نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
١٠٣ كعب بن مالك (ع)(١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
١٠٣ كعب بن مالك (ع)(١)
[٤] ابن أبي كعب، الأنصاري، الخزرجي، العقبي الأحدي.
شاعر رسول الله ﷺ وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليهم.
قال ابن أبي حاتم: كان كعب من أهل الصفة. وذهب بصره في خلافة معاوية.
[٥] قال عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه: أنه قال: يا رسول الله، قد أنزل الله في
الشعراء ما أنزل. قال: «إِنَّ الْمُجَاهِدَ، مُجَاهِدٌ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِهِ نُضْحَ النَّبْلِ».
(١) انظر السير: ٢/٥٢٣-٥٣٠.
187
[١] قال ابن سيرين، أما كعب، فكان يذكر الحرب، يقول: فعلنا ونفعل، ويتهددهم. وأما حسان، فكان يذكر عيوبهم وأيامهم. وأما ابن رواحة، فكان
يُعَيِّرهم بالكفر.
[٢] وقد أسلمت دوس فرقاً من بيت قاله كعب.
نُخَيِّرُهَا وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ قَوَاطِعُهُنَّ دَوْساً أَوْ ثَقِيفاً (١)
مات سنة أربعين.
[٣] عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه: سمعت كعباً يقول: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة، حتى كانت تبوك إلا بدراً. وما أحب أني شهدتها، وفاتتني بيعتي ليلة العقبة (٢)، وقلما أراد رسول الله ﷺ غزوة إلا ورأى بغيرها. فأراد في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبةً وكنت أيسر ما كنت، وأنا في ذلك أصغو (٣) إلى الظلال وطيب الثمار، فلم أزل كذلك، حتى خرج. فقلت: أنطلق غداً، فاشتري جهازي، ثم ألحق بهم. فانطلقت إلى السوق، فعسر علي، فرجعت، فقلت: أرجع غداً. فلم أزل حتى التبس بي الذنب، وتخليت، فجعلت أمشي في أسواق المدينة، فيحزنني أني لا أرى إلا مغموساً (٤) عليه في النفاق أو ضعيفاً. وكان
جميع من تخلف عن رسول الله بضعة وثمانين رجلاً.
[٤] ولما بلغ النبي ﷺ تبوك، ذكرني، وقال: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من قومي: خلفه يا نبي الله برداه، والنظر في عطفيه، فقال معاذ: بش ما قلت: والله ما نعلم
إلا خيراً.
(١) قوله (نخيرها) الضمير يعود إلى السيوف في البيت الذي قبله وهو:
قضينا من تهامة كل ريب وخير ثم أجمعنا السيوف
أي: نعطيها الخيرة، ولو نطقت، لاختارت أن نحارب دوساً أو ثقيفاً. وهما من قصيدة أوردها ابن هشام في (السيرة)
٢/٤٧٩، ٤٨٠ قالها كعب حين فرغ النبي ﷺ، وأجمع المسير إلى الطائف.
(٢) في البخاري ومسلم: ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ بيعة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي
بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها.
(٣) أصغو: أميل.
(٤) أي مطعوناً عليه في دينه، متهماً بالنفاق. وقيل: معناه: مستحقراً، تقول: غمضت فلاناً: إذا استحقرته.
188
إلى أن قال: فلما رآني ﷺ، تبسم تبسم المغضب، وقال: «ألم تكن ابتعت ظهرك؟» قلت: بلى. قال: «فما خلفك؟» قلت: والله لو بين يدي أحد غيرك جلست، لخرجت من سخطه علي بعذر، لقد أوتيت جدلاً، ولكن قد علمت يا نبي الله أني أخبرك اليوم بقول تجد علي فيه، وهو حق، فإني أرجو فيه عقبي الله. إلى أن قال: والله ما كنت قط أيسر ولا أخف حاداً (1) مني حين تخلفت عنك؟ فقال: «أما هذا فقد صدقكم، قم حتى يقضي الله فيك» فقمت. إلى أن قال: ونهى رسول الله ﷺ الناس عن كلامنا أيها الثلاثة (2). فجعلت أخرج إلى السوق، فلا يكلمني أحد، وتنكر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكرت لنا الحيطان والأرض. وكنت أطوف، وآتي المسجد، فأدخل، وآتي النبي ﷺ فأسلم عليه، فأقول: هل حرك شفتيه بالسلام! [1] واستكان صاحبي (3)، فجعلا يبكيان الليل والنهار لا يطلعان رؤوسهما! فبينما أنا أطوف في السوق إذا بنصراني جاء بطعام، يقول: من يدل على كعب؟ فدلوه علي! فأتاني بصحيفة من ملك غسان. فإذا فيها: أما بعد. فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك. ولست بدار مضيعة ولا هوان، فالحق بنا نواسك. فسجرت لها التنور، وأحرقتها.
إلى أن قال: إذ سمعت نداء من ذروة سلع (4): أبشر يا كعب بن مالك. فخررت ساجداً، ثم جاء رجل على فرس يبشرني، فكان الصوت أسرع من فرسه، فأعطيته ثوبي بشارة، وليست غيرهما. ونزلت توبتنا على النبي ﷺ ثلث الليل. فقالت أم سلمة: يا نبي الله، ألا تبشر كعباً؟ قال: «إذا يحطمكم الناس، ويمنعونكم النوم» قال فانطلقت إلى النبي ﷺ فإذا هو جالس في المسجد، وحوله المسلمون، وهو يستنير كاستنارة القمر، فقال:
(1) الحاد: الحال.
(2) أيها الثلاثة: مبني على الضم في محل نصب على الاختصاص، أي: متخصصين بذلك دون بقية الناس.
(3) وهما مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي.
(4) سلع: جبل بالمدينة.
189
أبشر يا كعب بخير يوم أتى عليك. ثم تلا عليهم: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾
[التوبة ١١٧] الآيات.
وفينا نزلت أيضاً: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩].
فقلت يا نبي الله، إن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً، وأن أنخلع من مالي كله
صدقة. فقال «أمسك عليك بعض مالك. فهو خير لك...» الحديث.
[١] وفي لفظ: فقام إلي طلحة يهرول، حتى صافحني وهنأني. فكان لا ينساها
لطلحة.
190