نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٤٤ - الحاكم (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٤٤ - الحاكم (١)
صاحب مصر الحاكم بأمر الله، أبو علي منصور بن العزيز نزار العبيدي
المصري الرافضي، بل الإسماعيلي الزنديق المدعي الربوبية.
مولده في سنة خمس وسبعين وثلاث مئة.
وأقاموه في الملك بعد أبيه، وله إحدى عشرة سنة. فحكى هو قال: ضمني
أبي وقبلني وهو عريان، وقال: امض فالعب. فأنا في عافية. قال: ثم توفي،
فأتاني برجوان، (٢) وأنا على جميزة في الدار فقال: انزل ويحك، الله الله فينا،
فنزلت، فوضع العمامة بالجواهر على رأسي، وقبل الأرض ثم قال: السلام
عليك يا أمير المؤمنين وخرج بي إلى الناس، فقبلوا الأرض، وسلموا علي
(١) انظر السير: ١٥ / ١٧٣-١٨٤.
(٢) هو أبو الفتوح، برجوان، كان من خدام العزيز، ومديري دولته، نافذ الأمر، مطاعا، نظر في أيام الحاكم في
ديار مصر والحجاز والمغرب وذلك في سنة ٣٨٨ وقتل بأمر الحاكم سنة ٣٩٠.
1093
بالخلافة.
[١] قلت: وكان شيطاناً مريداً جباراً عنيداً، كثير التلوّن، سفاكاً للدماء، خبيث النّحلة، عظيم المكر جواداً ممدحاً، له شأن عجيب ونبأ غريب، كان فرعون زمانه، يخترع كل وقت أحكاماً يلزم الرعية بها. أمر بسب الصحابة رضي الله عنهم، وبكتابة ذلك على أبواب المساجد والشوارع. وأمر عماله بالسب، وبقتل الكلاب في سنة خمس وتسعين وثلاث مئة. وأبطل الفقّاع (١) والملوخيا، وحرم
السمك الذي لا فلوس عليه، (٢) ووقع ببائع لشيء من ذلك فقتلهم. [٢] وفي سنة اثنين وأربع مئة، حرم بيع الرطب، وجمع منه شيئاً عظيماً، فأحرقه، ومنع من بيع العنب، وأباد الكروم، وأمر النصارى بتعليق صليب في رقابهم زنته رطل وربع بالدمشقي. وألزم اليهود أن يعلقوا في أعناقهم قرمية في زنة الصليب إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه، وأن تكون عمائمهم سوداً، وأن يدخلوا الحمام بالصليب وبالقرمية. ثم أفرد لهم حمامات. وأمر في العام بهدم كنيسة قمامة، (٣) وبهدم كنائس مصر، فأسلم عدة، ثم إنه نهى عن تقبيل الأرض،
وعن الدعاء له في الخطب وفي الكتب. وجعل بدله السلام عليه. [٣] وقيل: إن ابن باديس أمير المغرب بعث ينقم عليه أموراً، فأراد أن يستميله، فأظهر التفقه، وحمل في كمه الدفاتر، وطلب إلى عنده فقيهين، وأمرهما بتدريس فقه مالك في الجامع، ثم تغير فقتلهما صبراً. [٤] وأذن للنصارى الذين أكرههم في العود إلى الكفر.
[٥] ومنع النساء من الخروج من البيوت، فأحسن، وأبطل عمل الخفاف لهن جملة، ومازلن ممنوعات من الخروج سبع سنين وسبعة أشهر. [٦] ثم بعد مدة أمر بإنشاء ما هدم من الكنائس، وبتنصر من أسلم. [٧] وقد حبب في الآخر إلى الحاكم العزلة، وبقي يركب وحده في الأسواق على
(١) شراب يتخذ من الشعير.
(٢) الفلس: القشرة على ظهر السمكة.
(٣) في بيت المقدس.
1094
حمار، ويقيم الحِسْبَة بنفسه، وبين يديه عبدٌ ضخمٌ فاجرٌ فمن وَجَبَ عليه تأديبٌ، أمر العبدُ أن يولجَ فيه، والمفعول به يصيح.
وقيل: إنه أراد أدعاء الإلهية، وشرع في ذلك، فكلمه الكبراء وخوفوه من وثوب الناس، فتوقف.
وفي الأربع مئة وبعدها كانت الأندلس تغلي بالحروب والقتال على الملك. [١] وأنشأ داراً كبيرةً ملأها قيوداً وأغلالاً، وجعل لها سبعة أبوابٍ وسماها جهنم، فكان من سخط عليه، أسكنه فيها.
ولما أمر بحريق مصر، واستباحها، بعث خادمه ليشاهد الحال فلما رجع، قال: كيف رأيت؟ قال: لو استباحها طاغية الروم ما زاد على ما رأيت، فضرب عنقه.
وفي سنة ثلاث وأربع مئة، أخذ الوفد العراقي، وغورت المياه وهلك بضعة عشر ألف مسلم. ثم أخذ من العرب ببعض الثأر. وقتل عدة. وبعث الملك محمود بن سبكتكين كتاباً إلى الخليفة بأنه ورد إليه من الحاكم كتاب يدعوه فيه إلى بيعته. وقد خرق الكتاب، ويصق عليه.
[٢] وفي سنة خمس ظفر الحاكم بنساء على فساد، فغرقهن، وكانت الغاسلة لا تخرج إلى امرأة إلا مع عدلين. ومر القاضي مالك بن سعيد الفارقي، فنادته صبية من روزنة: أقسمت عليك بالحاكم أن تقف فوقف فبكت، وقالت: لي أخ يموت، فبالله إلا ما حملتني إليه لأراه، فرق وبعث معها عدلين، فأتت بيتاً، فدخلت، والبيت لعاشقها، فجاء الزوج، فسأل الجيران، فحدثوه، فجاء إلى القاضي، وصاح، وقال: لا أخ لها، وما أفارقك حتى تردها إلي، فحار القاضي وطلع بالرجل إلى الحاكم، ونادى العفو فأمره أن يركب مع الشاهدين فوجدوا المرأة والشاب في إزار واحد على خمار، فحملا على هيئتهما فسألها الحاكم فأحالت على الشاب، وقال: بل هجمت علي، وزعمت أنها بلا زوج، فلفت في بارية، وأحرقت، وضرب الشاب ألف سوط.
1095
وولي دمشق للحاكم عدة أمراء ما كان يدع النائب يستقر حتى يعزله. [١] وذكرنا في ترجمته، (١) أنه خرج من القصر فطاف ليلته، ثم أصبح فتوجه إلى شرقي حلوان معه ركابيان. فرد أحدهما مع تسعة من العرب ثم أمر الآخر بالانصراف. فزعم أنه فارقه عند المقصبة. فكان آخر العهد به. وخرج الناس على رسمهم يلتمسون رجوعه، معهم الجنائب ففعلوا ذلك جمعة. ثم خرج في ثاني ذي القعدة مظفر صاحب المظلة ونسيم وعدة. فبلغوا دير القصير، وأمعنوا في الدخول في الجبل فبصروا بحماره الأشهب المسمى بقمر، وقد ضربت يداه، فأثر فيهما الضرب وعليه سرجه ولجامه، فتتبعوا أثر الحمار فإذا أثر راجل خلفه وراجل قدامه، فقصوا الأثر إلى بركة بشرقي حلوان، فنزل رجل إليها فيجد فيهما ثيابه وهي سبع جباب، فوجدت مزررة، وفيها آثار السكاكين فما شكوا في قتله. (٢)
وثم اليوم طائفة من طغام الإسماعيلية الذين يحلفون بغيبة الحاكم، ما يعتقدون إلا أنه باق، وأنه سيظهر. نعوذ بالله من الجهل. وقد قتل الحاكم جماعة من الأمراء بلا ذنب، وذبح قاضيين له. وسيرة الحاكم، وعسفه تحتمل كراريس.
(١) يشير الذهبي هنا إلى كتابه «تاريخ الإسلام».
(٢) «وفيات الأعيان»: ٥ / ٢٨٧-٢٩٨.
وقد نقل المقريزي عن المسيحي رواية أخرى لمقتله. قال «وفي المحرم سنة خمس عشرة وأربع مئة قبض على رجل من بني حسين ثار بالصعيد الأعلى، فأقر بأنه قتل الحاكم بأمر الله في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد، وأظهر قطعة من جلدة رأس الحاكم وقطعة من الفوطة التي كانت عليه، فقيل له: «لم قتلته؟» قال: «غيرة لله وللإسلام» فقيل له: «كيف قتلته؟» فأخرج سكينا ضرب بها فؤاده، فقتل نفسه، وقال «هكذا قتلته» فقطع رأسه، وأنفذ به إلى الحضرة مع ما وجد معه. هذا هو الصحيح في خبر قتل الحاكم، لا ما تحكيه المشاركة في كتبهم من أن أخته قتلته، انظر «اتعاظ الحنفا»: ٣١٤.
1096