نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٢٢٣ علي بن الحسين (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٢٢٣ علي بن الحسين (ع) (١)
[٧] ابن الإمام علي بن أبي طالب، السيد الإمام، زين العابدين، الهاشمي العلوي، المدني، يكنى أبا الحسين.
وأمه أم ولد، اسمها سلامة سلافة بنت ملك الفرس يزدجرد.
(١) انظر السير: ٤/٣٨٦-٤٠١.
404
وُلِدَ في سنة ثمان وثلاثين ظناً.
[١] وحَدَّثَ عن أبيه الحُسَين الشهيد، وكان معه يوم كائنة كربلاء وله ثلاث وعشرون
سنة، وكان يومئذٍ موعوكاً فلم يُقاتل ولا تَعَرَّضوا له، بل أحضروه مع آله إلى دمشق،
فأكرمه يزيد، وردّه مع آله إلى المدينة.
[٢] عن الزُّهري، قال: ما رأيتُ قرشياً أفضل من علي بن الحسين.
[٣] عن مالك، قال: كان عبيد الله بن عبد الله من العلماء، وكان إذا دخل في
صلاته، فقعد إليه إنسان، لم يُقبِل عليه حتى يفرغ، وإن علي بن الحسين كان من
أهل الفضل، وكان يأتيه فيجلس إليه، فيطول عبيد الله في صلاته ولا يلتفت إليه،
فقيل له: علي وهو ممن هو منه فقال: لا بد لمن طلب هذا الأمر أن يُعنى به.
[٤] وقال: قال نافع بن جبير لعلي بن الحسين: إنك تجالس أقواماً دوناً قال: آتي
من انتفع بمجالسته في ديني.
قال: وكان نافع يجد في نفسه، وكان علي بن الحسين رجلاً له فضل في
الدين.
[٥] عن هشام بن عروة، قال: كان علي بن الحسين يخرج على راحلته إلى مكة
ويرجع لا يقرعها، وكان يجالس أسلم مولى عمر، فقيل له: تدع قريشاً، وتجالس
عبد بني عدي. فقال: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع.
[٦] وعن عبد الرحمن بن أردك يقال هو أخو علي بن الحسين لأمه قال: كان علي
ابن الحسين يدخل المسجد فيشق الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال
له نافع بن جبير: غفر الله لك، أنت سيد الناس، وتأتي تتخطى حتى تجلس مع
هذا العبد، فقال علي بن الحسين: العلم يُبتغى ويُؤتى ويُطلب من حيث كان.
[٧] عن يحيى بن سعيد، عن علي: يا أهل العراق، أحبونا حب الإسلام، ولا
تُحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شيئاً.
[٨] قال أبو بكر بن البرقي: نسل الحسين كله من قبل ابنه علي الأصغر، وكان
أفضل أهل زمانه، ويقال: إن قريشاً رغبت في أمهات الأولاد بعد الزهد فيهن حين
405
نشأ علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبدالله. [١] عن الرهري، قال: حدثت علي بن الحسين بحديث، فلما فرغت قال: أحسنت هكذا حدثناه، قلت: ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني، قال: لا تقل ذلك، فليس ما لا يعرف من العلم، إنما العلم ما عرف، وتواطأت عليه الألسن.
[٢] عن أبي نوح الأنصاري، قال: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله النار. فما رفع رأسه حتى طفئت. فقيل له في ذلك فقال: ألهتني عنها النار الأخرى.
[٣] عن عبدالله بن أبي سليمان، قال: كان علي بن الحسين إذا مشى لا تجاوز يده فخذيّه ولا يخطر بها، وإذا قام إلى الصلاة، أخذته رعدة، فقيل له، فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي. وعنه، أنه كان إذا توضأ أصفر.
[٤] عن مالك: أحرم علي بن الحسين، فلما أراد أن يلبي، قالها، فأغمي عليه، وسقط من ناقته فهشم، ولقد بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات. وكان يسمى زين العابدين لعبادته.
[٥] عن طاووس: سمعت علي بن الحسين وهو ساجد في الحجر يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك. قال: فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني.
[٦] عن أبي حمزة الثمالي، أن علي بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة، ويقول: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب.
[٧] عن محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون، لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين، فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل. [٨] عن عمرو بن ثابت: لما مات علي بن الحسين وجدوا بظهره أثرا مما كان ينقل
406
الجُرْبُ باللَّيْلِ إلى منازل الأرامل.
[١] وقال شبيبة بن نعامة: لما مات علي وجدوه يعول مئة أهل بيت. قلت: لهذا كان
يُبْخَل، فإنه يُنْفِقُ سِرًّا ويُظَنُّ أهله أنه يجمع الدراهم.
[٢] عن سعيد بن مرجانة، أنه لما حدث علي بن الحسين بحديث أبي هريرة: «من
أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله كل عضو منه بعضو منه من النار، حتى فرجه بفرجه»
فأعتق علي غلاماً له، أعطاه فيه عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم.
[٣] عن عمرو بن دينار، قال: دخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد
في مرضه فجعل محمد يبكي، فقال: ما شأنك؟ قال: علي دين، قال: وكم هو؟
قال: بضعة عشر ألف دينار، قال: فهي علي.
[٤] قال علي بن الحسين: إني لأستحي من الله أن أرى الأخ من إخواني، فأسأل
الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان غداً قيل لي: لو كانت الجنة بيدك لكنت
بها أبخل وأبخل.
[٥] قال أبو حازم المدني: ما رأيت هاشمياً أفقه من علي بن الحسين، سمعته وقد
سئل: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله ﷺ؟ فأشار بيده إلى القبر،
ثم قال: بمنزلتهما منه الساعة.
[٦] وعن علي بن الحسين، قال: فقد الأحبة غربة. وكان يقول: اللهم إني أعوذ
بك أن تحسن في لوائح (١) العيون علانيتي، وتُقبح في خفيات العيون سريرتي
اللهم كما أسأت وأحسنت إلي، فإذا عدت، فعُد علي.
[٧] قال زيد بن أسلم، كان من دعاء علي بن الحسين: اللهم لا تكلني إلى نفسي،
فأعجز عنها، ولا تكلني إلى المخلوقين فيضيعوني.
[٨] أبو يعقوب المدني، قال: كان بين حسن بن حسن وبين ابن عمه علي بن
الحسين شيء، فما ترك حسن شيئاً إلا قاله، وعلي ساكت، فذهب حسن، فلما
(١) لوائح الشيء: ما يبدو منه وتظهر علامته عليه.
407
كان في الليل، أتاه علي، فخرج، فقال علي: يا ابن عمي إن كنت صادقاً فغفر الله لي. وإن كنت كاذباً، فغفر الله لك، السلام عليك. قال: فالتزمه حسن، وبكى حتى رثى له.
[١] قال أبو نعيم: حدثنا عيسى بن دينار - ثقة - قال: سألت أبا جعفر عن المختار، فقال: قام أبي على باب الكعبة، فلعن المختار، فقيل له: تلعنه وإنما ذبح فيكم؟ قال: إنه كان يكذب على الله وعلى رسوله.
[٢] عن أبي جعفر، قال: كنا لنصلي خلفهم - يعني الأموية - من غير تقيّة، وأشهد على أبي أنه كان يصلي خلفهم من غير تقيّة.
[٣] وقيل: كان علي بن الحسين إذا سار في المدينة على بغلته، لم يقل لأحد: الطريق... ويقول: هو مشترك ليس لي أنا أنجي عنه أحداً.
وكان له جلالة عجيبة، وحق له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله.
[٤] قد اشتهرت قصيدة الفرزدق - وهي سماعنا - أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة، فكان إذا أراد استلام الحجر زوجه عليه، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالاً له، فوجم لها هشام وقال: من هذا؟ فما أعرفه، فأنشأ الفرزدق يقول:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الخطيم إذا ما جاء يستلم يغضي حياء ويغضي من مهابته فما يكلم إلا حين يتسم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله يجده أنبياء الله قد ختموا
وهي قصيدة طويلة. قال: فأمر هشام بحبس الفرزدق، فحبس بعسفان، وبعث إليه علي بن الحسين باثني عشر ألف درهم وقال: أعذر أبا فراس. فردها وقال:
408
ما قلتُ إلا غضباً لله ولرسوله، فردّها إليه وقال: يحقّي عليك لما قبلتها، فقد علم
الله بيتك ورأى مكانك. فقبلها.
مات سنة أربع وتسعين.
قلت: قبره بالبقيع، ولا بقية للحسين إلا من قبل ابنه زين العابدين.
409