نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٤٢ - الْمَعَزُّ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٤٢ - الْمَعَزُّ (١)
[٢] هُوَ الْمَعَزُّ لِدِينِ اللَّهِ أَبُو تَمِيمٍ مَعْدُ بْنُ الْمَنْصُورِ الْعُبَيْدِيُّ الْمَهْدَوِيُّ الْمَغْرِبِيُّ الَّذِي بُنِيَتِ الْقَاهِرَةُ الْمَعَزِّيَّةُ لَهُ.
وَلِيَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثَ مِئَةٍ، وَسَارَ فِي نَوَاحِي إِفْرِيقِيَّةٍ يُمَهِّدُ مُلْكَهُ، فَذَلَّلَ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ، وَاسْتَعْمَلَ مَمَالِيكَهُ عَلَى الْمَدَنِ وَاسْتَخْدَمَ الْجُنْدَ، وَأَنْفَقَ الْأَمْوَالَ، وَجَهَّزَ مَمْلُوكَهُ جَوْهَرَ الْقَائِدَ فِي الْجُيُوشِ.
[٣] قَالَ الْقَفْطِيُّ: عَزَمَ الْمَعَزُّ عَلَى بَعْثِ جَيْشِهِ إِلَى مِصْرَ، فَسَأَلَتْهُ أُمُّهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ لِتَحَجُّجِ خُفْيَةٍ فَأَجَابَهَا، وَحَجَّتْ، فَأَحَسَّ بِقُدُومِهَا الْأُسْتَاذُ كَافُورٍ يَعْنِي: صَاحِبَ مِصْرَ، فَحَضَرَ إِلَيْهَا وَخَدَمَهَا، وَحَمَلَ إِلَيْهَا تُحَفًا، وَبَعَثَ فِي خِدْمَتِهَا
(١) انظر السير: ١٥ / ١٥٩-١٦٧.
1089
أجناداً، فلما رجعت، منعت ابنها من قصد مصر، فلما مات كافور بعث المعز جيشه، فأخذوا مصر.
وكانت مصر في القحط، فأخذها جوهر، وأخذ الشام والحجاز ونفذ يعرف مولاه بانتظام الأمر.
وضربت السكة على الدينار بمصر (وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي خير الوصيين) والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ وأعلن الأذان بحي على خير العمل، ونودي: من مات عن بنت وأخ أو أخت فالمال كله للبنت. فهذا رأي هؤلاء.
[١] فتهيأ المعز، وسار بخزائنه وتوابيت آبائه. وكان دخوله إلى الإسكندرية في شعبان سنة اثنين وستين وثلاث مئة. وتلقاه قاضي مصر الذهلي وأعيانها. فأكرمهم وطال حديثه معهم، وعرفهم أن قصده الحق والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، وأن يقيم أوامر جدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعظ وذكر حتى أعجبهم، وبكى بعضهم. ثم خلع عليهم، وقال للقاضي أبي الطاهر الذهلي: من رأيت من الخلفاء؟ فقال: واحداً، قال: من هو؟ قال: مولانا، فأعجبه ذلك.
ثم إنه سار حتى خيّم بالجيزة. فأخذ عسكره في التعدية إلى الفسطاط، ثم دخل القاهرة، وقد بني له بها قصر الإمارة، وزينت مصر، فاستوى على سرير ملكه، وصلى ركعتين.
وكان عاقلاً لبيباً حازماً ذا أدب وعلم ومعرفة وجلالة وكرم. يرجع في الجملة إلى عدل وإنصاف، ولولا بدعته ورفضه، لكان من خيار الملوك.
[٢] قلت: ظهر هذا الوقت الرفض، وأبدى صفحته، وشمخ بأنفه في مصر والشام والحجاز والغرب بالدولة العبيدية، وبالعراق والجزيرة والعجم بني بويه، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرثبة مع بني بويه. ثم ضعف بدنه، وأصابه فالج، وخرس فعزلوه، وأقاموا ابنه الطائع لله. وله السكة والخطبة، وقليل
1090
من الأمور، فكانت مملكة هذا المعز أعظم وأمكن. وأعلن الأذان بالشام ومصر بحي على خير العمل. فلله الأمر كله. قيل: ما عرف عن المعز غير التشيع، وكان يطيل الصلاة. وثارت عليه القرامطة، واستولوا على كثير من الشام، وساروا حتى أتوا مصر، فحاربهم جوهر، وجرت أمور مهولة. وصلى بالناس المعز يومي العيد صلاة طويلة بحيث أنه سبح في السجود نحو ثلاثين، ثم خطبهم فأبلغ وأحبته الرعية. وصنع شمسية لتعمل على الكعبة ثمانية أشبار في مثلها من حرير أحمر. وفيها اثنا عشر هلالاً من ذهب، وفي الهلال ترنجة (١) قد رُصعت بجواهر وياقوت وزمرد، لم يشاهد أحد مثلها. مات المعز سنة خمس وستين وثلاث مئة بالقاهرة المعزية. وكان مولده بالمهدية التي بناها جدهم. وعاش ستاً وأربعين سنة. وكانت دولته أربعاً وعشرين سنة. وقد جرى على دمشق وغيرها من عساكر المغاربة كل قبيح من القتل والنهب. وفعّلوا مالا يفعله الفرنج. ولولا خوف الإطالة لسقت ما يبكي الأعين.
(١) ثمرة كالليمون، ذهبة اللون، زكية الرائحة، ذات طعم حامض.
1091