نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٩١ زيد بن ثابت (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٩١ زيد بن ثابت (ع) (١)
[١] أبو الضحاك، الإمام الكبير، شيخ المقرئين، والفرَضِيّين، مفتي المدينة أبو سعيد، وأبو خارجة. الخزرجي، النُّجَّارِيُّ الأنصاري. كاتب الوحي، رضي الله عنه.
وكان من حَمَلَة الحُجَّة، وكان عمرُ بنُ الخطاب يستخلفه إذا حَجَّ على المدينة. وهو الذي تولى قسمة الغنائم يوم اليرموك. وقد قُتِلَ أبوه قبل الهجرة يوم بُعاث (٢)، فَرُبِّي زيدٌ يتيماً. وكان أحد الأذكياء. فلما هاجر النبي ﷺ، أسلم زيد. وهو ابنُ إحدى عشرة سنة.
[٢] عن خارجة، عن أبيه، قال: أتى بي النبي ﷺ مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة. فقرأت على رسول الله ﷺ، فأعجبه ذلك، وقال: «يا زيد، تعلّم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمنهم على كتابي».
قال: فتعلمته. فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، وكنت أكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب إليهم.
عن ثابت بن عبيد، قال زيد: قال لي رسول الله: «أَتَحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ؟» قلت: لا، قال: «فَتَعَلَّمَهَا» فتعلمتها في سبعة عشر يوماً.
[٣] وقال عبيد بن السباق، حدثني زيد، أن أبا بكر قال له: إنك رجل شاب عاقل لا تنهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه. فقلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ.
قال: هو والله خير.
(١) انظر السير: ٢/٤٢٦-٤٤١.
(٢) هو موضع على ليلتين من المدينة المنورة، وفيه كانت الوقعة، واليوم المنسوب إليه بين الأوس والخزرج، وأخرج البخاري ٧/٥٨ في أول مناقب الأنصار، من طريق عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله ﷺ، فقدم الرسول ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، فقدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم للإسلام.
174
فلم يزل أبو بكر يُراجِعني، حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر
وعمر، فكنتُ أتبع القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعُسب وصُدور الرجال.
[١] عن أنس، عن النبي ﷺ: «أفرض أمتي زيد بن ثابت».
عن الشعبي، قال: غلب زيد على الثنتين: الفرائض والقرآن.
[٢] عن أبي سعيد، قال: لما توفي رسول الله، قام خطباء الأنصار، فتكلموا،
وقالوا: رجل منا، ورجل منكم، فقام زيد بن ثابت، فقال: إن رسول الله كان من
المهاجرين ونحن أنصاره، وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره.
فقال أبو بكر: جزاكم الله خيراً يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، ولو قلتم غير هذا
ما صالحناكم.
[٣] قال خارجة بن زيد: كان عمر يستخلف أبي، فقلما رجع إلا أقطعه حديقة من
نخل.
[٤] عن أبي سلمة، أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت، فأخذ له بركابه، فقال:
تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ! فقال هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا.
[٥] عن الزهري، بلغنا أن زيد بن ثابت كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟
فإن قالوا: نعم حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن. قال: فذروه حتى
يكون.
[٦] عن ثابت بن عبيد، قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله وأزمته عند الله
[٧] عن ابن سيرين، قال: خرج زيد بن ثابت يريد الجمعة، فاستقبل الناس
راجعين، فدخل داراً، فقيل له فقال: إنه من لا يستحي من الناس لا يستحي من
الله.
[٨] عن عمار بن أبي عمار، قال: لما مات زيد، جلسنا إلى ابن عباس في ظل،
فقال: هكذا ذهاب العلماء، دفن اليوم علم كثير.
[٩] عن مكحول: أن عبادة بن الصامت دعا نبطياً يمسك دابته عند بيت المقدس،
(١) الزميت: الحليم الساكن القليل الكلام.
175
فأبى، فضربه فشجّه. فاستعدى عليه عُمر. فقال: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا؟ قال: أمرته، فأبى، وأنا في حِدّة، فضربته. فقال: اجلس للقصاص. فقال زيد بن
ثابت: أتقيد لعبدك من أخيك؟ فترك عمر القود، وقضى عليه بالدية.
[١] ومن جلالة زيد: أن الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من أفواه الرجال، ومن الأكتاف والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة. فكانت عند الصديق، ثم تسلّمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة، إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت ونفراً من قريش إلى كتاب هذا المصحف العثماني الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة. ولم يبق بأيدي الأمة
قرآن سواه. والله الحمد.
مات سنة خمس وأربعين، عن ست وخمسين سنة.
176