نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٩٠٨ ابن عبد المؤمن (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٩٠٨ ابن عبد المؤمن (٢)
السلطان الكبير، أبو يعقوب يوسف ابن السلطان عبد المؤمن بن علي،
صاحب المغرب.
تملك بعد أخيه المخلوع محمد لطيشه، وشربه الخمر، فخلع بعد شهر
ونصف، ونويع أبو يعقوب، وكان شيخاً مليحاً، أبيض بحمرة، مستدير الوجه،
أفوه، أعين، تام القامة، حلو الكلام فصيحاً، حلو المفاكهة، عارفاً باللغة
والأخبار والفقه، متفناً، عالي الهمة، جواداً، مهيباً، شجاعاً، خليقاً للملك.
قال عبد الواحد بن علي التميمي: صح عندي أنه كان يحفظ أحد
الصحيحين، أظنه البخاري.
قال: وكان سديد الملوكية، بعيد الهمة، جواداً، استغنى الناس في أيامه،
ثم إنه نظر في الطب والفلسفة، وحفظ أكثر كتاب «الملكي» وجمع كتب
الفلاسفة، وتطلبها من الأقطار، وكان يصحبه أبو بكر محمد بن طفيل الفيسلوف
فكان لا يصبر عنه.
وفي وسط أيامه خرج عليه سبع بن حيان ومزدغ في غمارة (٣)، فحاربهما،
(٢) انظر السير: ٢١/٩٨-١٠٣
(٣) اسم القبيلة التي ثار فيها سبع بن حيان، وقال عبد الواحد: (والقبيلة المذكورة لا يكاد يحصرها ولا يحدها
حزر لكثرتها).
1472
وأسرهما، ودخل الأندلس في سنة سبع وستين للجهاد، ويُضَمَّر الاستيلاء على باقي الجزيرة، فجهَّز الجيش إلى محمد بن سعد بن مردنيش، فالتفوا بقرب مرسية، فانكسر محمد، ثم ضايقه الموحدون بمرسية مدة، فمات، وأخذ أبو يعقوب بلاده، ثم سار، فنازل مدينة وبُذَى فحاصرها أشهراً، وكادوا أن يُسلموها من العطش، ثم استسقوا - لعنهم الله - فسقوا، وامتلأت صهاريجهم، فرحل، وهادن الفُش، وأقام بإشبيلية سنتين ونصفاً، ودانت له الأندلس، ثم رجع إلى السوس سنة ٥٧١ لتسكن فتن وقعت بين البربر.
وكان فقيهاً يتكلم في المذاهب ويقول: قول فلان صواب، ودليله من الكتاب والسنة كذا وكذا.
[١] قال عبد الواحد: لما تجهَّز لغزو الروم، أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تملى على الجند، وكان هو يُملي بنفسه، وكبار الموحدين يكتبون في ألواحهم. وكان يسهل عليه بذل الأموال سعة الخراج، كان يأتيه من إفريقية في العام مئة وخمسون وقر بغل. واستنفر في سنة تسع وسبعين أهل السهل والجبل والعرب، فعبر إلى الأندلس، وقصد شنترين بيد (١) ابن الريق لعنه الله، فحاصرها مدة، وجاء البرد فقال: غداً نترحّل، فكان أول من قوّض مخيمه علي ابن القاضي الخطيب، فلما رآه الناس، قوّضوا أخبيتهم، فكثر ذلك، وعبر ليُثَبِّر العسكر النهر، وتقدموا خوف الازدحام، ولم يدر بذلك أبو يعقوب، وعرفت الروم، فانتهزوا الفرصة، وبرزوا، فحملوا على الناس، فكشفوهم، ووصلوا إلى مخيم السلطان، فقتل على بابه خلق من الأبطال، وخُلص إلى السلطان، فطعن تحت سرته طعنة مات بعد أيام منها، وتدارك الناس، فهزموا الروم إلى البلد، وهرب الخطيب، ودخل إلى صاحب شنترين، فأكرمه، واحترمه، ثم أخذ يكاتب المسلمين، ويدل على عورة العدو، فأحرقوه، ولم يسيروا بأبي يعقوب
(١) يعني: التي بيد.
1473
إلا ليلتين، وتوفي، وصلي عليه، وصبر في تابوت، وبعث إلى تينمل، (١) فدفن
مع أبيه وابن تومرت.
مات سنة ثمانين وخمس مئة، وبايعوا ابنه يعقوب.
(١) جبال بالمغرب بينها وبين مراكش ثلاثة فراسخ.
1474