نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٦١ - القرمطي (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٦١ - القرمطي (١)
عدو الله ملك البحرين، أبو طاهر، سليمان بن حسن، القرمطي (٢) الجنابي، (٣) الأعرابي الزنديق. الذي سار إلى مكة في سبع مئة فارس فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، وصعد على عتبة الكعبة يصيح: أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا فقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفاً، وسبى الذرية وأقام بالحرم ستة أيام.
(١) انظر السير: ١٥ / ٣٢٠-٣٢٥.
(٢) نسبة إلى حمدان قرمط، وهو أول من نشر مذهب القرامطة.
1116
بَذَلَ السَّيْفَ فِي سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَمْ يَعْرِفْ (١) أَحَدَ تِلْكَ السَّنَةِ، فَلِلَّهِ الْأَمْرِ. وَقَتَلَ أَمِيرَ مَكَّةَ ابْنَ مَحَارِبَ، وَعَرَّى الْبَيْتَ، وَأَخَذَ بَابَهُ، وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِ هَجَرَ.
وَقِيلَ: دَخَلَ قُرْمَطِيُّ سُكْرَانَ عَلَى فَرَسٍ، فَصَفَّرَ لَهُ، فَبَالَ عِنْدَ الْبَيْتِ وَضَرَبَ الْحَجَرَ بِدَبُوسِ هَشْمِهِ ثُمَّ اقْتَلَعَهُ وَبَقِيَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ عِنْدَهُمْ نَيْفًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَيُقَالُ: هَلَكَ تَحْتَهُ إِلَى هَجَرَ أَرْبَعُونَ جَمَلًا، فَلَمَّا أُعِيدَ كَانَ عَلَى قُعُودِ ضَعِيفٍ، فَسَمَّنَ.
وَكَانَ يُحْكَمُ التُّرْكِيُّ (٢) دَفَعَ لَهُمْ فِيهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَبَوْا وَقَالُوا: أَخَذْنَاهُ بِأَمْرٍ، وَمَا نَرُدُّهُ إِلَّا بِأَمْرٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي اقْتَلَعَهُ صَاحَ: يَا حَمِيرُ، أَنْتُمْ قُلْتُمْ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا فَأَيْنَ الْأَمْنُ؟ قَالَ رَجُلٌ: فَاسْتَسْلَمْتُ، وَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ أَرَادَ: وَمَنْ دَخَلَهُ فَأَمَّنُوهُ، فَلَوَى فَرَسَهُ وَمَا كَلَّمَنِي.
[١] وَاتَّفَقَ أَنَّ أَبِي السَّاجِ الْأَمِيرَ نَزَلَ بِأَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيِّ (٣) فَأَكْرَمَهُ، فَلَمَّا سَارَ لِحَرْبِهِ، بَعَثَ يَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ، وَأَنْتَ فِي خَمْسِ مِئَةٍ وَأَنَا فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَانْصَرَفَ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: كَمْ مَعَ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَاكِبٍ، قَالَ: وَلَا ثَلَاثَةَ، ثُمَّ دَعَا بَعِيدٍ أَسْوَدَ، فَقَالَ لَهُ: خَرِّقْ بَطْنَكَ بِهَذِهِ السَّكِينِ، فَبَدَّدَ مَصَارِينَهُ. وَقَالَ لِآخَرَ: اغْرِقْ فِي النَّهْرِ، فَفَعَلَ وَقَالَ لِآخَرَ: اصْعَدْ عَلَى هَذَا الْحَائِطِ، وَانْزِلْ عَلَى مُخْكٍ، فَهَلَكَ. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: إِنْ كَانَ مَعَهُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ، وَإِلَّا فَمَا مَعَهُ أَحَدٌ. وَقِيلَ صَعَدَ قُرْمَطِيٌّ لِقَلْعِ الْمِيزَابِ، فَسَقَطَ، فَمَاتَ. وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَكَانَ أَمِيرُ الْعِرَاقَيْنِ مَنْصُورُ الدَّيْلَمِيِّ، وَجَافَتْ (٤) مَكَّةَ بِالْقَتْلَى.
(١) لَمْ يَقِفْ أَحَدٌ عَلَى جَبَلٍ عَرَفَةٍ.
(٢) أَمِيرُ الْأُمَرَاءِ فِي بَغْدَادَ زَمَنَ الرَّاضِي بِاللَّهِ وَالْمُتَّقِي. كَانَ دَاهِيَةً شَجَاعًا، قَتَلَهُ الْأَكْرَادُ سَنَةَ ٣٢٩هـ. (٣) هَذِهِ النِّسْبَةُ إِلَى جَنَابَةٍ، وَهِيَ بَلْدَةٌ مِنْ أَعْمَالِ فَارِسٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْبَحْرَيْنِ عِنْدَ سِيرَافٍ، وَالْقُرَامُطَةُ مِنْهَا، فَنَسَبُوا إِلَيْهَا. (٤) أَنْتَ.
1117
قال المراغي: حدّثنا أبو عبد الله بن محرم، وكان رسول المقتدر إلى القرمطي، قال: سألتُه بعد مناظرات عن استحلاله بما فعل بمكة فأحضر الحجر في الديباج، فلما أبرز كبرت، وأرثتهم من تعظيمه والتبرك به على حالة كبيرة، وافتنت القرامطة بأبي طاهر، وكان أبوه قد أطلعه وحده على كنوز دفنها. فلما تملك، كان يقول: هنا كنز فيحفرون، فإذا هم بالمال. فيفتنون به وقال مرة: أريد أن أحفر هنا عيناً، قالوا: لا تنبع، فخالفهم، فنبع الماء، فازداد ضلالهم به، وقالوا: هو إله، وقال قوم: هو المسيح، وقيل: نبي. وقد هزم جيوش بغداد غير مرة، وعتا وتمرد.
[١] قال محمد بن رزام الكوفي: حكى لي ابن حمدان الطبيب، قال: أقمت بالقبطيف أعالج مريضاً، فقال لي رجل: إن الله ظهر، فخرجت فإذا الناس يهرعون إلى دار أبي طاهر، فإذا هو ابن عشرين سنة، شاب مليح عليه عمامة صفراء، وثوب أصفر على فرس أشهب، وإخوته حوله فصاح: من عرفني عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن، الجنابي. اعلموا أنا كنا وإياكم حميراً، وقد من الله علينا بهذا وأشار إلى غلام أمرد، فقال: هذا ربنا وإلهنا وكلنا عباده. فأخذ الناس التراب، فوضعوه على رؤوسهم. ثم قال أبو طاهر: إن الدين قد ظهر وهو دين أبينا آدم، وجميع ما أوصلت إليكم الدعاة باطل من ذكر موسى وعيسى ومحمد، هؤلاء دجالون. وهذا الغلام هو أبو الفضل المجوسي، شرع لهم اللواط، ووطء الأخت، وأمر بقتل من امتنع. فأدخلت عليه وبين يديه عدة رؤوس، فسجدت له، وأبو طاهر والكبراء حوله قيام. فقال لأبي طاهر: الملوك لم تزل تعد الرؤوس في خزائنها. فسلوه كيف بقاؤها؟ فسُئلت، فقلت: إلهنا أعلم، ولكني أقول: فجملة الإنسان إذا مات يحتاج كذا وكذا صبراً وكافوراً. والرأس جزء فيعطى حسابه. فقال: ما أحسن ما قال. ثم قال الطبيب: ما زلت أسمعهم تلك الأيام يلعنون إبراهيم وموسى ومحمداً وعلياً. ورأيت مصحفاً مسح بغائط.
1118
وقال أبو الفضل يوماً لكاتبه: اكتب إلى الخليفة، فصلّ لهم على محمد، وكل من جراب الثورة، (١) قال: والله، ماتبسط يدي لذلك. فافتض أبو الفضل أختاً لأبي طاهر الجنابي، وذبح ولدها في حجرها ثم قتل زوجها، وهم بقتل أبي طاهر، فاتفق أبو طاهر مع كاتبه ابن سنبر، وآخر عليه فقالا: يا إلهنا، إن والدة أبي طاهر قد ماتت فاحضر لتحشو جوفها ناراً، قال: وكان سنه له، فأتى، فقال: ألا تجيبها؟ قال: لا. فإنها ماتت كافرة، فعاوده، فارتاب وقال: لا تعجلا علي، دعاني أخدم دوابكما إلى أن يأتي أبي، قال ابن سنبر: ويلك هتكتنا، ونحن نرتب هذه الدعوة من ستين سنة. فلو رآك أبوك لقتلك. اقتله يا أبا طاهر، قال: أخاف أن يمسخني، فضرب أخو أبي طاهر عنقه، ثم جمع ابن سنبر الناس، وقال: إن هذا الغلام ورد بكذب سرقه من معدن حق، وإنا وجدنا فوقه من ينكحه، وقد كنا نسمع أنه لا بد للمؤمنين من فتنة يظهر بعدها حق، فأطفئوا بيوت النيران وارجعوا عن نكاح الأم، ودعوا اللواط، وعظموا الأنبياء، فضجوا وقالوا: كل وقت تقولون لنا قولاً. فاتفق أبو طاهر الذهب حتى سكنوا. قال الطبيب: فأخرج إلي أبو طاهر الحجر، وقال: هذا كان يعبد. قلت: كلا، قال: بلى. قلت: أنت أعلم، وأخرجه في ثوب ديفي (١) ممسك.
- ثم جرت لأبي طاهر مع المسلمين حروب أوهنته. وقتل جنده، وطلب الأمان على أن يرد الحجر، وأن يأخذ عن كل حاج ديناراً ويخفرهم. قلت: ثم هلك بالجذري - لا رحمه الله - سنة اثنتين وثلاث مئة بهجر كهلا. وقام بعده أبو القاسم سعيد.
(١) أي اعمل معهم بالثقة.
(١) نسبة إلى «ديف» وهي بليدة كانت بين الفرما وتنيس، من أعمال مصر.
1119