نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٩٥٩ - صاحب إربل (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٩٥٩ - صاحب إربل (١)
السُّلْطَانُ الدِّينُ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ مُظَفَّرُ الدِّينِ أَبُو سَعِيدٍ كُوكْبْرِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَكْتَكِينِ بْنِ مُحَمَّدٍ التُّرْكَمَانِيُّ صَاحِبُ إِرْبِلَ وَابْنُ صَاحِبِهَا وَمُصَرِّفُهَا الْمَلِكُ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ كُوجَك، وَكُوجَك هُوَ اللَّطِيفُ الْقَدَّ، كَانَ كُوجَك شَهْمًا شَجَاعًا مُهَيِّبًا، تَمْلِكُ بِلَادًا كَثِيرَةً ثُمَّ وَهَبَهَا لِأَوْلَادِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ يُوصَفُ بِقُوَّةٍ مُفَرَّطَةٍ، وَطَالَ عُمْرُهُ، فَلَمَّا مَاتَ تَمْلِكُ إِرْبِلَ ابْنُهُ هَذَا وَهُوَ مُرَاهِقٌ، وَصَارَ أَتَابَكُهُ مُجَاهِدَ الدِّينِ قِيمَازٌ، فَعَمِلَ عَلَيْهِ قِيمَازٌ وَكَتَبَ مُحْضَرًا بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ وَقَبَضَ عَلَيْهِ وَمَلَّكَ أَخَاهُ زَيْنَ الدِّينِ يُوسُفُ فَتَوَجَّهَ مُظَفِّرَ الدِّينِ إِلَى بَغْدَادَ فَمَا الْتَفَتُوا عَلَيْهِ، فَقَدِمَ الْمَوْصِلُ عَلَى صَاحِبِهَا سَيْفُ الدِّينِ غَازِيُّ بْنُ مَوْودٍ، فَأَقْطَعَهُ حَرَّانٌ، فَبَقِيَ بِهَا مُدَيْدَةً، ثُمَّ اتَّصَلَ بِخِدْمَةِ السُّلْطَانِ صَلَاحَ الدِّينِ، وَغَزَا مَعَهُ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَأَحَبَّهُ، وَزَادَهُ الرُّهَا، وَزَوَّجَهُ بِأُخْتِهِ رَبِيعَةَ وَاقِفَةَ الصَّاحِبِيَّةِ. وَأَبَانَ مُظَفِّرَ الدِّينِ عَنْ شَجَاعَةِ يَوْمِ حِطِّينَ، فَوَفَدَ أَخُوهُ صَاحِبُ إِرْبِلَ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ نَجْدَةً فَتَمَرَّضَ وَمَاتَ عَلَى عَكَّا فَأَعْطَى السُّلْطَانَ مُظَفِّرَ الدِّينِ إِرْبِلَ وَشَهْرَزُورَ، وَاسْتَرَدَّ مِنْهُ حَرَّانٌ وَالرُّهَا.
(١) انظر السير: ٢٢ / ٣٣٤-٣٣٧.
1564
[١] وكان مُجَبَّأً لِلصَّدَقَةِ، له كل يوم قناطير خبز يفرقها، ويكسو في العام خَلْقاً ويعطيهم ديناراً ودينارين، وبنى أربع خوانك للزَّمْنَى والأضْرَاء، وكان يأتيهم كل اثنين وخميس ويسأل كل واحد عن حاله ويتفقده ويباسطه ويمزح معه. وبنى داراً للنساء، وداراً للأيتام، وداراً للقضاء ورتب بها المراضع. وكان يدور على مرضى البيمارستان. وله دار مضيف ينزلها كل وارد، ويُعطى كل ما ينبغي له. وبنى مدرسة للشافعية والحنفية وكان يمد بها السماط، ويحضر السماع كثيراً، لم يكن له لذة في شيء غيره. وكان يَمْنَع من دخول مُنْكَر بلده، وبنى للصوفية رباطين، وكان ينزل إليهم لأجل السماعات. وكان في السنة يُخْرِج سبيلاً للحج ويبعث للمجاورين بخمسة آلاف دينار، وأجرى الماء إلى عرفات.
وأما احتفاله بالمولد فيقصر التعبير عنه، كان الخلق يقصدونه من العراق والجزيرة وتنصب قباب خشب له ولأمرائه وتزين، وفيها جوق المغاني واللعب، وينزل كل يوم العصر فيقف على كل قبة ويتفرج، ويعمل ذلك أياماً، ويُخْرِج من البقر والإبل والغنم شيئاً كثيراً فتُنْحَر وتُطْبَخ الألوان، ويعمل عدة خلع للصوفية، ويتكلم الوعاظ في الميدان، فينفق أموالاً جزيلة، وقد جمع له ابن دحية «كتاب المولد» فأعطاه ألف دينار.
وكان متواضعاً، خيراً سنياً، يحب الفقهاء والمحدثين، وربما أعطى الشعراء، وما نُقِل أنه انهزم في حرب، وقد ذكر هذا وأمثاله ابن خلكان. مات سنة ثلاثين وست مئة، وعُمل في تابوت، وحُمل مع الحجاج إلى مكة، فاتفق أن الوفد رجعوا تلك السنة لعدم الماء، فدفن بالكوفة رحمه الله تعالى، وعاش اثنتين وثمانين سنة.
وعاش أبوه فوق المئة، وعمي وأصم، وكان من كبار الدولة الأتابكية، ما انهزم قط. ومدحه الحيص بيص، فقال: ما أعرف ما تقول ولكني أدري أنك تريد شيئاً! وأمر له بخلعة وفرس وخمس مئة دينار.
1565