نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٩١٤ الخُبُوشَانِيُّ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٩١٤ الخُبُوشَانِيُّ (١)
[١] الفقيه الكبير، الزاهد، نجم الدين، أبو البركات محمد بن موفق بن سعيد، الخُبُوشَانِيُّ، الشافعي، الصوفي.
قال المُنْذِرِيُّ: وَلَدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِ مِئَةٍ، قَدِمَ مِصْرَ فَأَقَامَ بِمَسْجِدٍ مُدَّةً، ثُمَّ بَتَرَبَّةَ الشَّافِعِيِّ، وَتَبَلَّلَ لِإِنْشَائِهَا، وَدَرَسَ بِهَا، وَأَفْتَى وَصَنَّفَ. وَخُبُوشَانُ مِنْ قُرَى نَيْسَابُورَ.
قال ابن خلكان: كان السلطان صلاح الدين يُقَرِّبُهُ، ويعتقد فيه، ورأيت جماعة من أصحابه، فكانوا يَصِفُونَ فَضْلَهُ وَدِينَهُ وَسَلَامَةَ بَاطِنِهِ.
[٢] وقال الموفق عبد اللطيف: سكن السَّمْيَسَاطِيَّة، وعرف الأمير نجم الدين أيوب، وأخاه، وكان قشفاً في العيش، يابساً في الدين، وكان يقول: أصعد إلى مصر، وأزيل ملك بني عبيد اليهودي، إلى أن قال: فنزل بالقاهرة، وصرح بثلب أهل القصر، وجعل سبهم تسبيحة، فحاروا فيه، فنفذوا إليه بمال عظيم قيل: أربعة آلاف دينار، فقال للرسول: ويلك، ما هذه البدعة؟! فأعجله، فرمى الذهب بين يديه، فضربه وأنزله من السلم.
[٣] ومات العاضد، وتهيئوا الخطبة لبني العباس، فوقف الخُبُوشَانِيُّ بعصاه قدام المنبر، وأمر الخطيب بذلك، ففعل، ولم يكن إلا الخير، وزينت بغداد. ولما بنى مكان الشافعي، نبش عظام ابن الكيزاني، وقال: لا يكون صديق وزنديق معاً، فشد الحنابلة عليه، وتألبوا، وصار بينهم حملات حربية وغلبهم.
[٤] وقيل: التمس من السلطان إسقاط ضرائب لا يمكن إسقاطها، وساء خلقه، فقال: قم لا نصرك الله! ووكزه بعصاه، فوقعت قلنسوته، فوجم لذلك، ثم حضر
(١) انظر السير: ٢١ / ٢٠٤-٢٠٧.
1482
وَقْعَةٌ، فَكُسِرَ، فَظَنُّ أَنَّهُ بِدُعَائِهِ، فَجَاءَ وَقَبَّلَ يَدَيْهِ، وَسَأَلَهُ الْعَفْوَ. [١] وَجَاءَهُ حَاجِبُ نَائِبِ مِصْرَ الْمَظْفَرِ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ: تَقِيُّ الدِّينِ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ. فَقَالَ الْخُبُوشَانِيُّ قُلْ: بَلْ شَقِيُّ الدِّينِ لَا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنَّهُ يَعْتَذِرُ، وَيَقُولُ: لَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ لِبَيْعِ الْمِزْرِ. (١) قَالَ: يَكْذِبُ. قَالَ: إِنْ كَانَ ثَمَّ مَكَانٌ، فَأَرْنَاهُ. قَالَ: اذْنُ، فَدَنَا فَأَمْسَكَ بِشَعْرِهِ، وَجَعَلَ يَلْطِمُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَقُولُ: لَسْتُ مَزَّارًا فَأَعْرِفَ مَوَاضِعَ الْمِزْرِ، فَخَلَّصُوهُ مِنْهُ. [٢] وَعَاشَ عُمُرَهُ لَمْ يَأْخُذْ دِرْهَمًا لِمَلِكٍ، وَلَا مِنْ وَقْفٍ، وَدَفَنَ فِي الْكِسَاءِ الَّذِي صَحِبَهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ تَاجِرٍ صَحِبَهُ مِنْ بَلَدِهِ. [٣] وَأَتَاهُ الْقَاضِي الْفَاضِلُ لِزِيَارَةِ الشَّافِعِيِّ، فَرَآهُ يُلْقِي الدَّرْسَ، فَجَلَسَ وَجَنَّبَهُ إِلَى الْقَبْرِ، فَصَاحَ: قُمْ قُمْ، ظَهْرُكَ إِلَى الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ مُسْتَدِيرَهُ بِقَالِبِي، فَأَنَا مُسْتَقْبَلُهُ بِقَلْبِي. فَصَاحَ فِيهِ، وَقَالَ: مَا تُعْبُدُنَا بِهَذَا، فَخَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ. قُلْتُ: مَاتَ الْخُبُوشَانِيُّ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِ مِئَةٍ.
(١) الْمِزْرُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ، نَبِيذٌ يَتَّخِذُ مِنَ الذَّرَّةِ، وَقِيلَ: مِنَ الشَّعِيرِ أَوِ الْحِنْطَةِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ: ٣٢٤/٤ وَكَأَنَّهُ يَشْبَهُ (الْبِيرَةَ) فِي أَيَّامِنَا. وَكَانَ لِنَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ ابْنُ أَخِي السُّلْطَانِ صَلَاحَ الدِّينِ مَوَاضِعَ بِيَاعٍ فِي الْمِصْرَ عَلَى مَا قِيلَ، فَكَتَبَ الشَّيْخُ الْخُبُوشَانِيُّ وَرَقَةً إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَذْكُرُ لَهُ هَذَا، فَسَيَرِهَا صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ وَطَلَبَ مِنْهُ إِرْضَاءُ الشَّيْخِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ حَاجِبَهُ أَنْ يَقِفَ بِيَابِ مَدْرَسَةِ الْخُبُوشَانِيِّ رَيْثَمَا بَهِيءَ لَهُ الْأُمُورَ فَتَحَادَثَ مَعَ الشَّيْخِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
1483