نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٣٩١ - عبدالله بن المبارك (ع)(١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٣٩١ - عبدالله بن المبارك (ع)(١)
[١] ابن واضح، الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم التركي، ثم المروزي، الحافظ، الغازي، أحد الأعلام.
مولده في سنة ثمان عشرة ومئة.
وحديثه حجة بالإجماع، وهو في المسانيد والأصول.
[٢] نعيم بن حماد قال: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟!
[٣] أشعث بن شعبة المصيصي، قال: قدم الرشيد الرقة، فانجفل الناس خلف ابن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان، قدم. قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.
[٤] محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي قال: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج، اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم، فيجعلها في صندوق، ويُقفل عليها، ثم يكتري له، ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول ﷺ، فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة
(١) انظر السير: ٣٧٨-٤٢١.
654
من طُرَفها؟ فيقول: كذا وكذا فيشتري لهم، ثم يُخرجهم إلى مكة، فإذا قَضَوْا حَجَّهم، قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يُخرجهم من مكة، فلا يزال يُنفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو، فيجصِّص بيوتهم وأبوابهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام، عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسرّوا، دعا بالصندوق، ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صُرَّته، عليها اسمه.
وقال محمد بن المثنى: سمعتُ عبدالرحمن بن مهدي يقول: ما رأت عيناي. مثل أربعة: ما رأيتُ أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشدّ تقشفاً من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك. [١] قال سفيان: إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام.
[٢] قال ابن عيينة: نظرتُ في أمر الصحابة، وأمر عبدالله، فما رأيتُ لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي ﷺ، وغزوهم معه.
[٣] قال القاسم بن محمد بن عبّاد: سمعت سويد بن سعيد يقول: رأيتُ ابن المبارك بمكة أتى زمزم، فاستقى شربة، ثم استقبل القبلة، فقال: اللهم إن ابن أبي الموال، حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: «ماء زمزم لما شرب له» وهذا أشربه لعطش القيامة، ثم شربه.
[٤] قال نعيم بن حمّاد: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق، يصير كأنه ثور منحور، أو بقرة منحورة، من البكاء، لا يجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء إلا دفعه.
[٥] أبو حاتم الرازي: حدثنا عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة فطعنه فقتله فازدحم إليه الناس، فنظرتُ فإذا
655
هو عبدالله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو هو. فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا.
[١] وقال أبو حسان عيسى بن عبدالله البصري: سمعت الحسن بن عرفة يقول: قال
لي ابن المبارك: استعرتُ قلماً بأرض الشام، فذهبتُ على أن أرده، فلما قدمت
مرو، نظرت فإذا هو معي، فرجعتُ إلى الشام حتى رددته على صاحبه.
[٢] قال أسود بن سالم: كان ابن المبارك إماماً يقتدى به، كان من أثبت الناس في
السنة، إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام.
[٣] اجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن الحسين، فقالوا: تعالوا نعد
خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو،
واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو،
والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة
الخلاف على أصحابه.
[٤] قال حبيب الجلاب: سألت ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال غريزة
عقل. قلت: فإن لم يكن؟ قال: حسن أدب. قلت: فإن لم يكن؟ قال: أخ شفيق
يستشيره. قلت: فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل. قلت: فإن لم يكن؟ قال:
موت عاجل.
[٥] عن عبدالله، قال: إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوىء،
وإذا غلبت المساوى على المحاسن لم تذكر المحاسن.
[٦] قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة
والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس.
[٧] وعن ابن المبارك قال: أول منفعة العلم أن يفيد بعضهم بعضاً.
[٨] وجاء أن ابن المبارك سئل: من الناس؟ فقال: العلماء. قيل: فمن الملوك:
قال: الزهاد، قيل: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة وأصحابه، يعني من أمراء الظلمة.
656
قيل: فمن السَّفلة؟ قال: الذين يعيشون بدينهم.
[١] وقال: رَبُّ عمل صغير تُكثِّره النية، ورب عمل كثير تُصغِّره النية.
[٢] وعن ابن المبارك قال: في صحيح الحديث شُغْلٌ عن سقيمه.
[٣] قال علي بن الحسن بن شقيق: قمتُ لأخرج مع ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد، فذاكرتني عند الباب بحديث، أو ذاكرتُه، فما زلنا نتذاكر، حتى جاء المؤذن للصُّبح.
[٤] قال أحمد بن أبي الحَواري: جاء رجل من بني هاشم إلى عبدالله بن المبارك ليسمع منه، فأبى أن يُحدِّثَه، فقال الشريف لغلامه: قم فإن أبا عبدالرحمن لا يرى أن يُحدِّثنا، فلما قام ليركب، جاء ابن المبارك ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبدالرحمن تفعلُ هذا ولا ترى أن تحدِّثني! فقال: أذل لك بدني، ولا أذل لك الحديث.
[٥] نُعَيْم بن حَمَّاد: سمعتُ ابن المبارك يقول: السَّيْفُ الذي وقع بين الصحابة فتنة، ولا أقول لأحد منهم هو مفتون.
[٦] وعنه قال: إن البصراء لا يأمنون من أربع: ذنب قد مضى لا يُدْرَى ما يصنع فيه الرب عز وجل، وعمر قد بقي لا يُدْرَى ما فيه من الهلكة، وفصل قد أعطى العبد لعله مكرٌّ واستدراج، وضلالة قد زُيِّنت، يراها هدى، وزيغ قلب ساعة فقد يسلب المرء دينه ولا يشعر.
[٧] وعن عبد الكريم السُّكَّري قال: كان عبدالله يُعجبه إذا ختم القرآن أن يكون دعاؤه في السُّجود.
[٨] قال أبو وهب المروزي: سألت ابن المبارك: ما الكِبْرُ؟ قال: أن تَزْدَرِيَ الناس. فسألته عن العُجْب؟ قال: أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئاً شراً من العُجْب.
[٩] عن ابن المبارك قال: من استخف بالعلماء، ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء، ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته.
657
[١] قال أبو صالح الفراء. وسمعته يقول: الجبر في الثوب خَلُوقُ العلماء.
وقد تفقه ابن المبارك بأبي حنيفة، وهو معدود في تلامذته.
[٢] وكان عبد الله غنياً شاكراً، رأس ماله نحو الأربع مئة ألف.
[٣] قال الحسن بن الربيع: لما احتضر ابن المبارك في السفر قال: أشتهي سويقاً،
فلم نجده إلا عند رجل كان يعمل للسلطان، وكان معنا في السفينة فذكرنا ذلك
لعبد الله، فقال: دعوه، فمات ولم يشربه.
[٤] محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملى علي ابن المبارك سنة سبع
وسبعين ومئة، وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض من طرسوس:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تنخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب (١)
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب (٢)
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلقيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأ وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن
ونصح.
[٥] قال أبو العباس السراج: أنشدني يعقوب بن محمد لابن المبارك:
أباذن نزلت بي يا مشيب أي عيش وقد نزلت يطيب
وكفى الشيب واعظاً غير أني أمل العيش والممات قريب
كم أنادي الشباب إذ بان مني وندائي مولياً ما يجيب
(١) الرمح والرمح: الغبار، والسنابك جمع سنبك طرف حافر الخيل وجانباه من قدام.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد ٢/٢٥٦، ٣٤٢، ٤٤١. والنسائي ٦/١٢، يقول: «لا يجتمع غبار في
سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا».
658
[١] قال حبان بن موسى: سمعت ابن المبارك يُنشد:
كَيْفَ الْقَرَارُ وَكَيْفَ يَهْدَأُ مُسْلِمٌ وَالْمُسْلِمَاتُ مَعَ الْعَدُوِّ الْمُعْتَدِي الصَّارِيَاتُ خُدُودَهُنَّ بِرَنَّةٍ الدَّاعِيَاتُ نَبِيَّهُنَّ مُحَمَّدٌ الْقَائِلَاتُ إِذَا خَشِينُ فَضِيحَةً جَهْدَ الْمَقَالَةِ لَيْتَنَا لَمْ نُولِدْ مَا تَسْتَطِيعُ وَمَا لَهَا مِنْ حِيلَةٍ إِلَّا التَّسَرُّرُ مِنْ أَخِيهَا بِالْيَدِ
[٢] وجاء من طرق عن ابن المبارك، ويُقال: بل هي لحميد النحوي:
اغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنِ زُلْفَى إِلَى اللَّهِ إِذَا كُنْتَ فَارِغًا مُسْتَرِيحًا وَإِذَا مَا هَمَمْتَ بِالنَّطْقِ بِالْبَاطِلِ فَاجْعَلْ مَكَانَهُ تَسْبِيحًا فَاغْتِنَامُ السُّكُوتِ أَفْضَلُ مِنْ خَوْضٍ وَإِنْ كُنْتَ بِالْكَلَامِ فَصِيحَا
[٣] قال أحمد بن عبد الله العجلي: حدثني أبي قال: لما احتضر ابن المبارك، جعل رجل يُلَقِّنه، قل: لا إله إلا الله، فأكثر عليه، فقال له: لست تُحْسِنُ، وأخاف أن تُؤْذِي مسلماً بعدي، إذا لَقَّنْتَنِي، فقلتُ: لا إله إلا الله، ثم لم أحدث كلاماً بعدها، فدعني، فإذا أحدثت كلاماً، فلقني حتى تكون آخر كلامي.
[٤] قال محمد بن الفضيل بن عياض: رأيت ابن المبارك في النوم، فقلت: أي العمل أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه. قلت: الرباط والجهاد؟ قال نعم. قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة. رواها رجلان عن محمد.
[٥] وقال العباس بن محمد النسفي: سمعت أبا حاتم الفربري يقول: رأيت ابن المبارك واقفاً على باب الجنة بيده مفتاح، فقلت: ما يُوقَفُك ها هنا؟ قال: هذا مفتاح الجنة، دفعه إلي رسول الله ﷺ، وقال: حتى أزور الرب، فكن أميني في السماء، كما كنت أميني في الأرض.
[٦] وقال إسماعيل بن إبراهيم المصيصي: رأيت الحارث بن عطية في النوم، فسألته، فقال: غفر لي. قلت: فابن المبارك، قال: بخ بخ ذاك في عليين ممن
659
يَلِجُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ.
[١] وعن نوقل قال: رأيتُ ابن المبارك في النوم، فقلتُ: ما فعل الله بك؟ قال:
غفر لي برحلتي في الحديث. عليك بالقرآن، عليك بالقرآن.
مات سنة إحدى وثمانين ومئة.
[٢] عن يحيى بن يحيى الليثي قال: كنا عند مالك، فاستؤذن لعبد الله بن المبارك
بالدخول، فأذن له، فرأينا مالكاً تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بلصقه، وما رأيتُ
مالكاً تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك، فربما مرَّ بشيء
فيسأله مالك: ما مذهبكم في هذا؟ أو ما عندكم في هذا؟ فرأيتُ ابن المبارك
يُجاوبه، ثم قام، فخرج، فأعجب مالك بأدبه، ثم قال لنا مالك: هذا ابن المبارك
فقيه خراسان.
[٣] وسئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة، فقال: إنا نُهينا أن نتكلم
عند أكابرنا.
660