نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٠٤ ابْنُ الْحَدَّادِ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٠٤ ابْنُ الْحَدَّادِ (١)
[١] الإمام، شيخ المالكية، أبو عثمان، سعيد بن محمد بن صبيح بن الحداد المغربي، صاحب سُخْنُون، وهو أحد المجتهدين، وكان بحراً في الفروع، ورأساً في لسان العرب، بصيراً بالسنن.
[٢] وكان يذم التقليد ويقول: هو من نقص العقول، أو دناءة الهمم.
[٣] ويقول: ما للعالم وملائمة المضاجع.
[٤] وكان يقول: دليل الضبط الإقلال، ودليل التقصير الإكثار.
وكان من رؤوس السنة.
[٥] قال ابن حارث: له مقامات كريمة، ومواقف محمودة في الدفع عن الإسلام، والذب عن السنة، ناظر فيها أبا العباس المعجوقي أخا أبي عبدالله الشيعي الداعي إلى دولة عبيد الله، فتكلم ابن الحداد ولم يخف سطوة سلطانهم، حتى قال له ولده أبو محمد: يا أبة! اتق الله في نفسك ولا تبالغ، قال: حسبي من له غضبت، وعن دينه ذببت.
وله مع شيخ المعتزلة الفراء مناظرات بالقيروان، رجع بها عدد من المبتدعة. [٦] قال أبو بكر بن اللباد: بينا سعيد بن الحداد جالس أتاه رسول عبيد الله - يعني المهدي - قال: فأتيته وأبو جعفر البغدادي واقف فتكلمت بما حضرني، فقال: اجلس. فجلست، فإذا بكتاب لطيف، فقال لأبي جعفر: اعرض الكتاب على الشيخ. فإذا حديث غدير خم (٢). قلت: وهو صحيح وقد روّيناه. فقال عبيد الله: فما للناس لا يكونون عبيدنا؟ قلت: أعز الله السيد لم يرد ولاية
(١) انظر السير: ١٤/٢٠٥-٢١٤.
(٢) أخرج الإمام أحمد في «مسنده» ٢/٣٧٢ عن سفيان، ثنا أبو عوانة، عن المغيرة عن أبي عبيد، عن ميمون قال: قال زيد بن أرقم - وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله ﷺ بواد يقال له: وادي خم، فأمر بالصلاة، فصلاها بهجير، قال: فخطينا وظلل لرسول الله ﷺ بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: أستم تعلمون، أو لستم تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فإن علياً مولاه. اللهم عاد من عاداه ووال من والاه وإسناده صحيح.
1032
الرَّقِّ، بل ولاية الدِّين، قال: هل من شاهد؟ قلت: قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٩]. فما لم يكن لنبي الله لم يكن لغيره. قال: انصرف لا ينالُك الحرّ فتبعني البغدادي فقال: اكتم هذا المجلس.
[١] وقال موسى بن عبد الرحمن القطان: لو سمعتم سعيد بن الحداد في تلك المحافل - يعني مناظرته للشَّيعي - وقد اجتمع له جهارة الصوت وفخامة المنطق، وفصاحة اللسان وصواب المعاني، لَتَمْنَيْتُمْ أَنْ لَا يَسْكُتَ.
[٢] وقيل: إنه سار لتلقي أبي عبد الله الشَّيعي، فقال له: أَوْ لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَأَقْضَاكُمْ عَلَيَّ...» فساق له موسى تمامه وهو «وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ، وَأَرَأَفُكُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّكُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرَ» قال: كيف يكون أشدهم وقد هرب بالراية يوم خيبر؟ قال موسى: ما سمعنا بهذا. فقلت: إِنَّمَا تَحَيَّزَ إِلَى فِئَةٍ فَلَيْسَ بِفَارٍّ.
وقال في ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠] إنما نهاه النبي ﷺ عن حزنه لأنه كان مسخوطاً. قلت: لم يكن قوله إلا تبشيراً بأنه آمن على رسول الله وعلى نفسه فقال: أين نظير ما قلت؟ قلت: قوله لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنِّي مَعَكُمْ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
فلم يكن خوفهما من فرعون خوفاً بسخط الله.
ثم قال: يا أهل البلدة: إنكم تبغضون علياً؟ قلت: على مبغضه لعنة الله. فقال: صلى الله عليه. قلت: نعم، ورفعت صوتي: صلى الله عليه وسلم، لأن الصلاة في خطاب العرب الرحمة والدعاء، قال: ألم يقل رسول الله ﷺ، «أنت مني بمنزلة هارون من موسى؟» قلت: نعم، إلا أنه قال: «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي». وهارون كان حجة في حياة موسى، وعلي لم يكن حجة في حياة النبي، وهارون فكان شريكاً أفكان علي شريكاً للنبي ﷺ، في النبوة؟ وإنما أراد التقريب والوزارة والولاية. قال: أو ليس هو أفضل؟ قلت: أليس الحق متفقاً عليه؟ قال: نعم. قلت: قد ملكت
1033
مدائن قبل مدينتنا، وهي أعظم مدينة، واستفاض عنك أنك لم تكره أحداً على
مذهبك، فاسلك بنا مسلك غيرنا ونهضنا.
وقيل: لم ير أغزر دمعة من سعيد بن الحداد، وكان قد صحب النساك، وكان
مقلًا حتى مات أخ له بصقلية، فورث منه أربع مئة دينار فبنى منها داره بمئتي دينار.
واكتسى بخمسين ديناراً، وكان كريماً حليماً.
[١] وكان يقول: القرب من السلطان في غير هذا الوقت حتف من الحتوف فكيف
اليوم؟
[٢] وقال: من طالت صحبته للدنيا وللناس فقد ثقل ظهره. خاب السالون عن الله،
المتنعمون بالدنيا. من تحب إلى العباد بالمعاصي بغضه الله إليهم.
[٣] وقال: ما صد عن الله مثل طلب المحامد، وطلب الرفعة.
مات أبو عثمان سنة اثنتين وثلاث مئة، وله ثلاث وثمانون سنة رحمه الله.
1034