تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

أيام في الأندلس (6/7)

مدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

كنت أتحدث مع الأخوة عن أحوال العرب المسلمين في الأندلس، فإذا بها أحوال عجيبة تدعو إلى تأمل طويل، فالعرب يأتون وهم حملة شهادات فتضطرهم الأوضاع إلى أن يعملوا أعمالاً يدوية في البناء وغيرها، أو يعملوا سائقي شاحنات أو عمالاً في المصانع، وقليل منهم يعمل في حقل تخصصه العلمي لأن الدولة لا تعترف بشهاداتهم إلا بعد المعادلة، وهيهات، وبناء على هذا فإن أوضاعهم المعيشية تضيق عليهم وبسبب كدحهم وضيق ذات يدهم، فتجدهم دائماً يركضون خلف حاجاتهم المعيشية فيعملون 9 ساعات إلى 12 ساعة وربما في حالات قليلة 14ساعة، وهذا يجعلهم شبه منعزلين عن النشاطات الإسلامية بسبب طول مدة عملهم وبسبب قلة ذات يدهم.

وكنت أتحدث مع الأخوة أن الوافدين إلى أسبانيا قسمان: قسم لا يد له ولا حيلة إلا أن يفر بدينه من بلاده، فهو إما محكوم عليه بالإعدام أو بالسجن الطويل، وهذا لا كلام في شأن مغادرته فهو مضطر للبقاء كيفما اتفق، وقسم آخر وهو من جاء مختاراً فلماذا يبقى في أوضاع كهذه؟ ولماذا يرضى لنفسه هذا؟ وجرى بيننا حديث تبين منه أن منهم من كان يعيش في بلده في بيوت من صفيح ليس فيها مقومات الحياة الكريمة، ومنهم من لا يتزوج في بلاده حتى يجوز الأربعين لأنه ليس هناك سكن، ومنهم من يعيش في غرفة واحدة هو وزوجته وأولاده في أحوال صعبة فهؤلاء لا يريدون البقاء في بلادهم بل يطلبون الخروج منها بأي وجه، ولهذا يركبون القوارب الخطرة البعيدة عن وسائل الأمان، وهم يعلمون أنهم ربما يغرقون كما غرق كثير من قبلهم لكن لا يأبهون لأنهم لو ماتوا غرقاً استراحوا من حياتهم التي هي أشبه بالموت منها بالحياة!!

ومن اللطائف أن أستاذ سباحة قطع المسافة من المغرب إلى إسبانيا من المضيق وهي أربعة عشر كيلاً قطعها سباحة!! لما سئل عن هذه المخاطرة قال: أنا أعيش عيشة قريبة من الموت فإما أن أصل سالماً لأعيش عيشة كريمة وإما أن أموت غرقاً فلا فرق!! وهو الآن يعيش في برشلونة.

والأعداد العربية في إسبانيا قد تضاعفت عدة مرات في السنوات العشر الأخيرة، وهذا يدل على عظم البلاء الواقع على بعض العرب في بلادهم بحيث يضطرون للخروج منه، وها هنا تساؤل مهم: إلى متى هذا الظلم الواقع على هؤلاء العرب في بلادهم؟ وهل من سبيل لإنهاء هذه المعاناة؟ ومتى سيستمتع العرب هؤلاء بحقوقهم في بلادهم؟

والأدهى والأمر من ذلك اضطرار كثير من العرب الوافدين للزواج من إسبانيات من أجل تثبيت إقامتهم في البلاد، ولتكون طريقاً للتجنس، ولما كانت القوانين لصالح المرأة كلياً ـ كما بينت في الحلقة السابقة ـ فلا تسل عن العذاب الذي يعذبه الشخص في هذا الزواج، فالزوجة لها الكلمة العليا، وإذا اختصما فإنها تشكو للشرطة بالهاتف أن زوجها شتمها أو ضربها حقاً كان ذلك أو باطلاً، صدقاً كان أو كذباً، فإن الشرطة تودعه في السجن ستة أشهر إلى سنة وربما أكثر، وتحرمه من الاقتراب من بيته في دائرة نصف قطرها 500 متر مركزها بيته!!، وإذا طلقها فإنها تطرده من الشقة، وتستولي على نصف ماله أو أكثر وتحرمه من رؤية أولاده، ويُحرم من الاقتراب من بيته كما بينت آنفاً، فأي حياة هذه؟ وإذا أرد الشخص تجنب ذلك فعليه أن يعيش مع زوجه ذليلاً طيلة حياته، والأدهى والأمر من هذا كله أن المرأة إن كانت كافرة فإنها ستربي أولادها على الكفر خاصة إن بعد عنهم والدهم.

وهناك أمر صعب وهو أن المرأة العربية بدأت تقلد الكافرة، وذلك لما تراه من حالها ولأن هناك جهات نسوية تترجم القوانين الخاصة بالنساء وتوزعها على النساء العربيات حتى يعرفن حقوقهن أو بالأحرى حتى يتمردن على أزواجهن!! وهناك خط ساخن للاتصال بالشرطة في أي وقت!! وإذا لم تتصل المرأة ووقعت مشكلة وعلا الصياح يتصل الجيران بالشرطة!!

وهناك مغربي تزوج مغربية وكان لا يصلي، وامرأته سيئة وله بنت منها عمرها 14 سنة وابنان، فاتفقت المرأة مع ابنتها أن تشهد عند الشرطة أن أباها ضرب أمها حتى خرج من أنفها الدم فأبعدته الشرطة عن البيت في دائرة نصف قطرها 500 م كما مر وألزمته بالنفقة، ومن أجل أن تكيده المرأة اتصلت به وقالت له: تعال لترى أولادك، وفي الوقت نفسه اتصلت بالشرطة فلما جاء البيت دهمته الشرطة وأخذته للمحكمة، فقالت له القاضية وكانت متحاملة: لقد أنذرناك ألا تقترب من البيت ثم حكمت عليه بخمس سنوات سجناً!!

وهناك أمر لا يعلمه كثير من الشباب القادمين إلى إسبانيا ألا وهو أن الزواج بالنصرانيات لا يجوز إلا بشرطين: أن تكون محصنة عفيفة فقد قال تعالى: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، والشرط الآخر ألا تكون حربية بمعنى ألا تحارب المسلمين برأي أو مال أو مكيدة، وهذا الشرط ربما يكون موجوداً في نساء كثيرات، لكن البلية كل البلية أن الشرط الأول لا يكاد يوجد في نساء الإسبان إلا كما توجد الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، فالنساء هناك لا يرددن يد لامس، وإن كان هناك من النساء من يكتفين بصديق واحد فهي ليست محصنة ولا عفيفة أيضاً فكيف يحل الزواج بهن إذاً، فالشباب يقبلون على الزواج بأمثال هؤلاء بدعوى أنهن نصرانيات ويحل الزواج بهن ويغفلون عن هذين الشرطين المهمين الصعبين.

وهناك أمر مشكل في إسبانيا ألا وهو انتشار الإلحاد خاصة في صفوف الشباب، وهناك تقديرات عالية في حسبان بعض الأخوة المسؤولين عن الجالية في قضية الإلحاد هذه، والشباب المقدم على الزواج من هؤلاء بدعوى أنهن نصرانيات ربما فوجئ بإلحادهن لكن بعد فوات الأوان وبعد أن ينجب منها ويتورط، فكيف ستربي هؤلاء النسوة أولادهن؟ وعلى أي مبدأ؟ بل على أي دين؟ فينبغي النظر والتريث طويلاً قبل الإقدام على الزواج من أمثال هؤلاء النسوة المشكوك في سلوكهن ودينهن بل مبادئهن وطرق عيشهن، ورحم الله الأستاذ عبد المتعال الجبري فقد كان له كتاب عنوانه: (جريمة الزواج بغير المسلمات فقهاً وسياسة) ربما جنح فيه إلى رأي من يرى حرمة الزواج بهن مطلقاً لكن هي جريمة وأي جريمة إن تزوج بهن المرء ثم ضيع دينه أو ضيع دين أولاده، فماذا سيبقى له بعد ذلك؟ هذا وإن تزوج الرجل بامرأة صالحة فإنه لا يأمن على أولاده كيف سيعيشون وكيف سينشأون في المدارس، وأي مبدأ وفكر وسلوك سيتبنونه في محيط إباحي صعب لا يبالي بدين ولا يلتفت إلى عفة ولا إحصان.

المرء إن ضيّع دينه أو ضيّع دين أولاده، فماذا سيبقي له بعد ذلك!!

هذه بعض المشاهد عن حياة العرب اليوم في إسبانيا، وهي لا تنفي وجود بعض الإيجابيات لكنها مغمورة في بحر النقائص هذا، وعلى المسؤولين عن الجالية العربية أن يوعوا الشباب بهذه المخاطر والنقائص، وأن يجدوا الحلول المناسبة حتى يحولوا بين الجيل وبين الذوبان المخيف والغرق في بحر الظلمات.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080