تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٧٠٠ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدِ الْبَلُّوطِيُّ (٢)

الصفحات 1160–1163 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 4 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٧٠٠ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدِ الْبَلُّوطِيُّ (٢)

[١] أبو الحكم الأندلسي، قاضي الجماعة بقرطبة، يُنسب إلى قبيلة يقال لها: كُزنة، وهو من موضع قريب من قرطبة، يقال له: فحص البلوط. [٢] كان فقيهاً محققاً، وخطيباً بليغاً مفوهاً، له اليوم المشهور الذي ملأ فيه الآذان،

(٢) انظر السير: ١٦/١٧٣-١٧٨

1160

وبهر العقول، وذلك أن المستنصر بالله كان مشغوفاً بأبي عليٍّ القالي، يؤهله لكلّ مهم، فلما ورد رسول الروم أمره أن يقوم خطيباً على العادة الجارية، فلما شاهد أبو علي الجمع العظيم جبن فلم تحمله رجلاه، ولا ساعده لسانه، وفطن له منذر بن سعيد، فوثب في الحال، وقام مقامه وارتجل خطبة بديعة، فأبهت الخلق وأنشد في آخرها لنفسه:

هذا المقال الذي ما عابه فند لكن صاحبه أزرى به البلد لو كنت فيهم غريباً كنت مطرفاً لكنني منهم فاغتالني النكد لولا الخلافة أبقى الله بهجتها ما كنت أبقى بأرض ما بها أحد فاستحسنوا ذلك.

[١] قال ابن بشكوال في بعض كتبه: منذر بن سعيد خطيب بليغ مصقع (١) لم يكن بالأندلس أخطب منه، مع العلم البارع، والمعرفة الكاملة واليقين في العلوم، والدين والورع، وكثرة الصيام والتهجد، والصدع بالحق، كان لا تأخذه في الله لومة لائم وقد استسقى غير مرة، فسقي.

[٢] قال أبو محمد بن حزم: أخبرني حكم بن منذر بن سعيد أخبرني أبي أنه حج راجلاً مع قوم رجالة، فانقطعوا وأعوزهم الماء في الحجاز وتاهوا، قال: فأوينا إلى غار ننتظر الموت، فوضعت رأسي ملصقاً بالجبل، فإذا حجر كان في قبالته، فعالجته، فنزعته فانبعث الماء، فشربنا وتزودنا.

[٣] قال الحسن بن محمد: قحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر، فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فصام أياماً وتأهب، واجتمع الخلق في مصلى الرض وصعد الناصر في أعلى قصره ليشاهد الجمع، فأبطأ منذر ثم خرج راجلاً متخشعاً، وقام ليخطب فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته

(١) الخطيب المصقع: البليغ الماهر في خطبته، وهو «مفعل» من الصقع ومعناه رفع الصوت ومتابعته، ومفعل: من أبنية المبالغة «لسان العرب» مادة: صقع.

1161

بأن قال: سلام عليكم، ثم سكت شبه الحَسِير، ولم يكن من عادته، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه، ثم اندفع فقال: سلام عليكم، ﴿كُتِبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الأنعام ٥٤] استغفروا ربكم وتوبوا إليه، وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه، فضج الناس بالبكاء، وجاروا بالدعاء والتضرع وخطب فأبلغ، فلم ينقض القوم حتى نزل غيث عظيم.

[١] واستسقى مرة، فقال يهتف بالخلق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥، ١٦] فهيج الخلق على البكاء.

[٢] قال: وسمعت من يذكر أن رسول الناصر جاءه للاستسقاء، فقال للرسول: ها أنا سائر، فليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة في يومنا هذا؟ فقال: ما رأيته قط أخشع منه في يومه هذا، إنه منفرد بنفسه، لا بس أخشن الثياب، مفترش التراب، قد علا نحيبه واعترافه بذنوبه، يقول: رب هذه ناصيتي بيدك، أترك تعذب الرعية، وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم، أن يفوتك مني شيء، فتهلل منذر بن سعيد، وقال: يا غلام احمل الممطرة معك، إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء. [٣] قال ابن عفيف: من أخباره المحفوظة: أن أمير المؤمنين عمل في بعض سطوح الزهراء قبة بالذهب والفضة وجلس فيها، ودخل الأعيان، فجاء منذر بن سعيد، فقال له الخليفة كما قال لمن قبله: هل رأيت أو سمعت أن أحداً من الخلفاء قبلي فعل مثل هذا؟ فأقبلت دموع القاضي تتحدر، ثم قال: والله ما ظننت يا أمير المؤمنين أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ أن أنزلك منازل الكفار، قال: لم؟ فقال: قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ إلى قوله ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٣-٣٥] فنكس الناصر رأسه طويلاً، ثم قال: جزاك الله عنا خيراً وعن المسلمين، الذي قلت هو الحق، وأمر بنقض سقف القبة. [٤] وخطب يوماً فأعجبته نفسه، فقال: حتى متى أعظ ولا أتعظ وأزجر ولا أزدجر،

1162

أَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَدِلِّينَ وَأَبْقَى مُقِيمًا مَعَ الْحَائِرِينَ، كَلَّا إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، اللَّهُمَّ فَرَعِبْنِي لِمَا خَلَقْتَنِي لَهُ، وَلَا تَشْغَلْنِي بِمَا تَكَفَّلْتَ لِي بِهِ. [١] وَقَدْ اسْتَغْرَقَ مَرَّةً فِي خَطَبَتِهِ بِجَامِعِ الزَّهْرَاءِ فَأَدْخَلَ فِيهَا ﴿أَتُبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء ١٢٨-١٣٠] فَتَخَيَّرَ النَّاصِرُ لِخِطَابَةِ الزَّهْرَاءِ أَحْمَدَ بْنَ مَطْرَفٍ إِذَا حَضَرَ النَّاصِرَ. تُوُفِّيَ مُنْذِرٌ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثَ مِئَةٍ.

1163

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080