاجرت إلى لاهور وهي تعيش هناك منذ خمس وأربعين سنة، وقد هاتفتها وتحدثت معها وقصتها طويلة رائعة حفظها الله، فقصصتها على الحاضرين في المخيم على وجه مفصل بعض التفصيل وكنت أريد منهم أن يحفظوا من قصتها عدة معان فمنها الثقافة واسعة والقراءة المطولة، وأكثر المسلمين اليوم محرومون من هذا، ومنها الثبات العجيب على الإسلام على ما نزل بها من بلايا ورزايا وهي شابة بعد في العشرينات، ومنها الإصرار على الحق والعزم على التغيير، ومنها الدعوة إلى الله تعالى وهي تمارسها إلى اليوم مع أنها في عشر السبعين، ومنها قوة الإيمان وجمال اليقين، إلى غير ذلك من المعاني الكثيرة في قصتها العجيبة اللطيفة.
ثم تحدثت مع الحاضرين في وقت آخر عن واجبهم في البلاد الأندلسية، وأن الله تعالى أعادهم من جديد بعد أن أخرج النصارى أجدادهم منها فعادوا وتمكنوا وصاروا أكثر عدداً من الأندلسيين آنذاك، فعددهم اليوم قرابة المليون ونصف المليون بينما لم يكن الأندلسيون آنذاك بهذا العدد، فهذه نعمة من الله تعالى عليهم شكرها، وشكرها يكون بالدعوة إلى الله، ونبهتهم إلى أن الذي أخرج أسلافهم من هذه البلاد إنما هو أمران اثنان: الفُرقة والمعصية، فهذان مرضان خطيران جداً فعليهم أن يتجنبوهما اليوم حتى لا يفعل بهم ما فعل بأسلافهم من قبل، ونبهتهم على أمر مهم ألا وهو وجوب العناية بالجيل الناشئ خاصة الفتيات ووجوب التعاون على بناء مدارس خاصة بهن، وأنهم لو لم يجدوا سبيلاً لإقامة هذه المدارس إلا بأكل وجبة واحدة في اليوم وبقطع الكماليات والتحسينات عنهم لوجب عليهم فعل هذا، وأجبتهم على بعض أسئلتهم الفقهية، وحاولت جاهداً أن أجتنب الإجابة عن الأسئلة التي إجاباتها تتعارض مع إجابات المجلس الأوروبي للإفتاء حتى لا أحدث بلبلة في صفوفهم لكن أصر القوم على معرفة رأيي فلم يسعني إلا تبيان ما أرى أنه الحق، والله أعلم.
وقد لقيت في المخيم الأخ الفاضل رضا الباروني، وهو تونسي هاجر بدنيه إلى بلاد الكفار!! وهو تاجر مواش من بلنسية، وكان الرئيس السابق للمركز الثقافي الإسلامي فيها، حدثني عن صور من الهداية عجيبة، وأخبرني أن هناك إسبانية مسلمة اسمها خديجة حاولت مع أمها طويلاً حتى تسلم، ثم إن أمها أسلمت من قرابة أسبوع مضى من حديثه معي، وكان في رجب 1428/ أغسطس 2007، وقد ذكرت الأم أن سبب إسلامها هو بر ابنتها خديجة الشديد بها، وأن لها عدة بنات لا يبرها أحد منهن بشيء يقارب بر خديجة بها، وبكت خديجة وهي تخبر الناس في المركز بإسلام أمها وذلك لأنها قد بلغت أرذل العمر وكانت تخاف من أن تموت كافرة.
ويقارب هذا ما حدثنيه عن امرأة لها بنتان بنت مسلمة وأخرى كافرة، فالكافرة لا تزورها ولا تبرها ولا تسأل عنها، أما المسلمة فهي بها بارة بل شديدة البر، وكان زوج ابنتها المسلمة يساعد زوجه على بر أمها والعناية بها، ويصبر على غيابها عن بيتها من أجل البر بأمها، فلما رأت ذلك أمها أسلمت، ثم ماتت بعد إسلامها بستة أشهر فقط، فسبحان الله كيف نجت من الخلود في النار! ولله الحمد والشكر.
هذا من تينك البنتين درس عظيم في أهمية عبادة البر بالوالدين ولو كانا كافرين، وأن له آثاراً حميدة جداً في المجتمع المادي المتفسخ في الغرب، هذا على أن الأسر الأسبانية من أكثر الأسر الأوربية تماسكاً وتلاصقاً، لكن انظر كيف هي وكيف تبعد عن تماسك والتحام الأسر في بلاد الإسلام فاللهم لك الحمد، فلا زالت الأسرة المسلمة وتماسكها وتلاحمها من المؤثرات الكبيرة في الغربيين ومن الأسباب المهمة لدخولهم في الإسلام ورضاهم به ديناً.
هذا وقد تحدثت مع الإخوة في المخيم أيضاً عن العلاقات الاجتماعية في الإسلام بإيجاز شديد، وبينت أن العلاقات بين الناس في الإسلام مبناها على العبادة وليس العادة، وأن هذا - أي المعنى التعبدي - هو الذي ينشئ العلاقات الاجتماعية على أحسن الأسس وأقواها وأبعدها أثراً وأبقاها.
هذا وقد كان في المخيم عدد قليل نسبياً من الرجال والنساء والأطفال، وهذه بلية كائنة في كثير من المخيمات الأوروبية، وأعيد هذا إلى أسباب: منها التقصير في دعوة الناس للحضور من قبل الحاضرين أنفسهم بمعنى أنه لو حاول كل شخص أن يحضر المخيم برفقة آخر، وكل عائلة برفقة أخرى لتضاعف العدد، ومن الأسباب أيضاً حرص كثير من المسلمين هناك على أرزاقهم وتقصيرهم في حضور مثل هذه الأعمال الإسلامية المباركة، ومنها قلة الوعي بأهمية حضور مثل هذه اللقاءات، ومنها الخوف والحذر غير المبرر، ومنها الخلافات الكائنة بين بعض ذوي الاتجاهات المخالفة وبين القائمين على المخيمات، أما إسبانيا فإن العمل الإسلامي فيها المنسق المرتب القائم على أصول صحيحة من التعاون والتآزر والتعاضد وسد النقص ولمّ الشمل إنما هو جديد بعض الجدة فلربما كان هذا من الأسباب القوية المانعة من الحضور الجيد إضافة إلى ما ذكرت، والله الموفق.
بطاقة: حرفًا