نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٤ - عبدالرحمن بن عوف (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٤ - عبدالرحمن بن عوف (ع) (١)
[٢] أحد العشرة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين البدريين، القرشي الزهري. وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام.
وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل عبد الكعبة، فسماه النبي ﷺ عبدالرحمن.
[٣] عن ابن عباس قال: جلسنا مع عمر، فقال: هل سمعت عن رسول الله ﷺ شيئاً أمر به المرء المسلم إذا سها في صلاته، كيف يصنع؟ فقلت: لا والله، أو سمعت أنت يا أمير المؤمنين من رسول الله في ذلك شيئاً؟ فقال: لا والله. فبينما نحن في ذلك أتى عبدالرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما؟ فقال عمر: سألتُه، فأخبره. فقال له عبدالرحمن: لكني قد سمعت رسول الله ﷺ يأمر في ذلك. فقال له عمر: فأنت عندنا عدل فماذا سمعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا سها أحدكم في صلاته حتى لا يدري أزاد أم نقص، فإن كان شك في الواحدة والثنتين، فليجعلها
(١) انظر السير: ١/٦٨-٩٢
17
واحدة، وإذا شك في الثنتين أو الثلاث، فليجعلها ثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع، فليجعلها ثلاثاً حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين، وهو جالس، قبل أن يسلّم، ثم يسلّم».
[١] فأصحاب رسول الله ﷺ وإن كانوا عدولاً فبعضهم أعدل من بعض وأثبت فهنا عمرٌ قنع بخبر عبدالرحمن، وفي قصة الاستئذان يقول: ائت بمن يشهد معك، وعلي بن أبي طالب يقول: كان إذا حدثني رجل عن رسول الله ﷺ، استحلفته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر. فلم يَحْتَجْ علي أن يستحلف الصديق، والله أعلم.
[٢] قال المدائني: وُلد عبدالرحمن بعد عام الفيل بعشر سنين.
عن ابن اسحاق قال: كان ساقط الثنتين، أهتم، أعسر، أعرج، كان أصيب يوم أحد فهتم، وجرح عشرين جراحة، بعضها في رجله، فعرج. قال عثمان: ما يستطيع أحد أن يعتد على هذا الشيخ فضلاً في الهجرتين جميعاً.
[٣] ومن مناقبه أن النبي ﷺ، شهد له بالجنة، وأنه من أهل بدر، ومن أهل هذه الآية ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح ١٨] وقد صلى رسول الله ﷺ وراءه.
[٤] عن عمرو بن وهب الثقفي قال: كنا مع المغيرة بن شعبة، فسئل: هل أم النبي ﷺ أحد من هذه الأمة غير أبي بكر؟ فقال: نعم. فذكر أن النبي ﷺ، توضأ، ومسح على خفيه وعمامته، وأنه صلى خلف عبدالرحمن بن عوف، وأنا معه، ركعة من الصبح، وقضينا الركعة التي سبقنا.
[٥] عن قتادة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ [التوبة ٧٩] قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله أربعة آلاف دينار. فقال أناس من المنافقين: إن عبدالرحمن لعظيم الرياء.
18
[١] عن شقيق قال: دخل عبدالرحمن على أم سلمة فقال: يا أم المؤمنين! إني أخشى أن أكون قد هلكت، إني من أكثر قريش مالاً، بعث أرضاً لي بأربعين ألف دينار. قالت: يا بني! أنفق، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أصحابي من لن يراني بعد أن أفارقه»، فأتيت عمر فأخبرته. فأتاها، فقال: بالله أنا منهم؟ قالت: اللهم لا، ولن أبرىء أحداً بعدك.
[٢] عن أبي هريرة قال: كان بين خالد وعبدالرحمن بن عوف شيء، فقال رسول الله ﷺ، «دعوا لي أصحابي أو أصيحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه».
[٣] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «خياركم خياركم لنسائي». فأوصى لهن عبد الرحمن بحديقة، قوّمت بأربع مئة ألف.
[٤] ومن أفضل أعمال عبدالرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابياً فيها، لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.
[٥] إبراهيم بن عبدالرحمن، قال: غشي على عبدالرحمن بن عوف في وجعه حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه، حتى قاموا من عنده، وجللوه، فأفاق يكبر، فكبر أهل البيت، ثم قال لهم: غشي علي آنفاً؟ قالوا: نعم قال: صدقتم! انطلق بي في غشيتي رجلان أجد فيهما شدة وفظاظة، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فانطلقا بي حتى لقيا رجلاً، قال: أين تذهبان بهذا؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين. فقال: ارجعا فإنه من الذين كتب لهم السعادة والمغفرة وهم في بطون أمهاتهم، وإنه سيُمتع به بنوه إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهراً. قال إبراهيم بن سعد: عن أبيه، عن جده، سمع علياً يقول يوم مات عبدالرحمن ابن عوف: اذهب يا ابن عوف! فقد أدركت صفوها وسبقت رتقها. الرنق: الكدر.
19
[١] عن أنس قال: رأيتُ عبدالرحمن بن عوف، قُسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مئة ألف.
[٢] ولما هاجر إلى المدينة فقيراً لا شيء له، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع أحد النقباء، فعَرَضَ عليه أن يُشاطِرَهُ نعمته، وأن يطلّق له أحسن زوجتيه، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلّني على السوق. فذهب فباع واشترى، وربح، ثم لم ينشب أن صار معه دراهم، فتزوّج امرأة على زِنة نواة من ذهب، فقال له النبي ﷺ: «أولم ولو بشاة» ثم آل أمره في التجارة إلى ما آل.
[٣] وفاته في سنة اثنتين وثلاثين، ودُفن بالبقيع.
[٤] قال أبو عمر بن عبدالبر: كان مجدوداً في التجارة خلّف ألف بعير، وثلاثة آلاف
شاة، ومئة فرس. وكان يزرع بالجُرف (١)، على عشرين ناضحاً.
قلت: هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر وأبو عبيدة زاهد
عفيف.
(١) موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.
20