نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٤ أبو الدَّرْدَاء (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٤ أبو الدَّرْدَاء (ع) (١)
[١] الإمام القدوة. قاضي دمشق، وصاحب رسول الله ﷺ، أبو الدرداء عويمر بن
زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي.
حكيم هذه الأمة. وسيد القراء بدمشق.
وهو معدود فيمن تلا على النبي ﷺ، ولم يلبغنا أبداً أنه قرأ على غيره. وهو معدود
فيمن جمع القرآن في حياة الرسول ﷺ.
وتصدر للإقراء بدمشق في خلافة عثمان، وقبل ذلك.
مات قبل عثمان بثلاث سنين.
[٢] عن خيثمة: قال أبو الدرداء: كنت تاجراً قبل المبعث، فلما جاء الإسلام،
جمعت التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فتركت التجارة، ولزمت العبادة.
قلت: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة
من السلف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى
على الجمع، كالصديق، وعبد الرحمن بن عوف.
وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يعجز، ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى
في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس، وكل سائغ. ولكن لا بد من النهضة بحقوق
الزوجة والعيال.
[٣] قال أبو الزاهرية: كان أبو الدرداء من آخر الأنصار إسلاماً، وكان يعبد صنماً،
فدخل ابن رواحة، ومحمد بن مسلمة بيته فكسرا صنمه، فرجع فجعل يجمع
الصنم، ويقول: ويحك! هلا امتنعت! ألا دفعت عن نفسك، فقالت أم الدرداء:
لو كان ينفع أو يدفع عن أحد، دفع عن نفسه، ونفعها!
فقال أبو الدرداء: اعدي لي ماء في المغتسل. فاغتسل، وليس حلته، ثم ذهب
إلى النبي ﷺ، فنظر إليه ابن رواحة مقبلاً، فقال: يا رسول الله، هذا أبو الدرداء،
وما أراه إلا جاء في طلبنا؟ فقال: «إنما جاء ليسلم، إن ربي وعدني بأبي الدرداء
أن يسلم».
(١) انظر السير: ٢/٣٣٥-٣٥٣.
157
[١] عن مكحول: كانت الصحابة يقولون: أرحمنا بنا أبو بكر، وأنطقنا بالحق عمر، وأميننا أبو عبيدة، وأعلمنا بالحرام والحلال معاذ، وأقرأنا أبي، ورجل عنده علم ابن مسعود، وتبعهم عويمر أبو الدرداء بالعقل.
وقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء.
[٢] وروى عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ آخى بين سلمان وأبي الدرداء، فجاءه سلمان يزوره، فإذا أم الدرداء متبدلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل، ويصوم النهار.
فجاء أبو الدرداء فرحب به، وقرب إليه طعاماً. فقال له سلمان: كل. قال: إني صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرن. فأكل معه. ثم بات عنده، فلما كان من الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم، فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقاً ولربك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً، صم وافطر، وصل، وانت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه.
فلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت، فقاما، فتوضأ، ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله بالذي أمره سلمان: فقال له: «يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقاً، مثل ما قال لك سلمان».
[٣] وقال خالد بن معدان: كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين. فيقال: من العاقلان؟ فيقول: معاذ، وأبو الدرداء.
[٤] عن محمد بن كعب، قال: جمع القرآن خمسة: معاذ، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبي وأبو أيوب. فلما كان زمن عمر، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا، وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم. فأعني برجال يعلمونهم.
فدعا عمر الخمسة، فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا.
158
فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير - لأبي أيوب - وأما هذا فسقيم - لأبي فخرج معاذ وعبادة، وأبو الدرداء.
فقال عمر: ابدؤوا بحمص، فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك، فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم، فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين. قال: فقدموا حمص فكانوا بها، حتى إذا رضوا من الناس، أقام بها عبادة بن الصامت، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، فمات في طاعون عمواس. ثم صار عبادة بعد إلى فلسطين وبها مات. ولم يزل أبو الدرداء بدمشق حتى مات.
[١] عن ابن أبي ليلى، قال: كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد: سلام عليك. أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله، أبغضه الله، فإذا أبغضه الله، بغضه إلى عباده.
[٢] عن أبي الدرداء: إني لأمركم بالأمر وما أفعله، ولكن لعل الله يأجرني فيه. [٣] عن مسلم بن مشكم: قال لي أبو الدرداء: اعدد من في مجلسنا. قال: فجاءوا ألفا وست مئة ونيفاً. فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح، انفتل وقرأ جزءاً، فيحدقون به يسمعون ألفاظه. وكان ابن عامر مقدماً فيهم. وقال هشام بن عمار: حدثنا يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، قال: كان أبو الدرداء يصلي، ثم يقرى ويقرأ، حتى إذا أراد القيام، قال لأصحابه: هل من وليمة أو عقيقة نشهدها؟ فإن قالوا: نعم، وإلا قال: اللهم إني أشهدك أني صائم. وهو الذي سن هذه الحلق للقراءة.
[٤] وعن يزيد بن معاوية، قال: إن أبا الدرداء من العلماء الفقهاء، الذين يشفون من الداء. عن سالم بن أبي الجعد، قال أبو الدرداء: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالك لا يتعلمون! تعلموا، فإن العالم والمتعلم شريكان في الأجر. [٥] عن ميمون بن مهران، قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات.
159
[١] عن عون بن عبدالله: قلتُ لأم الدرداء: أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟
قالت: التفكر والاعتبار.
وعن أبي الدرداء: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
[٢] عن ابن حليس: قيل لأبي الدرداء - وكان لا يفتُر من الذكر - كم تسبح في كل
يوم؟ قال: مئة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع.
[٣] عن أبي البختري، قال: بينا أبو الدرداء يُوقد تحت قدر له، إذ سمعت في القدر
صوتا ينشج، كهيئة صوت الصبي، ثم انكفأت القدر، ثم رجعت إلى مكانها، لم
ينصب منها شيء. فجعل أبو الدرداء ينادي: يا سلمان، انظر إلى ما لم تنظر إلى
مثله أنت ولا أبوك! فقال له سلمان: أما أنك لو سكت، لسمعت من آيات ربك
الكبرى.
[٤] عن بلال بن سعد، أن أبا الدرداء قال: أعوذ بالله من تفرقة القلب. قيل: وما
تفرقة القلب؟ قال: أن يجعل لي في كل واد مال.
[٥] روي عن أبي الدرداء، قال: لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر،
والسجود في الليل، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطياب الثمر.
[٦] حريز بن عثمان: حدثنا راشد بن سعد، قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء،
فقال: أوصني. قال: اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء، وإذا ذكرت الموتى،
فاجعل نفسك كأحدهم، وإذا أشرفت نفسك على شيء من الدنيا، فانظر إلى ما
يصير.
[٧] عن عبد الله بن مرة، أن أبا الدرداء قال: اعبد الله كأنك تراه، وعد نفسك في
الموتى، وإياك ودعوة المظلوم، واعلم أن قليلاً يغنيك خير من كثير يلهيك، وأن
البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى.
[٨] عن أبي الدرداء: إياك ودعوات المظلوم، فإنهن يصعدن إلى الله كأنهن شرارت
من نار.
[٩] وروى لقمان بن عامر، أن أبا الدرداء قال: أهل الأموال يأكلون وتأكل، ويشربون
ونشرب، ويلبسون ونلبس، ويركبون ونركب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها،
160
وننظر إليها معهم، وحسابهم عليها ونحن منها براء. [١] عن ابن جبير، عن أبيه، قال: لما فتحت قبرس مر بالسبي على أبي الدرداء، فبكى، فقلت له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: يا جبير، بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله، فلقوا ما ترى ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه.
[٢] عن أم الدرداء، قالت: كان لأبي الدرداء ستون وثلاث مئة خليل في الله. يدعو لهم في الصلاة، فقلت له في ذلك، فقال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب، إلا وكل الله به ملكين يقولان: ولك بمثل. أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة. [٣] قالت أم الدرداء: لما احتضر أبو الدرداء، جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟
مات أبو الدرداء سنة اثنتين وثلاثين. [٤] لما جاء نعي - يعني ابن مسعود - إلى أبي الدرداء قال: أما إنه لم يخلف بعده مثله.
[٥] وقيل: الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل، ولكل عشرة منهم ملقن وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائماً، فإذا أحكم الرجل منهم، تحول إلى أبي الدرداء - يعني يعرض عليه. [٦] وعن أبي الدرداء، قال: من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده.
161