نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٥٢ - الْعَاضِدُ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٥٢ - الْعَاضِدُ (١)
صَاحِبَ مِصْرَ الْعَاضِدُ لِدِينِ اللَّهِ خَاتَمُ الدَّوْلَةِ الْعَبِيدِيَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَمِيرِ يُوسُفَ بْنِ الْحَافِظِ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَجِيدِ، الْعَبِيدِيُّ الْحَاكِمِيُّ الْمِصْرِيُّ
(١) انظر السير: ١٥/٢٠٧-٢١٥.
1104
الإسماعيلي المدعي هو وأجداده، أنهم فاطميون.
مولده سنة ست وأربعين وخمس مئة.
أقامه طلائع بن رزيك بعد الفائز، فكان من تحت حجره، لا حل لديه ولا
ربط. وكان العاضد سببا خبيثا متخلفا.
قال القاضي شمس الدين بن خلكان: كان إذا رأى سنيًا استحل دمه. وسار
وزيره الملك الصالح طلائع سيرة مذمومة، واحتكر الغلات، وقتل عدة أمراء،
وأضعف أحوال الدولة بقتل ذوي الرأي والبأس، وصادر وعسف.
[١] وأخذ طلائع في قطع أخبار العسكر والأمراء، فتعاقدوا بموافقة العاضد لهم
على قتله، فكمن له عدة في القصر، فجرحوه، فدخل مماليك، فقتلوا أولئك،
وحملوه، فما أمسى. وذلك سنة ست وخمسين.
وولي مكانه ولده الملك العادل رزيك. وكان مليح النظم، قوي الرقص،
جوادا شجاعا، يناظر على الإمامة والقدر، وعمل قبل موته بثلاث ليال:
[٢] نحن في غفلة ونوم وللموت عيون يقظانة لا تنام
قد رحلنا إلى الحمام سينما ليت شعري متى يكون الحمام؟
نعم، ووزر للعاضد الملك أبو شجاع شاور السعدي، وكان على نيابة الصعيد
من جهة طلائع، فقوي، وندم طلائع على توليته لفروسيته وشهامته، فأوصى
طلائع وهو يموت إلى ابنه أن لا يهيج شاور.
ثم إن شاور حشد وجمع، واخترق البرية إلى أن خرج من عند تروجة، (١)
وقصد القاهرة، فدخلها من غير ممانعة، ثم فتك برزيك وتمكن.
[٣] ثم قدم دمشق جريدة إلى نور الدين مستنجدا به، فجهز معه شيركوه، بل
بعده بسنة، فاسترد له الوزارة، وتمكن، ولم يجاز شيركوه بما يليق به، فأضمر
له الشر، واستعان شاور بالفرنج، وتحصن منهم شيركوه ببلبيس، فحصروه مدة،
حتى ملوا.
(١) قرية بالقرب من الإسكندرية.
1105
واغتنم نورُ الدين خُلُو السَّاحلِ منهم فَعَمِلَ المصافُّ على حارمٍ وأسرَ ملوكاً في سنة تسع وخمسين. ورجع شِبركوه بعد أمور طويلة الشرح.
[١] ثم سَيَّرَ العاضِدُ يستنجد بشِبركوه على الفِرنج، فسار وهزم الفِرنج بعد أن كادوا يأخذون البلاد، وهمَّ شاور باغتيال شِبركوه وكبار عَسْكره فناجزوه وقتلوه في ربيع الآخر سنة أربع وستين قتله جُرديك النوري وصلاح الدين.
[٢] فاستوزر العاضِدُ شِبركوه، فلم يُطوَّل، ومات بالخانوق بعد شهرين وأيام، وقام بعده ابن أخيه صلاح الدين. وكان يُضرب بشجاعة أسد الدين شِبركوه المثل، ويخافه الفِرنج.
[٣] قلت: تلاشى أمرُ العاضِد مع صلاح الدين إلى أن خلعه، وخطب لبني العباس، واستأصل شأفة بني عبيد ومحق دولة الرفض. وكانوا أربعة عشر متخلفاً لا خليفة، والعاضِدُ في اللغة أيضاً القاطع، فكان هذا عاضداً لدولة أهل بيته.
[٤] قال ابن خلكان: أخبرني عالم أن العاضِدَ رأى في نومه كأن عقرباً خرجت إليه من مسجد عُرف بها فلدغته، فلما استيقظ طلب معبراً، فقال: ينالك مكروه من رجل مقيم بالمسجد، فسأل عن المسجد، وقال للوالي عنه، فأتي بفقير، فسأله من أين هو؟ وفيهم قدم، فرأى منه صدقاً وديناً. فقال: ادع لنا يا شيخ، وخلى سبيله، ورجع إلى المسجد، فلما غلب صلاح الدين على مصر، عزم على خلع العاضِد، فقال ابن خلكان: استفتى الفقهاء، فأفتوا بجواز خلعه لما هو من انحلال العقيدة والاستهتار، فكان أكثرهم مبالغة في الفتيا ذلك، وهو الشيخ نجم الدين الخُبوشاني، فإنه عدد مساوىء هؤلاء، وسلب عنهم الإيمان. [٥] قال أبو شامة: كان منهم ثلاثة بإفريقية: المهدي، والقائم والمنصور، وأحد عشر بمصر آخرهم العاضِد، ثم قال: يدعون الشرف ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك، وقيل: الدولة العلوية، والدولة الفاطمية، وإنما
1106
هي الدَّوْلَة اليَهُودِيَّة أو المَجُوسِيَّة المُلْحِدَة الباطنيَّة.
قلت: وكانت دولتهم مئتي سنة وثمانياً وستين سنة، وقد صنف القاضي
أبوبكر بن الباقلاني كتاب «كشف أسرار الباطنية» فافتتحه ببطلان انتسابهم إلى
الإمام علي، وكذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي.
هلك العاضد يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمس مئة بذرب مفرط وقيل
مات غماً لما سمع بقطع خطبته وإقامة الدعوة للمستضيء.
وتسلم صلاح الدين القصر بما حوى من النفائس، والأموال، وقبض أيضاً
على أولاد العاضد وآله، فسجنهم في بيت من القصر، وقمع غلمانهم
وأنصارهم، وعفى آثارهم.
قال العماد الكاتب: وهم الآن محصورون محصورون لم يظهروا وقد نقصوا
وتقلصوا، وانتقى صلاح الدين ما أحب من الذخائر، وأطلق البيع بعد في ما
بقي، فاستمر البيع فيها مدة عشر سنين.
[1] ومن كتاب من إنشاء القاضي الفاضل إلى بغداد: (وقد توالت الفتوح غرباً
ويمنًا وشاماً. وصارت البلاد بل الدنيا والشهر، بل والدهر حرماً حراماً. وأضحى
الدين واحداً بعد أن كان أدياناً، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخرؤوا
عليها صماً وعمياناً، والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع
الضلال، شائعة. ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء،
وتقطعوا أمرهم بينهم شيعاً، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعاً، وقطع دابرهم، ورغمت
أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريداً وقتلاً، وتمت كلمات ربك
صدقاً وعدلاً، وليس السيف عمن سواهم من الفرنج بصائم، ولا الليل عن السير
إليهم بنائم).
قلت: أعجبني سرد هؤلاء الملوك العبيدية على التوالي، ليتأمله الناظر
مجتمعاً. فلنرجع الآن إلى ترتيب الطباق في حدود العشرين وثلاث مئة وما
بعدها.
1107