تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

١٣٥- عبد الله بن عمر (ع) (٢)

الصفحات 253–263 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 14 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

١٣٥- عبد الله بن عمر (ع) (٢)

[٣] ابن الخطاب، الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي، ثم المدني. أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه لم يحتلم، واستصغر يوم أحد فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وأمه وأم أم المؤمنين حفصة، زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون الجمحي.

(٢) انظر السير: ٣ / ٢٠٣ - ٢٣٩.

253

[١] روى علماً كثيراً نافعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قدم الشام والعراق والبصرة وفارس غازياً.

[٢] عن نافع: أن ابن عمر كان يصفر لحيته.

عن زيد بن أسلم: أن ابن عمر كان يصفر حتى يملأ ثيابه منها، فقيل له:

تصبغ بالصفرة؟ فقال. إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها.

شريك: عن محمد بن زيد، رأى ابن عمر يصفر لحيته بالخلوق والزعفران.

[٣] عن نافع: كان ابن عمر يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة.

[٤] وقال ابن يونس: شهد ابن عمر فتح مصر، واختط بها، وروى عنه أكثر من

أربعين نفساً من أهلها.

[٥] قال أبو إسحاق السبيعي: رأيت ابن عمر آدم، جسيماً، إزاره إلى نصف

الساقين، يطوف.

[٦] وروى سالم، عن أبيه، قال: كان الرجل في حياة رسول الله صلى الله عليه

وسلم إذا رأى رؤيا، قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت غلاماً

عزباً شاباً فكنت أنام في المسجد، فرأيت كأن ملكين أتياني، فذهب بي إلى

النار. فإذا هي مطوية كطي البئر، ولها قرون كقرون البئر، فرأيت فيها ناساً قد

عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقينا ملك فقال: لن تراع.

فذكرتها لحفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

«نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ». قال: فكان لا ينام من الليل

إلا القليل.

[٧] قال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر.

[٨] وعن عائشة: ما رأيت أحداً ألزم للأمر الأول من ابن عمر.

[٩] وقال أبو إسحاق السبيعي: كنا نأتي ابن أبي ليلى، وكانوا يجتمعون إليه فجاءه

254

أبو سلمة بن عبد الرحمن، فقال: أعمر كان أفضل عندكم أم ابنه؟ قالوا: بل عمر، فقال: إن عمر كان في زمان له فيه نظراء، وإن ابن عمر بقي في زمان ليس له فيه نظير.

[١] وقال ابن المسيب: لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر. وقال قتادة: سمعت ابن المسيب يقول: كان ابن عمر يوم مات خير من بقي. وبإسناد وسط، عن ابن الحنفية: كان ابن عمر خير هذه الأمة. وقال ابن سيرين: كان نقش خاتم ابن عمر (عبدالله بن عمر). [٢] عن نافع، قال: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلت: هذا مجنون.

[٣] عن نافع: أن ابن عمر كان يتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مكان صلى فيه، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس. [٤] عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تركنا هذا الباب للنساء» قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. قال الشعبي: جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً واحداً.

[٥] عن عبدالله بن عبيد بن عمير، عن أبيه: أنه تلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] فجعل ابن عمر يبكي حتى لثقت لحيته وجيبه من دموعه، فأراد رجل أن يقول لأبي: أقصر، فقد أذيت الشيخ. (١) [٦] عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ

(١) أخرجه ابن سعد ١٦٢/٤ من طريق موسى بن مسعود بهذا الإسناد، وموسى بن مسعود - وهو أبو حذيفة النهدي - سبيء الحفظ، وباقي السند رجاله ثقات وقوله: (حتى لثقت لحيته) أي: ابتلت، يقال: لثق الطائر: إذا ابتل ريشه.

255

الله﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتى يغلبه البكاء.

[١] قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل

صلاة، والمصحف فيما بينهما.

[٢] عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيى بقية ليلته.

[٣] عمر بن محمد بن زيد، أخبرنا أبي: أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء،

فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم،

فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة. (١)

[٤] وقال ابن شهاب، عن سالم: ما لعن ابن عمر خادماً له إلا مرة فأعتقه.

[٥] عن عبدالله بن دينار، قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة فعرسنا، فانحدر

علينا راع من جبل، فقال له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم، قال: يعني شاة من

الغنم. قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك: أكلها الذئب. قال: فأين الله عز

وجل؟ قال ابن عمر: فأين الله!! ثم بكى، ثم اشتراه بعد، فأعتقه.

وفي رواية ابن أبي رواد، عن نافع، فأعتقه، واشترى له الغنم.

[٦] عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلاماً له بأربعين ألفاً،

فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له، حتى أدى خمسة عشر ألفاً،

فجاءه إنسان، فقال: أمجنون أنت؟ أنت ها هنا تعذب نفسك وابن عمر يشتري

الرفيق يميناً وشمالاً، ثم يعتقهم، ارجع إليه، فقل: عجزت. فجاء إليه

بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن! قد عجزت وهذه صحيفتي، فامحها. فقال:

لا، ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبدالله، وقال: اذهب

فأنت حر. قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابني. قال: هما حران. قال:

أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولدي. قال: هما حرتان.

(١) المهراس: صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء، وقد يعمل منها حياض للماء.

256

[١] عاصم بن محمد العمري: عن أبيه، قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر

بنافع عشرة آلاف فدخل على صَفِيَّةَ امرأته، فحدثها، قالت فما تنتظر؟ قال: فهلا

ما هو خير من ذلك، هو حر لوجه الله، فكان يُخَيَّلُ إليَّ أنه كان ينوي قول الله

﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].

[٢] عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليُفَرِّقُ في المجلس ثلاثين ألفاً، ثم يأتي عليه

شهر ما يأكل مزعة لحم. (١)

[٣] عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد.

[٤] عن نافع، قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمئة ألف، فما حال عليه الحول

وعنده منها شيء.

[٥] عن حمزة بن عبد الله قال: لو أن طعاماً كثيراً كان عند أبي ما شبع منه بعد

أن يجد له آكلاً، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جسمه فكلمه، فقال: إنه ليأتي

علي ثمان سنين، ما أشبع فيها شعبة واحدة أو قال: إلا شعبة، فالآن تريد أن

أشبع حين لم يبق من عمري إلا ظمء حمار. (٢)

[٦] عن نافع، قال: مرض ابن عمر، فاشتهى عنباً أول ما جاء، فأرسلت امرأته

بدرهم، فاشترت به عنقوداً، فاتبع الرسول سائل، فلما دخل، قال: السائل

السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه ثم بعثت بدرهم آخر قال: فاتبعه

السائل. فلما دخل، قال: السائل السائل. فقال ابن عمر أعطوه إياه، فأعطوه،

وأرسلت صَفِيَّةَ إلى السائل تقول: والله لئن عدت لا تصيب مني خيراً، ثم

أرسلت بدرهم آخر، فاشترت به.

[٧] عن حصين، قال ابن عمر: إني لأخرج ومالي حاجة إلا أن أسلم على

الناس، ويسلمون علي.

(١) المزعة، بضم الميم: القطعة اليسيرة من اللحم.

(٢) أي: شيء يسير، وخص الحمار بذلك، لأنه أقل الدواب صبرا عن الماء.

257

[١] عن نافع، أن ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة. (١) [٢] عن نافع: كان ابن عمر وابن عباس يجلسان للناس عند مقدم الحاج فكنت أجلس إلى هذا يوماً، وإلى هذا يوماً، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سُئل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يفتي.

[٣] قال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله. فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن ان استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم، فافعل.

[٤] عن ابن سيرين، أن رجلاً قال لابن عمر: أعمل لك جوارش؟ قال: وما هو؟ قال: شيء إذا كظك الطعام، فأصبت منه، سهل. فقال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وما ذاك أن لا أكون له واحداً، ولكني عهدت قوماً يشبعون مرة، ويجوعون مرة. (٢)

[٥] عن مجاهد، قال: قال ابن عمر: لقد أعطيت من الجماع شيئاً ما أعلم أحداً أعطيه إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم. [٦] عن ابن عمر، قال: إني لاظن قسم لي منه ما لم يقسم لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان ابن عمر يفطر أول شيء على الوطء.

[٧] عن ابن عمر، قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنطف فقلت: قد كان من الناس ما ترين، ولم يجعل لي من الأمر شيء، قالت: فالحق بهم فإنهم ينتظرونك، وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم يرعه حتى ذهب. قال: فلما تفرق الحكمان، خطب معاوية، فقال: من كان يريد أن

(١) أخرجه ابن سعد: ٤/١٧٨ وأخرجه البخاري ١٠/٢٩٥، ٢٩٦ من طريق محمد بن منهل، عن يزيد بن زرع عن نافع بلفظ «وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه». (٢) قوله: «إذا كظك الطعام» أي: إذا امتلأت منه وأتقلك.

258

يتكلم في هذا الأمر، فليطلع إلي قرنه، فنحن أحق بذلك منه ومن أبيه، يعرض

بابن عمر.

[١] قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته فداك أبي وأمي؟ فقال ابن عمر: حللت

حبوني، فههمت أن أقول: أحق بذلك منك من قاتلك وأباك على الإسلام

فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجمع، ويسفك فيها الدم، فذكرت ما أعد الله في

الجنان. (١)

عن ميمون بن مهران، قال: دس معاوية عمراً وهو يريد أن يعلم ما في نفس

ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ما يمنعك أن تخرج تبايعك الناس، أنت

صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أمير المؤمنين وأنت أحق الناس

بهذا الأمر. فقال: قد اجتمع الناس كلهم على ما تقول؟ قال: نعم، إلا نفر

يسير. قال: لو لم يبق إلا ثلاثة أعلاج بهجر لم يكن لي فيها حاجة. قال: فعلم

أنه لا يريد القتال. فقال: هل لك أن تبايع من كاد الناس أن يجتمعوا عليه

ويكتب لك من الأرضين والأموال؟ فقال: أف لك! اخرج من عندي، إن ديني

ليس بديناركم، ولا درهمكم.

[٢] عن ابن عمر، أنه قام إلى الحجاج، وهو يخطب، فقال: يا عدو الله!

استحل حرم الله، وخرب بيت الله. فقال: يا شيخاً قد خرف. فلما صدر

الناس، أمر الحجاج بعض مسودته، فأخذ حربة مسمومة، وضرب بها رجل ابن

عمر، فمرض، ومات منها. ودخل عليه الحجاج عائداً: فسلم فلم يرد عليه

وكلمه، فلم يجبه.

(١) أخرجه البخاري ٣٠٩/٧، ٣١١ في المغازي: باب غزوة الخندق، وعبدالرزاق في (المصنف) ٥/٤٦٥

وقوله: «ونوساتها تنطف»، أي: ذواتها تقطر كأنها قد اغتسلت فسمى الذوات نوبات لأنها تتحرك كثيراً. وقوله:

(فلما تفرق الحكمان) هي رواية عبدالرزاق، وفي البخاري (فلما تفرق الناس)، قال الحافظ: أي بعد أن

اختلف الحكمان، وهما أبوموسي الأشعري وكان من قبل علي، وعمرو بن العاص، وكان من قبل معاوية،

وجملة (يعرض بابن عمر) هي في «المصنف»، ولم ترد عند البخاري.

259

[١] خالد بن سُمَيْر قال: خطب الحجاج، فقال: إن ابن الزبير حرف كتاب الله.

فقال ابن عمر: كذبت كذبت، ما يستطيع ذلك ولا أنت معه قال: اسكت، فقد

خرفت، وذهب عقلك، يوشك شيخ أن يضرب عنقه، فيخر قد انتفخت خصيتاه

ويطوف به صبيان البقيع.

ولابن عمر أقوال وفتاوى يطول الكتاب بإيرادها.

وقال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وسبعين، توفي في آخر سنة ثلاث.

هو القائل: كنت يوم أحد ابن أربع عشرة سنة، فعلى هذا يكون عمره خمساً

وثمانين سنة. رضي الله عنه وأرضاه.

[٢] عن قرعة، قال: رأيت على ابن عمر ثياباً خشنة أو جشبة فقلت له: إني قد

أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي أن أراه عليك قال: أرنيه،

فلمسه، وقال: أحرير هذا؟ قلت: لا، إنه من قطن. قال: إني أخاف أن

ألبسه، أخاف أكون مختالاً فخوراً، والله لا يحب كل مختال فخور. (١)

قلت: كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخراً فتركه متعين ولو كان من غير

ذهب ولا حرير. فإننا نرى الشاب يلبس الفرجية (٢) الصوف بفرو من أثمان أربع

مئة درهم ونحوها، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر، فإن نصحته ولمته برفق

كابر، وقال: ما في خيلاء ولا فخر. وهذا السيد ابن عمر يخاف ذلك على

نفسه. وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه، وقيل

له: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي

النار»، يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء. فتراه

يكابر، ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام فيخصه بحديث آخر

مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي

(١) الجشب من الثياب: الخشن الغليظ.

(٢) الفرجية: ثوب واسع طويل الأكمام، يتخذ من قطن أو حرير أو صوف.

260

إزاري، فقال: «لست يا أبابكر ممن يفعله خيلاء» فقلنا: أبو بكر رضي الله عنه لم يكن يُشَدُّ إزاره مَسْؤُولاً على كعبيه أولاً، بل كان يُشَدُّهُ فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي. وقد قال عليه السلام: «إزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جُناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين» ومثل هذا في النهي لمن فَصَّلَ سراويل مُعْطِيًا لِكعابه. ومنه طول الأكمام زائداً، وتطويل العَذْبَة. وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس. وقد يُعْذَرُ الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجَهْلَة فإن خُلِعَ على رئيس خلعة سِيراء (١) من ذهب وحرير، وقُدْس، يُحَرِّمُه ما ورد في النهي عن جلود السباع، ولبسها الشخص يسحبها ويختال فيها، ويخْطُرُ بيده ويغضب ممن لا يُهْنِيه بهذه المُحَرَّمات، ولا سيما إن كانت خلعة وزارة وظلم ونظر مكس، (٢) أو ولاية شرطة. فليتهيأ للمقت وللعزل والإهانة والضرب، وفي الآخرة أشد عذاباً وتنكيلاً. فرضي الله عن ابن عمر وأبيه. وأين مثل ابن عمر في دينه، وورعه وعلمه، وتألهه وخوفه، من رجل تُعْرَضُ عليه الخلافة، فيأباها، والقضاء من مثل عثمان، فيردّه، ونيابة الشام

لعلي فيهرب منه. فالله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب. [١] عن نافع أو غيره، أن رجلاً قال لابن عمر: يا خير الناس وابن خير الناس. فقال: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله، وأخافه، والله لن تزلوا بالرجل حتى تُهْلِكُوه.

[٢] عن نافع، كان ابن عمر يُزَاحِمُ على الرُّكْن حتى يَرْعَفَ. [٣] أبو الأسود، سمع عروة يقول: خطبت إلى ابن عمر ابنته، ونحن في الطواف، فسكت ولم يُجِبْني بكلمة، فقلت: لو رضي، لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة. فقُدِّر له أنه صَدَرَ إلى المدينة قبلي، ثم قدمت فدخلت مسجد

(١) السيرة: نوع من البرود تتخذ من الحرير. (٢) المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار.

261

الرسول صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، وأديت إليه حقه، فرحب بي، وقال: متى قدمت؟ قلت: الآن، فقال: كنت ذكرت لي سودة ونحن في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادراً أن تلقاني في غير ذلك الموطن. فقلت: كان أمراً قُدِّر. قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط. فدعا ابنه سالماً وعبدالله، وزوجني.

[١] قال ابن حزم في كتاب (الإحكام) في الباب الثامن والعشرين: المكثرون من الفتيا من الصحابة، عمر وابنه عبدالله، علي، عائشة، ابن مسعود، ابن عباس، زيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم. وقد جمع أبوبكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتاباً. وأبوبكر هذا أحد أئمة الإسلام. [٢] عن أبي جعفر القاري: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان له جفنة من تريد يجتمع عليها بنوه، وأصحابه، وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائماً، ومعه بعير له، عليه مزادتان، فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ. (١)

(١) النبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب.

262

ومن صغار الصحابة

263

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080