تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٦١١ الحَلَّاج (٢)

الصفحات 1042–1048 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 9 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٦١١ الحَلَّاج (٢)

[٤] هو الحسين بن منصور بن محمي، أبو عبدالله، الفارسي البيضاوي الصوفي،

والبيضاء: مدينة ببلاد فارس، وكان جده محمي مجوسياً.

وكان يصحح حاله أبو العباس بن عطاء، ومحمد بن خفيف، وإبراهيم أبو

القاسم النصر آبادي.

وتبرأ منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء لما سترى من سوء سيرته ومروقه،

ومنهم من نسبه إلى الحلول، ومنهم من نسبه إلى الزندقة وإلى الشعبدة والزوكرة،

(٢) انظر السير: ١٤/٣١٣-٣٥٤.

1042

وقد تستر به طائفة من ذوي الضلال والانحلال وانتحلوه وروجوا به على الجهال، نسأل الله العصمة في الدين.

قال أبو نصر السراج: صحب الحلاج عمرو بن عثمان، وسرق منه كتباً فيها شيء من علم التصوف، فدعا عليه عمرو: اللهم اقطع يديه ورجليه. قال ابن الوليد: كان المشايخ يستقلون كلامه، وينالون منه لأنه كان يأخذ نفسه بأشياء تخالف الشريعة، وطريقة الزهاد، وكان يدعي المحبة لله، ويظهر منه ما يخالف دعواه.

قلت: ولا ريب أن اتباع الرسول ﷺ، علم لمحبة الله لقوله تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران ٣١]. قال السلمي: سمعت أبا علي الهمذاني يقول: سألت إبراهيم بن شيبان عن الحلاج، فقال: من أحب أن ينظر إلى ثمرات الدعاوي الفاسدة فلينظر إلى الحلاج وما صار إليه.

قال النديم: كان يعرف في الكيمياء، وكان مقداماً جسوراً على السلاطين، مرتكباً للعظائم، يروم إقلاب الدول، ويدعي عند أصحابه الإلهية، ويقول بالحلول، ويظهر التشيع للملوك، ومذاهب الصوفية للعامة، وفي تضاعيف ذلك يدعي أن الإلهية حلت فيه، تعالى الله وتقدس عما يقول.

[١] قال التنوخي: أخبرنا أبي قال: من مخاريق الحلاج: أنه كان إذا أراد سفراً ومعه من يتنمس عليه ويهوسه، قدم قبل ذلك من أصحابه الذين يكشف لهم الأمر، ثم يمضي إلى الصحراء، فيدفن فيها كعكاً، وسكراً وسويقاً، وفاكهة يابسة، ويعلم على مواضعها بحجر، فإذا خرج القوم وتعبوا قال أصحابه: نريد الساعة كذا وكذا. فينفرد ويرى أنه يدعو، ثم يجيء إلى الموضع فيخرج الدفين المطلوب منه، أخبرني بذلك الجم الغفير، وأخبروني قالوا: ربما خرج إلى بساتين البلد، فيقدم من يدفن الفالوذج الحار في الرقاق، والسمك السخن في الرقاق، فإذا خرج طلب منه الرجل - في الحال - الذي دفنه، فيخرجه هو.

1043

وقال التنوخي: أخبرنا أبي: سمعت أحمد بن يوسف الأزرق: أن الحلاج لما قدم بغداد استغوى خلقاً من الناس والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى لدخوله في طريقهم، فراسل أبا سهل بن نوبخت يستغويه وكان أبو سهل فطناً، فقال لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها يمكن فيها الجيل، ولكني رجل غزل، ولا لذة لي أكبر من النساء، وأنا مبتلى بالصُّلْع، فإن جعل لي شعراً وردّ لحيتي سوداء، آمنت بما يدعوني إليه وقلت: إنه باب الإمام، وإن شاء قلت: إنه الإمام، وإن شاء قلت: إنه النبي، وإن شاء قلت: إنه الله، فأيس الحلاج منه وكفّ.

وقال الفقيه أبو علي بن البناء: كان الحلاج قد ادعى أنه إله وأنه يقول بحلول اللاهوت في الناسوت، فأحضره الوزير علي بن عيسى فلم يجده - إذ سأله - يُحسّن القرآن والفقه ولا الحديث. فقال: تعلّمك الفرض والظهور أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها. كم تكتب - ويلك - إلى الناس: تبارك ذو النور الشعشعاني؟! ما أحوجك إلى أدب! وأمر به فصلّب في الجانب الشرقي، ثم في الغربي، ووجد في كتبه: إني مُغرق قوم نوح، ومُهلك عاد وثمود. وكان يقول للواحد من أصحابه، أنت نوح، ولآخر: أنت موسى، ولآخر: أنت محمد.

وقال محمد بن يحيى الرازي: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي. فقلت: أيش وجد الشيخ عليه؟ قال: قرأت آية من كتاب الله فقال: يُمكنني أن أؤلف مثله.

وقال أبو يعقوب النعماني سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيه حقاً، فما يقول الحلاج باطل. وكان شديداً عليه.

[١] أبو القاسم التنوخي: أخبرنا أبي: حدثني حسين بن عباس عمّن حضر مجلس حامد وجاؤوه بدفاتر الحلاج، فيها: إن الإنسان إذا أراد الحجّ فإنه يستغني عنه بأن يعمد إلى بيت في داره، فيعمل فيه محراباً، ويغتسل ويحرم ويقول كذا وكذا، ويصلي كذا وكذا، ويطوف بذلك البيت، فإذا فرغ فقد سقط عنه الحج إلى

1044

الكعبة، فأقر به الحلاج وقال: هذا شيء رويته كما سمعته، فتعلق بذلك عليه الوزير، واستفتى القاضيين: أبا جعفر أحمد بن البهلول، وأبا عمر محمد بن يوسف، فقال أبو عمر: هذه زندقة يجب بها القتل. وقال أبو جعفر: لا يجب بهذا قتل إلا أن يقر أنه يعتقده، لأن الناس قد يروون الكفر ولا يعتقدونه، وإن أخبر أنه يعتقده استتيب منه، فإن تاب فلا شيء عليه، وإلا قتل، فعمل الوزير على فتوى أبي عمر على ما شاع وذاع من أمره، وظهر من إلحاده وكفره فاستؤذن المقتدر في قتله، وكان قد استغوى نصراً القشوري من طريق الصلاح والدين، لا بما كان يدعو إليه، فخوف نصر السيدة أم المقتدر من قتله وقال: لا آمن أن يلحق ابنك عقوبة هذا الصالح. فمنعت المقتدر من قتله، فلم يقبل، وأمر حامداً بقتله، فحم المقتدر يومه ذلك، فازداد نصر وأم المقتدر افتتاناً، وتشكك المقتدر، فأنفذ إلى حامد يمنعه من قتله، فأخر ذلك أياماً إلى أن عوفي المقتدر، فالح عليه حامد وقال: يا أمير المؤمنين! هذا إن بقي قلب الشريعة، وارتد خلق على يده، وأدى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء فاقتلني. فأذن له في قتله، فقتله من يومه، فلما قتل قال أصحابه: ما قتل وإنما قتل برذون كان لفلان الكاتب، نفق (1) يومئذ وهو يعود إلينا بعد مدة، فصارت هذه الجهالة مقالة طائفة. قال: وكان أكثر مخاريق الحلاج أنه يظهرها كالمعجزات، يستغوي بها ضعفة الناس. ثم قطعت يده، ثم رجله، ثم حز رأسه، وأحرقت جثته، ونصب الرأس يومين ببغداد، ثم حمل إلى خراسان وطيف به. وأقبل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوماً.

قال السلمي: وحكي عنه أنه روي واقفاً في الموقف، والناس في الدعاء، وهو يقول: أنزهك عما قرفك به عبادك، وأبرأ إليك مما وحدك به الموحدون. قلت: هذا عين الزندقة، فإنه تبرأ مما وحد الله به الموحدون الذين هم الصحابة والتابعون وسائر الأمة، فهل وحدوه تعالى إلا بكلمة الإخلاص التي قال رسول الله (1) أي: مات.

1045

ﷺ من قالها من قلبه، فقد حُرِمَ مَالَهُ وَدَمَهُ». وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فإذا برئ الصوفي منها، فهو ملعون زنديق، وهو صوفي الزي، والظاهر، مُتَسَرِّر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل كما كان جماعة في أيام النبي ﷺ منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، وقد لا يعرفهم نبي الله ﷺ، ولا يعلم بهم. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُّوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة ١٠١].

[١] فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده عليه السلام على العلماء من أمته، فما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل أن من رآه المسلمون صالحاً محسناً، فهو كذلك، لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجراً أو منافقاً أو مبطلاً، فهو كذلك، وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وطائفة من الأمة تنفي عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف فيه وتتوزع من الحط عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة، لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فهذا تستريح ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين.

ثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم سوى الصحابة - لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصديق فرد الأمة، قد علمت تفرقهم فيه وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير

1046

إلا وثم أناس من جهله المسلمين ومبتدعيهم يذمونه ويحطون عليه، وما من رأس في البدعة والتجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له، ويذبون عنه، ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل المتصفين بالورع والعلم، فتدبر - يا عبد الله - نحلة الحلاج الذي هو من رؤوس القرامطة ودعاة الزندقة، وأنصف وثورع وأتق ذلك، وحاسب نفسك، فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك والعياذ بالله، أنه كان - والحالة هذه - محقاً هادياً مهدياً فجدّد إسلامك واستغث بربك أن يوفقك للحق وأن يثبت قلبك على دينه فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلاً.

وقال أبو عمر بن حيوة: لما أخرج الحلاج ليقتل، مضيت وزاحمت حتى رأيته، فقال لأصحابه: لا يهولنكم، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوماً. فهذه حكاية صحيحة توضح لك أن الحلاج ممخرق كذاب، حتى عند قتله. وقال الصولي: قيل إنه كان في أول أمره يدعو إلى الرضى من آل محمد، وكان يري الجاهل أشياء من شعبدته، فإذا وثق منه دعاه إلى أنه إله.

[1] وقال ابن باكويه: سمعت ابن خفيف يسأل: ما تعتقد في الحلاج؟ قال: أعتقد أنه رجل من المسلمين فقط. فقيل له: قد كفره المشايخ وأكثر المسلمين. فقال: إن كان الذي رأيته منه في الحبس لم يكن توحيداً، فليس في الدنيا توحيد. قلت: هذا غلط من ابن خفيف، فإن الحلاج عند قتله ما زال يوحّد الله ويصيح: الله الله في دمي، فأنا على الإسلام. وتبرأ مما سوى الإسلام. والزنديق فيوحّد الله علانية، ولكن الزندقة في سره، والمنافقون فقد كانوا يوحدون ويصومون ويصلون علانية، والنفاق في قلوبهم، والحلاج فما كان حماراً حتى يظهر الزندقة بإزاء ابن خفيف وأمثاله، بل كان يوحّ بذلك لمن استوثق من رباطه، ويمكن أن

1047

يكون تزندق في وقت، ومَرَق وأدعى الإلهية، وعمل السحر والمخاريق الباطلة مدة، ثم لمانزل به البلاء ورأى الموت الأحمر أسلم ورجع إلى الحق، والله أعلم بسره، ولكن مقالته نبرأ إلى الله منها، فإنها محض الكفر، نسأل الله العفو والعافية. كان مقتل الحلاج في سنة تسع وثلاث مئة.

1048

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080