من مآسي الافتراق
المبحث الرابع: المآسي المترتبة على الفرقة السياسية
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
المبحث الرابع
المآسي المترتبة على الفرقة السياسية
وهو بسبب ما كان من استئثار بعض الحكام بجهته أو مدينته، ورضاه بها عن الاجتماع الإسلامي، والأدهى من ذلك والأمر أن صار بعض الحكام يكيد للآخر، ويرضى أن يحدش دينه بمعاونة الكافرين على أخيه المسلم، وهذا من المصائب والدواهي التي ابتليت بها الأمة الإسلامية منذ تسعة قرون إلى الآن، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تكاد تنتهي، لكن أجتزئ منها قديماً ما حصل في الأندلس، وهو الذي بأيدينا فقدناه، وبمعاصينا نكبناه، والحديث فيما حصل فيه من فرقة بين حكامه يطول لكن قد يسأل سائل:
ألم يكن هناك دعاة لدين الله تعالى يحذرون الحكام المسلمين من الخلاف وينبهونهم إلى ما سيحل من العقاب؟ وهذا سؤال في محله، والجواب: بلى كان هناك دعاة إلى الاجتماع والاتحاد ولكن الحكام لم يكونوا متعاطفين مع تلك الدعوة لأن معناها التنازل عما هم فيه من الترف والنعيم والتسليم لخليفة واحد لا يرضونه ولا يريدون حكمه، هذا مع ما جبلت عليه نفوسهم من حب المعاصي والخيانة وتذبذب الولاء والبراء.
وفي تاريخنا الإسلامي مثل مضيء لداعية من الدعاة لم يعجبه موقف الحكام الأندلسيين من سكوتهم على الخطر المنذر بالنهاية ف" رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة لصلة ما انبت (١) من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعون لو صادف أسماعاً واعية، بل نفخ في عظام ناخرة، وعطف على أطلال دائرة، بيد أنه (٢) كلما وفد على ملك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب، وأجزل حظه في التأنيس والتقريب، وهو في الباطن يستجهل نزعته، ويستقل طلعته، وما كان أفطن الفقيه رحمه الله بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنه كان يرجو حالاً تثوب (٣) ومذنباً يتوب (٤) ».
كان هذا الفقيه هو أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى، ولكنه كما قال المقري: «لم يفد شيئاً، فالله تعالى يجازيه عن نيته» (٥)، واستمر رحمه الله تعالى في دعوته تلك ثلاث عشرة سنة حتى «توفي بالمرية سنة ٤٧٤ .. وكان جاء إلى المرية سفيراً بين رؤساء الأندلس
(١) انبت: انقطع.
(٢) أي لكنه.
(٣) أي ترجع.
(٤) «التاريخ الأندلسي» لعبدالرحمن الحجي: ٣٣٩ نقلاً عن «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة»، لابن بسام.
(٥) المرجع السابق.
يؤلفهم على نصرة الإسلام ويروم جمع كلمتهم مع جنود ملك المغرب المرابطين على ذلك فتوفي قبل تمام غرضه رحمه الله» (١).
ولم يكن في الساحة وحده رحمه الله تعالى بل كان معه نجوم هو شمسهم منهم أبوحيان، وأبو الحزم جَهُور بن محمد بن جهور، وابن حزم، والإلبيري، والعسال الطليطلي، وابن عبدالبر، كل هؤلاء شاركوا في جهود الإنقاذ والدعوة إلى الاتحاد والحذر من الخطر القائم، شاركوا بشعرهم وكتابتهم ودروسهم (٢).
لكن كل ذلك لم يفد، واجتاحت النصارى بلاد الأندلس بلداً بلداً، والأمثلة على المآسي المترتبة على ما حصل من فرقة أكثر من أن تحصر لكن ليسمح لي القارئ بإيراد بعض الأمثلة التي تؤذي القلوب وتُهمي العيون لكن لا بد حتى تُعرف المأساة المترتبة على الافتراق من ضياع الأوطان بل الدين والعياذ بالله:
١- بعد أخذ النصارى -لعنهم الله- طليطلة شرعوا في تغيير الجامع إلى كنيسة بعد شهرين مع أن نصوص تسليم المدينة قد نص فيها على «أن يحتفظ المسلمون إلى الأبد بمسجدهم الجامع»، ولما ذهب النصارى إلى الجامع لم يجدوا فيه إلا
(١) المرجع السابق: ٣٤٣ نقلاً عن «ترتيب المدارك» للقاضي عياض.
(٢) انظر المرجع السابق: ٣٤٤-٣٤٧.
«الشيخ الأستاذ المغامي آخر من صدر عنه، واعتمده في ذلك اليوم ليتزود منه... وبين يديه أحد تلامذته يقرأ، فكلما قالوا له: عجل، أشار هو إلى تلميذه بأن أكمل، ثم قام ما طاش ولا تهيب، فسجد فيه واقترب، وبكى عليه ملياً وانتحب، والنصارى يعظمون شأنه ويهابون مكانه، لم تمتد إليه يد، ولا عرض له بمكروه أحد»(١).
٢ - وبعد سقوط بربشتر قدر عدد الأسرى والقتلى ما بين خمسين إلى مائة ألف شخص، "وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لا يحصى، حتى إن الذي خص بعض مقدمي العدو هو قائد خيل رومة نحو ألف وخمسمائة جارية أبكاراً، ومن أوقار(٢) الأمتعة والحلى والكسوة خمسمائة جمل، واقتسم الفرنجة الناس وأخذ كل واحد منهم داراً بمن فيها من أهلها، وكان الفرنج - لعنهم الله تعالى - يفتضون البكر بحضرة أبيها، والثيب بعين زوجها وأهلها، وجرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثله قط فيما مضى من الزمان، ومن لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أعطاهن
(١) «التاريخ الأندلسي» ٣٣٤ نقلاً عن «الذخيرة في محاسن الجزيرة» وغيرها.
(٢) أحمال.
خدمه وغلمانه يعيثون فيهن عيثة، وبلغ الكفرة منهم يؤمّذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة، ولما عزم ملك الروم على القفول إلى بلده تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيبات ذوات الجمال ومن صبيانهم الحسان ألوفاً عدة حملهم معه ليهديهم إلى من هم فوقه(١).
وأورد ابن حيان - رحمه الله تعالى - قصة تبكي القارئ وتذهل العاقل وحاصلها أن تاجراً من تجار اليهود جاء بربشتر ليفتدي بعض بنات ذوي الوجوه المسلمين ممن نجين من الحادثة، وكن تلك البنات قد وقعن في سهم رجل من النصارى يعرفه، فقال:
«فهديت إلى منزله فيها، واستأذنت عليه فوجدته جالساً مكان رب الدار، مستوياً على فراشه، رافلاً في نفيس ثيابه، والمجلس والسرير كما خلفهما ربهما يوم محنته لم يغير شيئاً من رياشهما وزينتهما، ووصائفه مضمومات الشعور، قائمات على رأسه، ساعيات في خدمته، فرحب بي وسألني عن قصدي ... فأشرت إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه وفيهن كانت حاجتي، فتبسم وقال بلسانه: ما أسرع ما طمعت فيما عرضناه لك، اعرض
(١) «نفع الطيب» للمقري: ٦/٢٣٩ - ٢٤٠ بتصرف.
عمن هنا وتعرض لمن شئت ممن صيرته لحصني من سبي وأسراي أقاربك فيمن شئت منهم.
فقلت له: أما الدخول إلى الحصن فلا رأي لي فيه، ويقربك أنست، وفي كنفك اطمأنت، فسُمِّني ببعض من هنا فإني أصير إلى رغبتك.
فقال: وما عندك؟ قلت: العين الكثير الطيب، والبزّ الرفيع الغريب، فقال، كأنك تشهيني ما ليس عندي، يا مجّة، ينادي بعض أولئك الوصائف، يريد «يابهجة» فغيره بعجمته، قومي فاعرضي عليه ما في ذلك الصندوق، فقامت إليه وأقبلت يبدّر (١) الدنانير وأكياس الدراهم وأسفاط الحلي، فكُشف وجعل بين يدي العلج (٢) حتى كادت تواري شخصه، ثم قال لها: أدني إلينا من تلك التخوت، فأدنت منه عدة من قطع الوشي والخرز والديباج الفاخر مما حار له ناظري وبهت، واسترذلت ما عندي.
ثم قال لي: لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به، ثم حلف بإلهه أنه لو لم يكن عنده شيء من هذا ثم بذل له بأجمعه في ثمن تلك ما سخت بها يداه، فهي ابنة صاحب المنزل، وله حسب في قومه،
(١) أوعية.
(٢) النصراني الكافر.
اصطفيتها لمزيد جمالها لولادتي حسبما كان قومها يصنعون بنسائنا نحن أيام دولتهم، وقد رُدَّ لنا الكرة عليهم فصرنا فيما تراه، وأزيدك بأن تلك الخوذة الناعمة (١) - وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى ناحية أخرى - مغنية والدها التي كانت تشدو له على نشواته إلى أن أيقظناه من نوماته، يافلانة، يناديها بلكنه، خذي عودك فغني زائرنا بشجوك.
قال: فأخذت العود، وقعدت تسويه وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسارق العليج مسحه واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا فضلاً عن العليج، فصار من الغريب أن أظهر الطرب منه، فلما يئست مما عنده قمت منطلقاً عنه، وارتدت لتجارتي سواه، واطلعت لكثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم على ما طال عجبي به (٢).
وكفى بهذه القصة دليلاً على ما أصاب المسلمين من الذل، فإننا لله وإنا إليه راجعون.
يا غافلاً وله في الدهر موعظة إن كنت في سنة فالدهر يقظان وماشياً مرحاً يلهيه موطنه أبعد حمص (٣) تغر المرء أوطان تلك المصيبة أنست ما تقدمها ومالها مع طول الدهر نسيان
(١) أي الفتاة الشابة الناعمة.
(٢) «نفح الطيب»: ٢٤٠/٦ - ٢٤٢ بتصرف.
(٣) حمص هي: إشبيلية سميت بذلك لشبهها بحمص.
ياراكين عتاق الخيل ضامرة كأنها في مجال السبق عقبان (١) وحاملين سيوف الهند مرهفة كأنها في ظلام النقع نيران وراتعين وراء البحر في دعة لهم بأوطانهم عز وسلطان أعندكم نبأ من أهل أندلس فقد سرى بحديث القوم ركبان كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسان ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان ألا نفوس أبيات لها همم أما على الخير أنصار وأعوان يامن لذة قوم بعد عزهم أحال حالهم كفر وطغيان بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم واليوم هم في بلاد الكفر عبدان فلو تراهم حيارى لا دليل لهم عليهم من ثياب الذل ألوان ولو رأيت بكاهم عند بيعهم لهالك الأمر واستهوتك أحزان يارب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت كأنما هي ياقوت ومرجان (٢) يقودها العليج للمكروه مكرهة والعين باكية والقلب حيران لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان (٣)
(١) جمع عقاب وهو طائر معروف.
(٢) الطفلة: الفتاة الناعمة البيضاء.
(٣) من قصيدة لأبي البقاء الرندي يرثي فيها الأندلس، وطالعها كاملة في «نفع الطيب»:
٦/٢٧٩-٢٨١.
ج- وبعد سقوط غرناطة يحدثنا التاريخ عن هذا المشهد:
«صعد الكردنال إلى إحدى الأبراج بالقصر (قصر الحمراء)
ونصب فوقه صليباً كبيراً من فضة ولواء الملكية المسيحية.. وما إن أبصرت الملكة الصليب منصوباً فوق قصر الحمراء حتى انحنت نحو الأرض واقفة على ركبتيها وهي تصلي وتوجه الشكر إلى ربها، أثار المشهد الحماس في نفوس أعضاء حاشيتها فعكفوا يرتلون الأناشيد الدينية. عند ذلك بدأ فيرديناند وبعض علية القوم وأعيانهم، يزحفون نحو غرناطة، ولما دخلوا تقدم نحوه أبو عبدالله (ملك غرناطة) ممتطياً جواده ولما دنا من فرناندو تهيأ للنزول عن صهوته ليقدم التحية إلى الملك النصراني لكن هذا الأخير أومأ إليه ألا يفعل، شفقة عليه، فقبّل أبو عبدالله -مع ذلك- ذراع فيرديناند اليمني وقدم إليه مفاتيح القصر»(1).
وهذا الذل الذي قبل به أبو عبدالله الصغير كان رجاء أن يوفي النصارى بوعودهم للمسلمين بالحفاظ على شعائر الإسلام وحرية التدين، فماذا حدث بعد هذه الذلة وهذا التنازل للنصارى؟.
لا تسأل بعد ذلك عما حدث من الملكين فرديناد وإيزابيلا من
(1) «الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب»: ٥٥ نقلاً عن «محنة العرب في الأندلس».
نكث الوعود وإحراق كتب المسلمين (1) لإزهاق الحضارة الإسلامية، ومن فرض التعميد على الأطفال، ومن منع أداء شعائر الإسلام، ومن منع التسمي بأسماء عربية، ومن منع الختان، ومن منع التحدث بالعربية، إلخ...
«ثم بعد ذلك دعاهم (أي ملك غرناطة النصراني) إلى التنصير وأكرههم عليه وذلك في سنة أربع وتسعمائة فدخلوا في دينه كرهاً، وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق من يقول فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله جهراً إلا من يقولها في قلبه أو خفية من الناس، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الأذان، وفي مساجدها الصور والصلبان بعد ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فكم فيها من عين باكية وكم فيها من قلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعدومين، ومن قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل سيلاً غزيراً مدراراً، وينظرون أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان ويأكلون الخنزير ويشربون الخمر
(1) جمع ما يقارب من مليون كتاب مخطوط من المكتبات العامة والمكتبات الخاصة وأحرقت بأمر أحد الكرادلة السفلة في ميدان غرناطة، وكان هذا العدد من الكتب يفوق كافة الكتب الموجودة في مكتبات أوروبا بكاملها، بل لم تكن في أوروبا آنذاك مكتبة واحدة تمكنت من جمع عشرة آلاف مجلد. «موقف الدولة العثمانية»: ٤٠، نقلاً عن «تاريخ الدولة العثمانية» لمؤلفه يلماز أوزوتا.
.. فلا يقدرون على منعهم .. ومن فعل ذلك عوقب أشد العقاب، فيالها من فجيعة ما أمرها ومصيبة ما أعظمها»(1).
الافتراق السياسي في العصر الحديث:
وأما ما حصل من خلاف بين كثير من زعماء الأمة الإسلامية في العصر الحديث فهو أمر مؤسف، ومازال الخلاف مستحكماً بين بعضهم بعضاً حتى حصل المحذور، وتقاتل بعضهم مع بعض، وأذهبوا شوكتهم، وأضعفوا قوتهم، وداخلهم العدو الكافر، ووطئ بأقدامه الدنسة عدداً من بلدانهم، وما كان ليطمع في هذا لولا الفرقة التي وقعت بين بعض حكامهم، وهذا العدو اليهودي الماكر يهدم البيوت، ويقتل الرجال والنساء والأطفال، وصيحاتهم تتعالى ولا مجيب، وما يحصل في الشيشان وكشمير والعراق من مآسٍ يشيب لهولها الولدان، كل ذلك لأسباب على رأسها الفرقة السياسية والخلاف المستحكم بين كثير من رؤوس الأمة الإسلامية، وقد كان ما خاف الصالحون أن يكون فإن الله وإنا إليه راجعون.
ومن أنكى وأشد الأمور على النفوس ما حدث في العصر الحديث من افتراق سياسي في أفغانستان بين الأحزاب المختلفة بعد سقوط كابول
(1) «الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب»: ٥٦-٥٧ بتصرف يسير.
ودخول المجاهدين وكانت الدولة الإسلامية قاب قوسين أو أدنى منهم ولكنهم ضيعوها بسبب ما حدث بينهم من نزاع خطير أدى إلى قيام حرب حقيقية بينهم والتراشق بآلاف الصواريخ ومقتل آلاف الناس، كل ذلك بسبب السعي إلى الزعامة والتفرد، والمطامع الدنيوية، وهذا هو الذي أضاع المشروع الإسلامي الذي كان ينتظره مئات الملايين من المسلمين، وضحا في سبيله بالغالي والنفيس على مدار اثنتي عشرة سنة أو أكثر من عمر الجهاد، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي السودان اليوم يكاد يعصف الخلاف السياسي والخلاف بين الجماعات بالبلد وأهله، وقد برزت لهم الفتن من كل جانب، وهذه دارفور يخطط لها الغرب لتكون مسمار جحا لهم في السودان حتى يفعلوا بها ما فعلوه في العراق فهل يتنبه إخواننا هنالك وينبذون الخلاف والفرقة؟!
ولا تسأل عما ترك الخلاف السياسي في نفوس الناس عامتهم وخاصتهم من الآثار السيئة، وما فعله في الأمة، ويمكن أن أجمل ذلك في الآتي:
١- الإحباط واليأس، والقنوط من تحقيق النصر عند كثير من الناس. ٢- الخوف من العدو المتربص، والتوجس منه شراً، مما أدى إلى حالات من البخل بالمال، والنزوع إلى الفردية في
العمل والتخوف من الاجتماع، وسوء الظن بالآخرين، والعصبية للإقليم.
٣- الفتنة الحاصلة عند كثير من العوام والخواص حيث يقارنون بين الاجتماع السياسي الغربي والفرقة الإسلامية، وهذا يجلب على العوام خاصة أثرين خطيرين هما:
أ- إيثار ومحبة ما عليه الغرب من نظم سياسية.
ب- النظر بعين الازدراء - والعياذ بالله - إلى النظم الإسلامية كالشورى مثلاً، والتصريح بأنها لم تفد شيئاً في هذا الزمان بل منذ أزمان، فهم لا يدركون أن المشكلة تكمن في سوء التطبيق وليس في أصل النظام الإسلامي العظيم.
٤- فقدان الشعور بأهمية اجتماع الأمة الإسلامية واتفاقها على الغايات الكبرى، بل فقد كثير من العوام الشعور بالانتماء الإسلامي العام إلى أمة واحدة.
٥- عدم الاجتماع السياسي أدى إلى قيام بعض الأفراد بتصرفات منفردة معزولة عن باقي الأمة لا تصح شرعاً أورثت الأمة نكبات لا تزال تعاني منها إلى الآن، ومنها إعلان الجهاد من قبل قلة قليلة بدون ضوابط ولا مراعاة لحال الأمة مما أدى
إلى كوارث، وأقرب مثال على هذا ما حدث في أمريكا ويحدث في بعض البلاد العربية والإسلامية.
٦- استمرار هذه الفرقة السياسية يُعضد قول العلمانيين ومن لفّ لفهم أن الاجتماع الإسلامي لم يكن والأحكام الشرعية لم تطبق إلا مدة الخلفاء الراشدين ثم تمزقت الأمة ولا سبيل لاجتماعها من جديد، وأن كل محاولة لجمعها إنما هي صرخة في واد، وفي هذا من المجافة للحقيقة ومن التثبيط ما فيه، فليحذر.