نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
١- أبو عبيدة بن الجراح (م، ق)(١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
١- أبو عبيدة بن الجراح (م، ق)(١)
[١] عامر بن عبدالله بن الجراح القرشي الفهري المكي أحد السابقين الأولين ومن عزم الصديق على توليته الخلافة وأشار به يوم السقيفة لكمال أهليته عند أبي بكر. يجتمع في النسب هو والنبي ﷺ في فهر. شهد له النبي ﷺ بالجنة، وسماه أمين الأمة، ومناقبه شهيرة جمة.
[٢] روى أحاديث معدودة، وغزا غزوات مشهودة.
[٣] عن يزيد بن رومان قال: انطلق ابن مظعون، وعبيدة بن الحارث وعبد الرحمن ابن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله ﷺ فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه فأسلموا في ساعة واحدة وذلك قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم.
[٤] وقد شهد أبو عبيدة بدرًا فقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحد بلاءً حسنًا، ونزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة رسول الله ﷺ من ضربة أصابته فانقلعت ثبتيته، فحسن ثغره بذهابهما حتى قيل: ما روي هتم أحسن من هتم أبي عبيدة(١).
[٥] قال الزبير بن بكار: قد انقرض نسل أبي عبيدة وولد إخوته جميعاً وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة.
(١) انظر السير: ١/٥ - ٢٣ (٢) الهتم: كسر الثنايا من أصولها.
9
قلتُ: إن كان هاجر إليها فإنه لم يُطل بها اللبث.
[١] وكان أبو عبيدة معدوداً فيمن جمع القرآن العظيم.
[٢] قال موسى بن عُقْبَة في (مغازيه): غزوة عمرو بن العاص هي غزوة ذات
السلاسل من مشارف الشام فخاف عمرو من جانبه ذلك فاستمد رسول الله ﷺ،
فانتدب أبا بكر وعمر في سراء من المهاجرين فأمر نبي الله عليهم أبا عبيدة فلما
قدموا على عمرو بن العاص قال: أنا أميركم فقال المهاجرون: بل أنت أمير
أصحابك وأميرنا أبو عبيدة. فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددت بكم. فلما رأى ذلك
أبو عبيدة بن الجراح وكان رجلاً حسن الخلق، لين الشيمة، متبعاً لأمر رسول الله
ﷺ وعهده، فسلم الإمارة لعمرو.
[٣] وثبت من وجوه عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل أمة أميناً وأمين هذه
الأمة أبو عبيدة بن الجراح».
[٤] عن عمرو بن العاص قال: قيل يا رسول الله: أي الناس أحب إليك؟ قال:
عائشة. قيل: من الرجال؟ قال أبو بكر، قيل: ثم من؟ قال: ثم أبو عبيدة بن
الجراح.
[٥] وكان أبو عبيدة موصوفاً بحسن الخلق، وبالحلم الزائد والتواضع.
[٦] قال عمر لجلسائه: تمنوا، فتمتوا، فقال عمر: لكني أتمنى بيتاً ممتلئاً رجالاً مثل
أبي عبيدة بن الجراح.
[٧] قال: خليفة بن خياط: وقد كان أبو بكر ولي أبا عبيدة بيت المال.
قلتُ: يعني أموال المسلمين فلم يكن بعد عمل بيت مال، فأول من اتخذه
عمر.
[٨] وقال ابن المبارك في (الجهاد) له: عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه
قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حصر بالشام ونال منه العدو فكتب إليه عمر: أما بعد،
فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة، إلا جعل الله بعدها فرجاً، وإنه لا يغلب عسر يسرين
10
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية [آل عمران ٢٠٠]. قال: فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فإن الله يقول: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إلى قوله ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد ٢٠] قال: فخرج عمر بكتابه، فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة إنما يُعرِّض بكم أبو عبيدة أو بي ارغبوا في الجهاد. [١] وقال ثابت البناني: قال أبو عبيدة: يا أيها الناس! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمر ولا أسود يُفضِّلني بتقوى، إلا وَدَدْتُ أني في مَسْلاخه. [٢] عن قتادة، قال أبو عبيدة بن الجراح، وَدَدْتُ أني كنت كَبْشاً، فيذبحني أهلي، فيأكلون لحمي، ويَحْسُون مرقي.
[٣] عن طارق، أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عَرَضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجِّل إلي، فلما قرأ الكتاب، قال: عرفتُ حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقي، فكتب: إني قد عرفتُ حاجتك، فحلَّلني من عزيمتك، فإني في جندٍ من أجناد المسلمين، لا أرغبُ بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب، بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا. وكأن قد.
قال فتوفي أبو عبيدة، وانكشف الطاعون.
[٤] وقد استعمل النبي ﷺ أبا عبيدة غير مرة، منها المرة التي جاع فيها عسكره، وكانوا ثلاث مئة، فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله، وفي سبيل الله، فكلوا، وذكر الحديث، وهو في «الصحيحين».
[٥] ولما تفرَّغ الصديق من حرب أهل الردة، وحرب مُسليمة الكذاب جهَّز أمراء الأجناد لفتح الشام. فبعث أبا عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرَّخيل بن حسنة، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، فجاءت البشرى، والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فحل، ووقعة مرج الصفر، وكان قد سيَّر أبو بكر خالداً لغزو العراق، ثم بعث إليه ليُنجِد من بالشام،
11
فقطع المفاوز على برية السماوة، فأمره الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبو بكر. فبادر عمر بعزل خالد، واستعمل على الكل أبا عبيدة، فجاءه التقليد، فكتمه مدة، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك أظهر التقليد، ليعقد الصلح للروم، ففتحوا له باب الجابية صلحاً، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح. فعن المغيرة: أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقتل منهم خلق عظيم. [١] توفي أبو عبيدة في سنة ثمان عشرة، وله ثمان وخمسون سنة.
12