نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٢٦ ابْنُ سَمْعُونَ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٢٦ ابْنُ سَمْعُونَ (١)
[١] الشيخ الإمام، الواعظ الكبير المحدث، أبو الحسين، محمد بن أحمد بن إسماعيل البغدادي، شيخ زمانه ببغداد.
مولده سنة ثلاث مئة، وسمعون: هو لقب جدِّه إسماعيل. وقال الخطيب: كان أوحد دهره، وفرد عصره في الكلام على علم الخواطر، دوَّن الناس حكمه، وجمعوا كلامه، وكان بعض شيوخنا إذا حدَّث عنه، قال: حدثنا الشيخ الجليل المنطق بالحكمة.
[٢] وكان ابن سمعون في أول أمره ينسخ بالأجرة، وينفق على نفسه وأمه، فقال لها يوماً: أحب أن أحج، قالت: وكيف يمكنك؟! فغلب عليها النوم، فنامت وانتبهت بعد ساعة، وقالت: يا ولدي حج، رأيت رسول الله ﷺ في النوم يقول: دعيه يحج فإن الخير له في حجّه، ففرح وباع دفاتره، ودفع إليها من ثمنها، وخرج مع الوفد، فأخذت العرب الوفد، قال: فبقيت عرياناً، فجعلت إذا غلب علي الجوع ووجدت قوماً من الحجاج يأكلون وقفت، فيدفعون إلي كسرة فأقتنع بها، ووجدت مع رجل عباءة فقلت: هبها لي استتر بها، فأعطانيها وأحرمت فيه، ورجعت وكان الخليفة قد حرم جارية وأراد إخراجها من الدار. قال السني: فقال الخليفة: اطلبوا رجلاً مستوراً يصلح أن تزوج هذه الجارية به فقيل: قد جاء ابن سمعون، فاستصوب
(١) انظر السير: ١٦/٥٠٥-٥١١
1192
الخليفة ذلك، وزوجه بها، فكان يعظ ويقول: خرجت حاجاً، ويشرح حاله ويقول: ها أنا اليوم عليّ من الثياب ما ترون!! قلت: كان فاخر الملبوس.
[١] قال أبو بكر البرقاني: قلت له يوماً: تدعو الناس إلى الزهد وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام، كيف هذا؟ فقال: كل ما يصلحك لله فافعله إذا صلح حالك مع الله تعالى.
[٢] قال أبو محمد الخلال: قال لي ابن سمعون: ما اسمك؟ قلت: حسن. قال: قد أعطاك الله الاسم، فسله المعنى.
[٣] أحمد بن علي البادي، سمعت أبا الفتح القواس يقول: لحقتني إضافة، فأخذت قوساً وخفين لأبيعهما، فقلت: أحضر مجلس ابن سمعون ثم أبيع، فحضرت، فلما فرغ ناداني: يا أبا الفتح لا تبع الخفين والقوس فإن الله سيأتيك برزق من عنده.
[٤] أبو علي بن أبي موسى الهاشمي، قال: حكى لي مولى الطائع أن الطائع أمره، فأحضر ابن سمعون، فرأيت الطائع غضبان - وكان ذا حدة - فسلم ابن سمعون بالخلافة، ثم أخذ في وعظه فقال: روي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه كذا. ووعظ حتى بكى الطائع وسمع شهيقه، وابتل منديل من دموعه، فلما انصرف سئل الطائع عن سبب طلبه، فقال: رفع إلي أنه ينتقص علياً، فأردت أقابله، فلما حضر افتتح بذكره والصلاة عليه وأعاد وأبدى في ذكره، فعلمت أنه وفق، ولعله كوشف بذلك.
[٥] أبو الثناء شكر العضدي قال: لما دخل عضد الدولة بغداد وقد هلك أهلها قتلاً وخوفاً وجوعاً للفتن التي اتصلت بين السنة والشيعة، فقال: آفة هؤلاء القصاص، فمنعهم، وقال: من خالف أباح دمه، فعرف ابن سمعون، فجلس على كرسيه فأمرني مولاي، فأحضرته، فدخل رجل عليه نور، قال شكر: فجلس إلى جنبي غير
1193
مكترث، فقلت: إن هذا الملك جبار عظيم، ما أوتر لك مخالفته، وإني موصلك إليه، فقبل الأرض وتلطف له واستعن بالله عليه، فقال: الخلق والأمر لله. فمضيت به إلى حجرة قد جلس فيها الملك وحده، فأوقفته ثم دخلت أستاذن، فإذا هو إلى جانبي، وحول وجهه إلى دار عز الدولة ثم تلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود ١٠٢] ثم حول وجهه وقرأ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ١٤] ثم أخذ في وعظه فأتى بالعجب، فدمعت عين الملك، وما رأيت ذلك منه قط وشرك كمه على وجهه، فلما خرج أبو الحسين رحمه الله، قال الملك: اذهب إليه بثلاثة آلاف درهم وعشرة أثواب من الخزانة فإن امتنع فقل له: فرقها في أصحابك، وإن قبلها فجئني برأسه، ففعلت فقال: إن ثيابي هذه فصلت من نحو أربعين سنة ألبسها يوم خروجي وأطويها عند رجوعي، وفيها متعة وبقية، ونفقتي من أجرة دار خلفها أبي، فما أصنع بهذا؟ قلت: فرقها على أصحابك قال: ما في أصحابي فقير. فعدت فأخبرته، فقال: الحمد لله الذي سلمه منا وسلمنا منه.
[١] قال أبو سعيد النقاش: كان ابن سمعون يرجع إلى علم القرآن وعلم الظاهر متمسكاً بالكتاب والسنة، لقيته وحضرت مجلسه، سمعته يسأل عن قوله: «أنا جليس من ذكرني» قال: أنا صائته عن المعصية، أنا معه حيث يذكرني، أنا معينه. توفي ابن سمعون سنة سبع وثمانين وثلاث مئة.
1194