نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٣٦٣ - اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (ع) (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٣٦٣ - اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (ع) (٢)
[٦] ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْإِمَامُ الْحَافِظُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَعَالِمُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، أَبُو
الْحَارِثِ الْفَهْمِيِّ مَوْلَى خَالِدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ظَاعِنٍ.
مَوْلِدُهُ: بِقَرْقَشَنْدَةَ - قَرْيَةٌ مِنْ أَسْفَلِ أَعْمَالِ مِصْرَ - فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ.
[٧] كَانَ اللَّيْثُ رَحِمَهُ اللهُ فَقِيَّةَ مِصْرَ، وَمُحَدِّثَهَا، وَمُحْتَشِمَهَا، وَرَئِيسَهَا، وَمَنْ يَفْتَخِرُ
بِوُجُودِهِ الْإِقْلِيمِ، بِحَيْثُ إِنْ مَتَوَلَّى مِصْرَ وَقَاضِيهَا وَنَاظِرَهَا، مِنْ تَحْتِ أَوَامِرِهِ،
وَيَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ، وَمَشُورَتِهِ، وَلَقَدْ أَرَادَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى أَنْ يَنْوِبَ لَهُ عَلَى الْإِقْلِيمِ،
فَاسْتَعْفَى مِنْ ذَلِكَ.
626
[١] قال الحسن بن يوسف بن مُلَيح: سمعتُ أبا الحسن الخادم، قال: كنتُ غلاماً لزيدة، وأتى بالليث بن سعد تستفتيه فكنتُ واقفاً على رأس ستي زبيدة، خلف الستارة، فسأله الرشيد، فقال له: خلفتُ إن لي جنتين، فاستحلفه الليث ثلاثاً: إنك تخاف الله؟ فحلف له، فقال: قال الله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]. قال: فأقطعه قطائع كثيرة بمصر.
قلت: إن صح هذا، فهذا كان قبل خلافة هارون.
وقال ابن بكير: كان الليث فقيه البدن، عربي اللسان، يُحسِن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث، حسن المذاكرة، فما زال يذكر خصالاً جميلة، ويُعقَد بيده، حتى عقد عشرة: لم أر مثله.
هارون بن سعيد: سمعت ابن وهب يقول: كل ما كان في كتب مالك: وأخبرني من أرضى من أهل العلم، فهو الليث بن سعد.
[٢] عثمان بن صالح، قال: كان أهل مصر ينتقصون عثمان، حتى نشأ فيهم الليث فحدثهم بفضائله، فكفوا. وكان أهل حمص ينتقصون علياً حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائل علي، فكفوا عن ذلك.
[٣] قال قتيبة: كان الليث يستغل عشرين ألف دينار في كل سنة، وقال: ما وجبت علي زكاة قط. وأعطى الليث ابن لهيعة ألف دينار، وأعطى مالكاً ألف دينار وأعطى منصور بن عمار الواعظ ألف دينار وجارية تسوى ثلاثة مئة دينار.
[٤] وجاءت امرأة إلى الليث، فقالت: يا أبا الحارث، إن ابناً لي عليل، واشتهى عسلاً، فقال: يا غلام، اعطها مرطاً من عسل، والمرط: عشرون ومئة رطل.
[٥] عبد الله بن صالح، قال: صحبت الليث عشرين سنة، لا يتغذى ولا يتعشى إلا مع الناس. وكان لا يأكل إلا بلحم إلا أن يمرض.
[٦] كان الليث له كل يوم أربعة مجالس يجلس فيها: أما أولها، فيجلس لنائبة السلطان في نوائبه وحوائجه، وكان الليث يغشاه السلطان، فإذا أنكر من القاضي
627
أمراً، أو من السلطان، كتب إلى أمير المؤمنين، فيأتيه العزل، ويجلس لأصحاب الحديث، وكان يقول: نَجِّحُوا أَصْحَابَ الْحَوَانِيَتِ، فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِأَسْوَاقِهِمْ، ويجلس للمسائل، يغشاه الناس، فيسألونه، ويجلس لحوائج الناس، لا يسأله أحدٌ فيرده، كَبُرَتْ حاجته أو صَغُرَتْ. وكان يُطْعِمُ النَّاسَ فِي الشِّتَاءِ الْهَرَائِسَ بِعَسَلِ النَّحْلِ وَسَمَنِ الْبَقْرِ، وَفِي الصَّيْفِ سَوِيقُ اللَّوْزِ فِي السُّكْرِ.
[١] قيل لَيْلَت: أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِي كُتُبِكَ، فَقَالَ: أَوْ كُلُّ مَا فِي صَدْرِي فِي كُتُبِي؟ لَوْ كَتَبْتُ مَا فِي صَدْرِي، مَا وَسَعَهُ هَذَا الْمَرْكَبُ. أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهَبٍ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ إِلَّا أَنْ أَصْحَابَهُ لَمْ يَقُومُوا بِهِ.
مَاتَ اللَّيْثُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِئَةٍ.
[٢] قَالَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الصَّرْفِيُّ: شَهِدْتُ جَنَازَةَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مَعَ وَالِدِي، فَمَا رَأَيْتُ جَنَازَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، رَأَيْتُ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَلَيْهِمُ الْحَزَنَ، وَهُمْ يُعْزِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَيَبْكُونَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ صَاحِبُ هَذِهِ الْجَنَازَةِ، فَقَالَ: يَا بَنِيَّ، لَا تَرَى مِثْلَهُ أَبَداً.
628