نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٥٢٨ أبو عبد الله البخاري (ت، س) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٥٢٨ أبو عبد الله البخاري (ت، س) (١)
[٢] محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، وهي لفظة بخارية، معناها الزراع.
أسلم المغيرة على يدي اليمان الجعفي والي بخارى، وكان مجوسياً وطلب إسماعيل بن إبراهيم العلم.
[٣] محمد بن أحمد بن الفضل البلخي، سمعت أبي يقول: ذهبت عينا محمد بن إسماعيل في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال لها: يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك، شك البلخي، فأصبحنا وقد رد الله عليه بصره.
[٤] محمد بن أبي حاتم، قال: قلت لأبي عبدالله: كيف كان بدء أمرك؟ قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. فقلت: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين،
(١) انظر السير: ١٢/٣٩١-٤٧١.
898
أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي: عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، وقال: صدقت. فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة.
[١] قال ورأه محمد بن أبي حاتم: سمعته قبل موته بشهر يقول: كتبت عن ألف وثمانين رجلاً، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
ذِكْرُ رِحْلَتِهِ وَطَلَبِهِ وَتَصَانِيفِهِ
[٢] قال محمد بن أبي حاتم البخاري: سمعت أبا عبدالله محمد بن إسماعيل يقول: حججت، ورجع أخي بأمي، وتخلفت في طلب الحديث فلما طعنت في ثمان عشرة، جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم.
[٣] وصنفت كتاب «التاريخ» إذ ذاك عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة. وقل اسم في التاريخ إلا وله قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
[٤] وكنت أختلف إلى الفقهاء، بمرو وأنا صبي، فإذا جئت أستحي أن أسلم عليهم، فقال لي مؤدب من أهلها: كم كتبت اليوم؟ فقلت: اثنين وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس. فقال شيخ منهم: لا تضحكوا فلعله يضحك منكم يوماً!!
[٥] قال محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتابي «الصحيح» حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين.
[٦] إبراهيم بن معقل، سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح، وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب.
899
[١] محمد بن يوسف البخاري: قال: كنت مع محمد بن إسماعيل بمنزله ذات
ليلة، فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يُعلِّقها في ليلة ثمان عشرة مرة.
[٢] وقال محمد: سمعت النجم بن الفضيل يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم، كأنه
يمشي، ومحمد بن إسماعيل يمشي خلفه فكلما رفع النبي ﷺ قدمه، وضع محمد
ابن إسماعيل قدمه في المكان الذي رفع النبي ﷺ قدمه.
[٣] وقال: سمعت إبراهيم الخواص، مستملي صدقة، يقول رأيت أبا زرعة كالصبي
جالساً بين يدي محمد بن إسماعيل، يسأله عن علل الحديث.
ذِكْرُ حِفْظِهِ وَسَعَةِ عِلْمِهِ وَذَكَائِهِ
[٤] وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان:
كان أبو عبدالله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب،
حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما تصنع؟
فقال لنا يوماً بعد ستة عشر يوماً: إنكما قد أكثرنا علي وألححتما، فاعرضا علي ما
كتبتما. فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها
عن ظهر القلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. ثم قال: أترون أني أختلف
هدراً وأضيع أيامي؟! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.
[٥] قال: وسمعتهما يقولان: كان أهل المعرفة من البصريين يعدون خلفه في طلب
الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع
عليه الوف، أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شاباً لم يخرج وجهه.
[٦] وقال أبو أحمد عبدالله بن عدي الحافظ: سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد
ابن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا
إلى مئة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد هذا، وإسناد
هذا لمتن هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في
المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم فسأل البخاري عن حديث من عشرته،
900
فقال: لا أعرفه. وسأله عن آخر فقال: لا أعرفه. وكذلك حتى فرغ من عشرته. فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز، ثم انتدب آخر ففعل كما فعل الأول، والبخاري يقول: لا أعرفه. ثم الثالث وإلى تمام العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فكذا، والثاني كذا، والثالث كذا إلى العشرة، فرد كل متن إلى إسناده. وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النطاح.
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: وسمعته يقول: ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به.
وقال الفريزي: سمعت أبا عبدالله يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.
[١] وقال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول: ما كتبت حكاية قط، كنت أتحفظها. [٢] محمد ابن خميرويه، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح.
ذِكْرُ ثَنَاءِ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ
قال أبو جعفر: سمعت يحيى بن جعفر يقول: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد ابن إسماعيل من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد وموته ذهاب العلم.
وقال محمد: حدثني محمد بن إسماعيل، قال: كنت إذا دخلت على سليمان ابن حرب يقول: بين لنا غلط شعبة.
قال وسمعته يقول: اجتمع أصحاب الحديث، فسألوني أن أكلم إسماعيل بن أبي أويس ليزيدهم في القراءة، ففعلت، فدعا إسماعيل الجارية، وأمرها أن تخرج
901
صِرَّةَ دَنَانِير، وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَرَقُّهَا عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: إِنَّمَا أَرَادُوا الْحَدِيثَ. قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى مَا طَلَبْتَ مِنَ الزِّيَادَةِ، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يُضَمَّ هَذَا إِلَى ذَاكَ لِيَظْهَرَ أَثَرَكَ فِيهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَفْقَهُ عِنْدَنَا وَأَبْصَرُ بِالْحَدِيثِ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. فَقِيلَ لَهُ: جَاوَزْتَ الْحَدَّ. فَقَالَ لِلرَّجُلِ: لَوْ أَدْرَكْتَ مَالِكًا وَنَظَرْتَ إِلَى وَجْهِهِ وَوَجْهِهِ مُحَمَّدٍ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ، لَقُلْتَ: كِلَاهُمَا وَاحِدٌ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ: اكْتُبُوا عَنْ هَذَا الشَّابِّ - يَعْنِي: الْبُخَارِيُّ - فَلَوْ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَسَنِ لَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاسُ لَمَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ وَفِقْهِهِ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: انْتَهَى الْحِفْظُ إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ: أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَلْخِيُّ.
قَالَ ابْنُ الْأَشْعَثِ: فَحَكَيْتُ هَذَا لِمُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ الْبَلْخِيِّ، فَأَطْرَى ذِكْرَ ابْنِ شُجَاعٍ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ لَمْ يَشْتَهْرِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَعْ بِالْعُمْرِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرَبِّيُّ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى بُخَارَى فِي حَاجَةٍ لَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ ابْنُ مُنِيرٍ: لَقِيتَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا. فَطَرَدَهُ، وَقَالَ: مَا فِيكَ بَعْدَ هَذَا خَيْرٌ، إِذْ قَدِمْتَ بُخَارَى وَلَمْ تَصِرْ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ.
عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: رَجُلٌ إِلَيَّ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا، فَمَا رَجُلٌ إِلَيَّ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ مَهْيَارٌ: صَدَقَ. أَنَا رَأَيْتُهُ مَعَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَهُمَا يَخْتَلِفَانِ جَمِيعًا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَرَأَيْتُ يَحْيَى يَنْقَادُ لَهُ فِي الْمَعْرِفَةِ. وَعَنْ قُتَيْبَةَ قَالَ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِي الصَّحَابَةِ لَكَانَ آيَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْهَمَذَانِيُّ: كُنَّا عِنْدَ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ شَعْرَانِيُّ
902
يقال له: أبو يعقوب، فسأله عن محمد بن إسماعيل، فنكس رأسه، ثم رفعه إلى السماء، فقال: يا هؤلاء، نظرتُ في الحديث ونظرتُ في الرأي، وجالستُ الفقهاء والزهاد والعباد، ما رأيتُ منذ عقَلتُ مثل محمد بن إسماعيل.
قال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبي.
[١] ثم قال: سمعتُ الحسن بن أحمد الشيباني المعدل، سمعتُ أحمد بن حمدون يقول: رأيتُ محمد بن إسماعيل في جنازة سعيد بن مروان ومحمد بن يحيى الذهلي يسأله عن الأسماء والكنى والعلل، ومحمد بن إسماعيل يمر فيه مثل السهم، كأنه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
[٢] وقال محمد بن حمدون بن رستم: سمعتُ مسلم بن الحجاج، وجاء إلى البخاري فقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله.
وقال أبو علي صالح بن محمد جزرة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفاً.
[٣] خالد بن عبدالله المروزي، سمعتُ أبا سهل محمد بن أحمد المروزي سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائماً بين الركن والمقام فرأيتُ النبي ﷺ، فقال لي: يا أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي، ولا تدرس كتابي؟ فقلتُ: يا رسول الله، وما كتابك؟ قال: «جامع» محمد بن إسماعيل.
ذِكْرُ عِبَادَتِهِ وَفَضْلِهِ وَوَرَعِهِ وَصَلَاحِهِ
[٤] مسيح بن سعيد قال: كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة.
[٥] وقال بكر بن منير: سمعتُ أبا عبدالله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبتُ أحداً.
903
قلت: صَدَقَ رحمه الله، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم وزعه في الكلام في الناس، وانصافه فيمن يُضَعِّفُه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا، وقُلْ أن يقول: فلانٌ كذَّاب، أو كان يضعُ الحديث، حتى إنه قال: إذا قلتُ فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحداً. وهذا هو والله غاية الورع.
[١] قال محمد بن أبي حاتم الوراق: وسمعته يقول: ما اغتبتُ أحداً قطُّ منذ علمتُ أن الغيبة تضرُّ أهلها. قال: وكان أبو عبدالله يُصَلِّي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، وكان لا يُوقظني في كل ما يقوم. فقلتُ: أراك تحمِلُ على نفسك، ولم توقظني. قال أنت شابٌّ، ولا أحبُّ أن أفيدَ عليك نومك.
[٢] وقال محمد بن أبي حاتم: دُعِي محمد بن إسماعيل إلى بستان بعض أصحابه، فلما صَلَّى بالقوم الظهر، قام يتطوَّع، فلما فرغ من صلاته، رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت قميصي شيئاً؟ فإذا زنبور قد أبرَه في ستة عشر أو سبعة عشر موضعاً، وقد تورم من ذلك جسده فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرَك؟ قال: كنتُ في سورة، فأحببتُ أن أتمَّها!! [٣] عن الفِرَبِّي، قال: رأيتُ النبي ﷺ في النوم، فقال لي: أين تريد؟ فقلتُ: أريد محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: أقرأه مني السلام.
[٤] وقال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول لأبي معشر الضرير: اجعلني في حلٍّ يا أبا معشر، فقال: من أي شيء؟ قال: رويتُ يوماً حديثاً فنظرتُ إليك، وقد أعجبت به، وأنت تُحرِّك رأسك ويدك، فتبسَّمتُ من ذلك. قال: أنت في حلٍّ، رحمك الله يا أبا عبدالله.
[٥] قال: وكان يركبُ إلى الرمي كثيراً، فما أعلمني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، فكان يصيب الهدف في كل ذلك، وكان لا يُسبَق. [٦] قال محمد بن أبي حاتم: وكان أبو عبدالله ربما يأتي عليه النهار فلا يأكل رقاقة، إنما كان يأكل أحياناً لوزتين أو ثلاثاً.
904
[١] وقال محمد الوراق: دخل أبو عبدالله يفرّج الحمام، وكنت أنا في مشلح الحمام، أتعاهد عليه ثيابه، فلما خرج ناولته ثيابه، فلبسها ثم ناولته الخفّ، فقال: مسست شيئاً فيه شعر النبي ﷺ فقلت: في أيّ موضع هو من الخفّ؟ فلم يخبرني، فتوهمت أنه في ساقه بين الظهارة والبطانة.
ذِكْرُ قِصَّتِهِ مع محمد بن يحيى الذهلي رحمهما الله
[٢] قال الحاكم أبو عبدالله: سمعت محمد بن حامد البزاز قال: سمعت الحسن ابن محمد بن جابر يقول: سمعت محمد بن يحيى قال لنا: لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، فحسّده بعد ذلك وتكلم فيه.
[٣] وقال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل يقول: لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري، دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبدالله أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى كل من يختلف إليك يطرد؟ فقال: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم. والعلم رزق الله يعطيه من يشاء. فقلت: هذه المسألة التي تحكي عنك؟ قال: يا بني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها. [٤] قلت: المسألة هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري، فوقف فيها، فلما وقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة، واستدل لذلك، فهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه، وأخذه بلازم قوله هو وغيره (١).
(١) ولازم المذهب ليس بلازم كما هو مذهب جمهور المحققين من العلماء، ونقل ابن ناصر الدين في مقدمة كتابه «الرد الوافرة» عن الإمام الذهبي - ووصفه بإمام التعديل والجرح، والمعتمد عليه في المدح والقدح - كلمة جاء فيها: ونعوذ بالله من الهوى والمرء في الدين، وأن نكفر مسلماً موحداً بلازم قوله، وهو يفر من ذلك اللازم، وينزه ويعظم الرب.
905
[١] قال الحاكم: أخبرنا أبو عبدالله محمد بن يعقوب بن الأخرم سمعت ابن علي المخلدي، سمعت محمد بن يحيى يقول: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية.
قال محمد بن نصر المروزي: سمعته يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله، فقلت له: يا أبا عبدالله، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه، فقال: ليس إلا ما أقول.
[٢] وقال سمعت محمد بن صالح بن هاني: سمعت أحمد بن سلمة يقول: دخلت على البخاري، فقلت: يا أبا عبدالله، هذا رجل مقبول بخراسان خصوصاً في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟ فقبض على لحيته، ثم قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤]. اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً، ولا طلباً للرئاسة، وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما أتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غداً لتتخلصوا من حديثه لأجلي.
قال: فأخبرت جماعة أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري. كنت معه حين خرج من البلد، وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره.
[٣] قال: وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إليه، فلما وقع بين الذهلي والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس عنه، انقطع عنه أكثر الناس غير مسلم. فقال الذهلي يوماً: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم رداء فوق عمامته وقام على رؤوس الناس وبعث إلى الذهلي ما كتب عنه على ظهر جمال. وكان مسلم يظهر القول باللفظ ولا يكتمه.
[٤] وقال محمد بن أبي حاتم: أتى رجل أبا عبدالله البخاري، فقال: يا أبا عبدالله، إن فلاناً يكفرك! فقال: قال النبي ﷺ «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به
906
أَحَدُهُمَا».
[١] وكان كثير من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك، فيقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦] ويتلو أيضاً ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
[٢] فقال له عبد المجيد بن إبراهيم: كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويهتونك؟ فقال: قال النبي ﷺ «اصبروا حتى تلقوني على الحوض». [٣] قال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول: لم يكن يتعرض لنا قط أحد من أفناء الناس إلا رمي بقارعة، ولم يسلم، وكلما حدث الجهال أنفسهم أن يمكروا بنا رأيت من ليلتي في المنام ناراً توقد ثم تطفأ من غير أن ينتفع بها، فأتأول قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة ٦٤].
[٤] وكان هجيراه (١) من الليل إذا أتيته في آخر مقدمه من العراق: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران ١٦٠] الآية.
[٥] وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومئتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة وترك حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق. [٦] قلت: إن تركا حديثه، أو لم يتركاه، البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم.
ذكر محنته مع أمير بخارى
[٧] وقال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ البخاري يقول: كان سبب منافرة أبي عبد الله أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة الطاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله، فيقرأ «الجامع» و «التاريخ» على أولاده، فامتنع عن الحضور عنده، فراسله بأن يعقد مجلساً لأولاده، (١) أي: كلامه ودأبه وشأنه. وفي حديث عمر رضي الله عنه: ماله هجيري غيرها، أي: الذاب والعادة والديدن.
907
لا يحضره غيرهم، فامتنع، وقال: لا أخص أحداً. فاستعان الأمير بحريث بن أبي الورقاء وغيره حتى تكلموا في مذهبه. ونفاه عن البلد، فدعا عليهم، فلم يأت إلا شهر حتى ورد أمر الطاهرية، بأن ينادى على خالد في البلد، فنودي عليه على أتان. وأما حريث، فإنه ابتلي بأهله، فرأى فيها ما يجل عن الوصف. وأما فلان، فابتلي بأولاده، وأراه الله فيهم البلايا.
وقال الحاكم: حدثنا خلف بن محمد، حدثنا سهل بن شاذويه قال كان محمد ابن إسماعيل يسكن سكة الدهقان، وكان جماعة يختلفون إليه يظهرون شعار أهل الحديث من إفراد الإقامة، ورفع الأيدي في الصلاة وغير ذلك. فقال حريث بن أبي الورقاء وغيره: هذا رجل مشغب، وهو يفسد علينا هذه المدينة، وقد أخرجه محمد ابن يحيى من نيسابور، وهو إمام أهل الحديث، فاحتجوا عليه بابن يحيى، واستعانوا عليه بالسلطان في نفيه من البلد، فأخرج، وكان محمد بن إسماعيل ورعاً، يتجنب السلطان ولا يدخل عليهم.
[١] قلت: خالد بن أحمد الأمير، قال الحاكم: له ببخارى آثار محمودة كلها، إلا موجدته على البخاري، فإنها زلة، وسبب لزوال ملكه.
ذكر وفاته
[٢] قال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي يقول: جاء محمد ابن إسماعيل إلى خرتنك - قرية - على فرسخين من سمرقند وكان له بها أقرباء فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو، وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك فما تم الشهر حتى مات. وقبره بخرتنك.
[٣] وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله يقول: إنه أقام عندنا أياماً، فمرض واشتد به المرض حتى وجه رسولاً إلى مدينة سمرقند في إخراج محمد، فلما وافى تهياً للركوب، فلبس خفيه، وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها، وأنا آخذ بعضده، ورجل آخر معي
908
يقودُه إلى الدابة ليركبها، فقال رحمه الله: أرسلوني، فقد ضعفتُ، فدعا بدعواتٍ، ثم اضطجع فقضي رحمه الله. فسال منه العرقُ شيء لا يُوصف. فما سكن منه العرقُ إلى أن أدرجناه في ثيابه. وكان فيما قال لنا، وأوصى إلينا أن كفنوني في ثلاثة أثوابٍ بيض ليس فيها قميصٌ ولا عمامة ففعلنا ذلك، فلما دفناه فاح من تُراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك، فدام ذلك أياماً ثم علت سواريٌّ بيضٌ في السماء مستطيلةً بحذاء قبره، فجعل الناس يختلفون ويتعجبون. وأما الترابُ فإنهم كانوا يرفعون عن القبر، حتى ظهر القبر ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحراس. وغُلبنا على أنفسنا، فنصبنا على القبر خشباً مشبكاً لم يكن أحدٌ يقدر على الوصول إلى القبر فكانوا يرفعون ما حول القبر من التراب، ولم يكونوا يخلصون إلى القبر. وأما ريح الطيب فإنه تداوم أياماً كثيرة، حتى تحدّث أهل البلدة وتعجبوا من ذلك، وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته، وخرج بعض مخالفيه إلى قبره وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم المذهب.
[١] وقال محمد بن محمد بن مكي الجرجاني: سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم، ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقف في موضع، فسلمت عليه، فردّ علي السلام فقلت: ما وقوفك يا رسول الله؟ قال أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا قد مات في الساعة التي رأيت النبي ﷺ فيها.
[٢] وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا ذر يقول: رأيت محمد بن حاتم الخلقاني في المنام، وكان من أصحاب محمد بن حفص، فسألته - وأنا أعرف أنه ميت - عن شيخي رحمه الله، هل رأيته؟ قال: نعم رأيته وهو ذاك، يشير إلى ناحية سطح من سطوح المنزل. ثم سألته عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، فقال: رأيته، وأشار إلى السماء إشارة كاد أن يسقط منها لعلو ما يشير.
[٣] وقال أبو علي الغساني: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السكتي السمرقندي، قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى الناس مراراً، فلم
909
يُسْقُوا، فأتى رجلٌ صالح معروفٌ بالصلاح إلى قاضي سَمَرْقَنْد، فقال له: إني رأيتُ رأياً أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ. قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج الناسُ معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وقبره بِحَرْثَنَك ونستسقي عنده، فعسى الله أن يَسْقِينَا. قال: فقال القاضي: نِعْمَ ما رأيتُ. فخرج القاضي والناسُ معه، واستسقى القاضي بالناس، وبكى الناسُ عند القبر، وتشفّعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السماء بماءٍ عظيم غزير، أقام الناسُ من أجله بِحَرْثَنَك سبعة أيام أو نحوها، لا يستطيع أحدُ الوصول إلى سَمَرْقَنْد من كثرة المطر وغزارته، وبين حَرْثَنَك وسَمَرْقَنْد نحو ثلاثة أميال.
910