نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٢٦ - سعد بن معاذ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٢٦ - سعد بن معاذ (١)
[٥] ابن النعمان، السيد الكبير الشهيد، أبو عمر الأنصاري الأوسي الأشهلي، البدري الذي اهتز العرش لموته. ومناقبه مشهورة في الصحاح، وفي السيرة، وغير ذلك.
[٦] عن عبد الحميد بن أبي عيسى بن جبر، عن أبيه أن قريشاً سمعت هاتفاً على أبي قُبيس يقول:
فَإِنْ يَسْلَمَ السَّعْدَانُ يُصْبِحُ مُحَمَّدٌ بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَنْ السَّعْدَانِ؟ سَعْدُ بَكْرٍ، سَعْدُ تَمِيمٍ؟ فَسَمِعُوا فِي اللَّيْلِ
الهاتف يقول:
أَيَا سَعْدُ سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِراً وَيَا سَعْدُ سَعْدَ الْخَزْرَجِينَ الْغِطَارِفِ أَجِيبَا إِلَى دَاعِي الْهُدَى وَتَمَنِّيَا عَلَى اللَّهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مَنِيَّةَ عَارِفِ
(١) انظر السير: ١ / ٢٧٩-٢٩٧
50
فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف فقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
[١] أسلم سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير. فقال ابن إسحاق: لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلاً، وأيمتنا نقيبة. قال: فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا.
[٢] عن ابن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمراً، فنزل على أمية بن خلف وكان أمية إذا انطلق إلى الشام يمر بالمدينة، فينزل عليه، فقال أمية له: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس طفت. فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل، فقال: من الذي يطوف آمناً؟ قال: أنا سعد. فقال: أطوف آمناً وقد أويتم محمداً وأصحابه؟ قال نعم. فتلاحيا. فقال أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي. فقال سعد: والله لو منعتني، لقطعت عليك متجرك بالشام. قال: فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك. فغضب وقال: دعنا منك، فإني سمعت محمداً ﷺ يقول: يزعم أنه قاتلك. قال إياي؟ قال نعم. قال: والله ما يكذب محمد. فكاد يحدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي البتربي؟
زعم أنه سمع محمداً يزعم أنه قاتلي. قالت: والله ما يكذب محمد. فلما خرجوا لبدر قالت امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك البتربي؟ فأراد أن لا يخرج. فقال له أبو جهل: إنك من أشرف أهل الوادي، فسر معنا يوماً أو يومين. فسار معهم، فقتله الله.
[٣] قال ابن شهاب: وشهد بدراً سعد بن معاذ. ورمي يوم الخندق. فعاش شهراً، ثم انتقض جرحه فمات.
51
[١] عن جابر قال: رُمي سعد يوم الأحزاب، فقطعوا أكحله، فمسّه النبي ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأى ذلك، قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تُقرّ عيني من بني قريظة. فاستمسك عرقه، فما قطرت منه قطرة. حتى نزلوا على حكم سعد. فأرسل إليه رسول الله ﷺ، فحكم أن يُقتل رجالهم، وتسبى نساؤهم وذراريهم، قال: وكانوا أربع مئة، فلما فرغ من قتلهم، انفتق عرقه.
[٢] عن عائشة قالت: حضر رسول الله ﷺ، وأبو بكر وعمر سعد بن معاذ، وهو يموت في القبة التي ضربها عليه رسول الله ﷺ، في المسجد. قالت: والذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وإني لفي حجرتي، فكأنما كما قال الله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
[٣] عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد، فقتل، حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة تداوي الجرحى. فكان النبي ﷺ، إذا مر به يقول: كيف أمسيت، وكيف أصبحت؟ فيخبره حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها وتقل، احتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله ﷺ، فقيل: انطلقوا به. فخرج وخرجنا معه، وأسرع حتى تقطعت شسوغ نعالنا، وسقطت أرديتنا، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: «إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة» فانتهى إلى البيت، وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول:
ويل أم سعد سعدا حزامَة وجسدا
فقال: «كُلُّ باكيةٍ تكذّبُ إلا أمَّ سعد». ثم خرج به.
قال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتاً أخف منه. قال «ما يمنعه أن يخف وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم».
52
[١] عن سِماك، سمع عبدالله بن شداد يقول: دخل رسول الله ﷺ، على سعد وهو يكيد نفسه فقال: «جزاك الله خيراً من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدته. ولينجزنك الله ما وعدك».
[٢] عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: لما حكم سعد في بني قريظة أن يقتل من جرت عليه المواسي قال رسول الله ﷺ: «لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سمنوات».
[٣] عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: أخذ إنسان قبضة من ثراب قبر سعد، فذهب بها، ثم نظر فإذا هي مسك.
[٤] كان سعد بن معاذ رجلاً أبيض، طوالاً، جميلاً، حسن الوجه، أعين، حسن اللحية، فرمي يوم الخندق، سنة خمس من الهجرة، فمات من رميته تلك وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة، فصلّى عليه رسول الله ﷺ، ودُفِنَ بالبقيع.
[٥] عن عبدالرحمن بن جابر، عن أبيه: لما انتهوا إلى قبر سعد، نزل فيه أربعة: الحارث بن أوس، وأسيد بن الخضير، وأبو نائلة سلكان، وسلمة بن سلامة بن وقش، ورسول الله ﷺ، واقف، فلما وُضِعَ في قبره، تغير وجه رسول الله ﷺ، وسبح ثلاثاً، فسبح المسلمون حتى ارتج البقيع، ثم كبر ثلاثاً، وكبر المسلمون، فسئل عن ذلك، فقال: «تضايق على صاحبكم القبر، وضمّ ضمةً لو نجأ منها أحدٌ لنجا هو، ثم فرّج الله عنه».
قلت: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك. فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. قال الله
53
تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ فنسأل الله تعالى العفو واللطف الخفي.
ومع هذه الهزات، فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء، رضي الله عنه، كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم، ولا خوف. سل ربك العافية، وأن يحشرنا في زمرة سعد.
عن عائشة، عن النبي ﷺ، «لو نجا أحد من ضمة القبر، لنجا منها سعد». [١] وقد تواتر قول النبي ﷺ، «إن العرش اهتز لموت سعد فرحاً به». وثبت أن النبي ﷺ، قال في حلة تعجبوا من حسنها: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه».
عن جابر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ، فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات؟ فُتِحَتْ له أبواب السماء، وتحرك له العرش، فخرج رسول الله ﷺ، فإذا سعد. قال: فجلس على قبره. الحديث.
قال قال: رسول الله ﷺ، «هذا العبد الصالح الذي تحرك له العرش، وفُتِحَتْ أبواب السماء، وشهد سبعون ألفاً من الملائكة لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك، لقد ضم ضمة ثم أفرج عنه». يعني سعداً.
[٢] عن عائشة قالت: ما كان أحد أشد فقداً على المسلمين بعد النبي ﷺ، وصاحبيه أو أحدهما من سعد بن معاذ.
54