نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٣٣٦ الأوزاعي (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٣٣٦ الأوزاعي (ع) (١)
[١] عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو
الأوزاعي. كان يسكن بمحلة الأوزاع، وهي العقبة الصغيرة ظاهر باب الفراديس
بدمشق ثم تحول إلى بيروت مرابطاً بها إلى أن مات.
وكان مولده في حياة الصحابة، سنة ثمان وثمانين.
ضَمْرَة: سمعت الأوزاعي يقول: كنت مُحْتَلِماً أو شبيهاً بالمحتلم في خلافة
عمر بن عبدالعزيز.
[٢] قال العباس بن الوليد: فما رأيتُ أبي يتعجب من شيء في الدنيا تعجبه من
الأوزاعي. فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء! كان الأوزاعي يتيماً فقيراً في حجر
أمه، تنقله من بلد إلى بلد، وقد جرى حكمك فيه أن بلغته حيث رأيته، يا بني!
عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه، ما سمعت منه
كلمة قط فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكاً قط حتى
يُفْهَقَه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول في نفسي: أترى في المجلس قلب
لم يبك؟
[٣] الشاذكوني: سمعت ابن عيينة يقول: كان الأوزاعي والثوري بمنى، فقال
الأوزاعي للثوري: لم لا ترفع يديك في خفض الركوع ورفعه؟ فقال: حدثنا يزيد
بن أبي زياد (٢) فقال الأوزاعي: روى لك الزهري، عن سالم، عن أبيه عن النبي
ﷺ وتعارضني بيزيد رجل ضعيف الحديث، وحديثه مخالف للسنة، فاحمر وجه
سفيان. فقال الأوزاعي: كأنك كرهت ما قلت؟ قال: نعم. فقال: قم بنا إلى
المقام نلتعن أينما على الحق. قال: فتبسم سفيان لما رآه قد احتذ.
[٤] قال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله حتى تطلع
الشمس ويخبرنا عن السلف: أن ذلك كان هديهم فإذا طلعت الشمس قام بعضهم
(١) انظر السير: ٧/١٠٧-١٣٤.
(٢) تمامه: عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من
أذنيه ثم لا يعود.
569
إلى بعضٍ فأفاضوا في ذكر الله، والتفقه في دينه. [١] الوليد بن مزيد: سُئل الأوزاعي عن الخشوع في الصلاة قال: غَضُّ البصر، وخَفَضُ الجناح، ولين القلب، وهو الحزن، الخوف. [٢] قال: وسُئل الأوزاعي عن إمام ترك سجدة ساهياً حتى قام وتفرق الناس قال: يَسْجُد كل إنسان منهم سجدة وهم متفرقون. [٣] وله مسائل كثيرة حسنة ينفرد بها، وهي موجودة في الكتب الكبار، وكان له مذهب مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة، وفقهاء الأندلس ثم فني. [٤] وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت، كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله، قل كلامه.
[٥] عن الهقل بن زياد عن الأوزاعي: أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس! تقوُّوا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل، وأنتم مرتجلون وخلائف بعد القرون، الذين استقالوا من الدنيا زهرتها، كانوا أطول منكم أعماراً، وأجد أجساماً، وأعظم آثاراً، فجددوا الجبال وجابوا (١) الصخور، ونقبوا في البلاد مؤيدين بطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مدتهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً (٢).
كانوا بلهو الأمل آمنين، ولميقات يوم غافلين، ولصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم ما نزل بساحتهم بياتاً من عقوبة الله، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمه وزوال نعمه، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولّى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حمة شر، وصبابة كدر، وأهاويل غير، وأرسال فتن، ورذالة خلف.
(١) جابوا الصخور، نقبوها. قال الله تعالى: ﴿وَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر ٩].
(٢) الركز: الصوت الخفي. قال الله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رُكْزًا﴾ [مريم ٩٨].
570
[١] الحكم بن موسى: حدثنا الوليد بن مسلم قال: ما كنتُ أحرصُ على السماع
من الأوزاعي حتى رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام والأوزاعي إلى جنبه فقلت: يا
رسول الله! عمّن أحملُ العلم؟ قال: عن هذا. وأشار إلى الأوزاعي.
قلت: كان الأوزاعي كبير الشأن.
[٢] قال عمرو بن أبي سلمة التنيسي: حدثنا الأوزاعي قال: رأيتُ كأن ملكين عرجاً
بي، وأوقفاني بين يدي رب العزة، فقال لي: أنت عبدي عبد الرحمن الذي تأمرُ
بالمعروف؟ فقلت: بعزتك أنت أعلم. قال: فهبطا بي حتى رداني إلى مكاني.
[٣] قال الوليد بن مزيد: كان الأوزاعي من العبادة على شيء ما سمعنا بأحد قوي
عليه، ما أتى عليه زوال قط إلا وهو قائم يصلي.
[٤] قال مروان الطاطري: قال الأوزاعي: من أطال قيام الليل، هون الله عليه وقوف
يوم القيامة.
[٥] محمد بن سماعة الرملي: سمعت ضمرة بن ربيعة يقول: حججنا مع الأوزاعي
سنة خمسين ومئة، فما رأيته مضطجعاً في المحمل (١) في ليل ولا نهار قط، كان
يصلي، فإذا غلبه النوم، استند إلى القتب.
[٦] العباس بن الوليد: حدثنا أبي: سمعت الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف،
وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي
وأنت على طريق مستقيم.
[٧] قال الأوزاعي: لا يجتمع حب علي وعثمان - رضي الله عنهما إلا في قلب
مؤمن.
[٨] قال الوليد بن مزيد: سمعت الأوزاعي يقول: إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم
الجدل ومنعهم العمل.
[٩] أبو خليد عتبة بن حماد القاري، حدثنا الأوزاعي قال: بعث عبد الله بن علي إلي
فاشتد ذلك علي وقدمت، فدخلت، والناس سماطان (٢) فقال: ما تقول في مخرجنا
(١) المحمل: شقان على البعير فيهما العديلان.
(٢) سماطان: صفان.
571
وما نحنُ فيه؟ قلت: أصلح الله الأمير! قد كان بيني وبين داود بن عليٍّ مودة. قال: تُخْبِرُني. ففكرتُ ثم قلت: لأصدقته، واستبسلتُ (١) للموت ثم رويتُ له عن يحيى بن سعيد حديث (الأعمال) (٢) وبيده قضيب ينكث به، ثم قال: يا عبد الرحمن: ما تقول في قتل أهل هذا البيت؟ قلت: حدثني محمد بن مروان، عن مَطْرِف بن الشَّخِير، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «لا يَحِلُّ قَتْلُ الْمُسْلِمِ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ...» وساق الحديث.
فقال: أخبرني عن الخلافة، وصية لنا من رسول الله ﷺ؟ فقلت: لو كانت وصية من رسول الله ﷺ ما ترك علي رضي الله عنه - أحداً يتقدمه. قال: فما تقول في أموال بني أمية؟ قلت: إن كانت لهم حلالاً فهي عليك حرام، وإن كانت عليهم حراماً، فهي عليك أحرم. فأمرني، فأخرجت.
[١] قلت: قد كان عبد الله بن علي ملكاً جباراً، سفاكاً للدماء، صعب المراس، ومع هذا فالإمام الأوزاعي يصدعه بمر الحق كما ترى، لا كخلق من علماء السوء، الذين يحسنون للأمراء ما يقتحمون به من الظلم والعسف، ويقلبون لهم الباطل حقاً - قاتلهم الله - أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق.
[٢] الوليد بن مزيد: سمعت الأوزاعي يقول: إن المؤمن يقول قليلاً، ويعمل كثيراً، وإن المنافق يتكلم كثيراً، ويعمل قليلاً.
[٣] العباس بن الوليد بن مزيد: سمعت عقبة بن علقمة قال: سبب موت الأوزاعي أنه اختضب، ودخل الحمام الذي في منزله، وأدخلت معه امرأته كانوا فيه فحم لئلا يصيبه البرد، وأغلقت عليه من براً، فلما هاج الفحم، ضعفت نفسه وعالج الباب ليفتحه، فامتنع عليه، فألقى نفسه، فوجدناه موسداً ذراعه إلى القبلة.
[٤] قال العباس بن الوليد: وحدثني سالم بن المنذر قال: لما سمعت الضجة بوفاة الأوزاعي خرجت، فأول من رأيت نصرانياً، قد ذر على رأسه الرماد فلم يزل المسلمون من أهل بيروت يعرفون له ذلك، وخرجنا في جنازته أربعة أمم: فحمله
(١) يقال: أبسل نفسه للموت، واستبسل: إذا وطن نفسه عليه واستيقنه.
(٢) إنما الأعمال بالنيات.
572
المسلمون، وخرجت اليهود في ناحية، والنصارى في ناحية، والقبط في ناحية.
مات سنة سبع وخمسين ومئة.
[١] الوليد بن مسلم: سمعت صدقة بن عبد الله يقول: ما رأيت أحداً أحلم ولا أكمل
ولا أحمل فيما حمل من الأوزاعي.
[٢] موسى بن أعين: قال الأوزاعي: كنا نضحك ونمزح، فلما صرنا يقتدى بنا
خشيت أن لا يسعنا التبسم.
[٣] ذكر بعض الحفاظ أن حديث الأوزاعي نحو من الألف - يعني المسند - أما
المرسل والموقوف، فألوف. وهو في الشاميين نظير معمر لليمانيين، ونظير الثوري
للكوفيين، ونظير مالك للمدنيين، ونظير الليث للمصريين، ونظير حماد بن سلمة
للبصريين.
573