نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٤٤ أخبار النجاشي (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٤٤ أخبار النجاشي (١)
[١] واسمه أصحمة ملك الحبشة. معدود في الصحابة رضي الله عنهم، وكان ممن حَسُنَ إسلامه ولم يهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي ﷺ، فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ولم يثبت أنه صلى على غائب سواه، وسبب ذلك أنه مات بين قوم نصارى، ولم يكن عنده من يُصلي عليه، لأن الصحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة عام خيبر.
[٢] عن أم سلمة زوج النبي ﷺ، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يُهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبدالله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تُكلموا النجاشي فيهم، ثم قَدَّموا له هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يُكلمهم. قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، وقال له: إنه قد ضوى (٢) إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا
(١) انظر السير: ١/٤٢٨-٤٤٣.
(٢) وقال السهيلي في «الروض الأنف»: ضوى إليك فتية: أي أووا إليك ولاذوا بك.
74
بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً (١) وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهم: نعم. ثم إنهما قربا هدايا النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك إنه ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبدالله، وعمرو من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك. فأسلمهم إليهما. فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد (٢) قوماً جاوروني، ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ، كائناً في ذلك ما كان. فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، إنا كنا قوماً أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث،
(١) قال السهيلي: أي: أبصر بهم، أي: عينهم وإبصارهم فوق عيون غيرهم في أمرهم.
(٢) ولا أكاد: بضم الهمزة، فعل مبني للمجهول: أي ولا يكيدني أحد قال في اللسان: يقولون - إذا حمل أحدهم
على ما يكره: لا والله لا كيداً ولا هماً: يريد: لا أكاد ولا أهم.
75
وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبُد الله لا نُشرِكُ به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعُدِّد له أمور الإسلام - فصدّقه وأمنّا به واتبعناه، فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال: نعم؟ قال: فاقرأه عليّ، فقرأ عليه صدراً من ﴿كَهَيِّعَصَ﴾ فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرّج من مشكاة واحدة. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد.
[1] فلما خرجا قال عمرو: والله لأبشّه غداً عيبهم ثم استأصل خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد. ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم. فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل يسألهم.
قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قالوا: نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائناً ما كان. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى؟ فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا. هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عوداً، ثم قال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا
76
فَأَنْتُمْ سَيُومٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُومُ الْأَمْنُونُ - مِنْ سَبَّكُمْ غُرْمٌ، ثُمَّ مِنْ سَبَّكُمْ غُرْمٌ، مَا أَحَبَّ أَنْ لِي دُبْرَى (١) ذَهَبًا وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - وَالدَّبْرُ بِلِسَانِهِمِ الْجَبَلِ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رُدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَأَخَذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ، فَأَطِيعَهُمْ فِيهِ. فَخَرَجَا مَقْبُوحِينَ، مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَ بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرٍ دَارَ مَعَ خَيْرٍ جَارَ. فَوَاللَّهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ، إِذْ نَزَلَ بِهِ، يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حَرْبًا قَطُّ كَانَ أَشَدُّ مِنْ حَرْبٍ حَرْبِنَاهُ (٢)، تَخَوَّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِي رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ، وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عَرْضَ النَّيْلِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِينَا بِالْخَبَرِ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سَنًّا، فَنَفَخُوا لَهُ قُرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سَبَّحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى مَكَانِ الْمُلْتَقَى، وَحَضَرَ، فَدَعَوْنَا اللَّهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ (٣) لَهُ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرٍ مَنْزِلٍ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ بِمَكَّةَ.
وَقَوْلُهَا: حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمَكَّةَ عِنْتَ نَفْسِهَا وَزَوْجِهَا. [أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا: أَبْصَرَ بِهِمْ. لَا هَا اللَّهُ: قَسَمٌ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ: لَا هَا اللَّهُ ذَا. وَالْهَاءُ بَدَلٌ مِنْ وَاوِ الْقَسَمِ، أَيْ: لَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَا] [١] وَمِنْ مَحَاسِنِ النَّجَاشِيِّ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بَيْنَ حَرْبِ الْأُمَوِيَّةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ الْأَسَدِيُّ قَدِيمًا، فَهَاجَرَ بِهَا زَوْجُهَا، فَانْمَلَسَ بِهَا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَبِيبَةُ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ إِنَّهُ أَدْرَكَهُ الشِّقَاءُ فَأَعْجَبَهُ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ فَتَنَصَّرَ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ بِالْحَبَشَةِ، فَلَمَّا
(١) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هُوَ بِالْقَصْرِ، اسْمُ جَبَلٍ.
(٢) الْحَرْبُ: الْغَضَبُ، وَالنِّزَاعُ، وَالْخُصُومَةُ.
(٣) اسْتَوْسَقَ لَهُ أَمْرُ الْحَبَشَةِ: أَيْ اجْتَمَعُوا عَلَى طَاعَتِهِ، فَاسْتَقَرَّ لَهُ الْمُلْكُ فِيهِمْ.
77
وقت العدة، بعث رسول الله ﷺ، يخطبها، فأجابت، فنهض في ذلك النجاشي، وشهد زواجها بالنبي ﷺ، وأعطاها الصداق عن النبي ﷺ، من عنده أربع مئة دينار، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين، ثم جهزها النجاشي (٤).
[١] وأصحمة بالعربي: عطية. ولما توفي، قال النبي ﷺ، للناس: «إن أخاً لكم قد مات بأرض الحبشة» فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفاً، ثم صلى عليه. فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة.
78