نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٩٠٢ أبو العلاء الهمذاني (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٩٠٢ أبو العلاء الهمذاني (١)
[١] الإمام الحافظ المقريء العلامة شيخ الإسلام أبو العلاء الحسن بن أحمد ابن الحسن الهمذاني العطار، شيخ همدان بلا مدافعة. مولده في سنة ثمان وثمانين وأربع مئة. وأول سماعه في سنة خمس وتسعين.
[٢] وقال الحافظ عبد القادر (٢): شيخنا أشهر من أن يعرف، تعذر وجود مثله من أعصار كثيرة، برع على حفاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير. ولقد كان يوماً في مجلسه، وجاءته فتوى في أمر عثمان - رضي الله عنه -، فأخذها، وكتب فيها من حفظه، ونحن جلوس، درجاً طويلاً، ذكر فيه نسبه، ومولده، ووفاته، وأولاده، وما قيل فيه، إلى غير ذلك.
وله التصانيف في الحديث، وفي الزهد والرفائق، وكان إماماً في الحديث وعلومه.
(١) انظر السير: ٢١ / ٤٠-٤٧.
(٢) يعني الرهاوي.
1464
وَحَصَّلَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ مَا إِنَّهُ صَنَّفَ فِيهَا الْعَشْرَةَ وَالْمُفْرَدَاتِ، وَصَنَّفَ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ، وَفِي التَّجْوِيدِ، وَكَتَابًا فِي مَاءَاتِ الْقُرْآنِ، وَفِي الْعَدَدِ، وَكَتَابًا فِي مَعْرِفَةِ الْقُرَّاءِ فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ مَجْلَدًا، اسْتُحْسِنَتْ تَصَانِيفُهُ، وَكُتِبَتْ، وَنُقِلَتْ إِلَى خُوَازِزْمٍ وَإِلَى الشَّامِ، وَبَرَعَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقِرَاءَاتِ. وَكَانَ إِذَا جَرَى ذِكْرُ الْقُرَّاءِ يَقُولُ: فُلَانٌ مَاتَ عَامَ كَذَا وَكَذَا، وَمَاتَ فُلَانٌ فِي سَنَةٍ كَذَا وَكَذَا، وَفُلَانٌ يَعْلُو إِسْنَادُهُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا.
وَكَانَ عَالِمًا إِمَامًا فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ. سَمِعْتُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا حَفِظَ كِتَابَ (الْجَمْهَرَةِ).
[١] سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كُنْتُ أَبِيتُ بِبَغْدَادَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَأَكْلُ خُبْزِ الدُّخْنِ. [٢] قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ بْنِ بُنَيْمَانَ الْأَدِيبَ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَبَا الْعَلَاءِ الْعَطَّارَ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ بَغْدَادَ يَكْتُبُ وَهُوَ قَائِمٌ، لِأَنَّ السِّرَاجَ كَانَ عَالِيًا، إِلَى أَنْ قَالَ: فَعَظُمَ شَأْنُهُ فِي الْقُلُوبِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيَمُرُّ فِي هَمَذَانَ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ رَآهُ إِلَّا قَامَ، وَدَعَا لَهُ، حَتَّى الصِّبْيَانُ وَالْيَهُودُ، وَرُبَّمَا كَانَ يَمْضِي إِلَى بَلْدَةٍ مُشْكَانٍ يُصَلِّي بِهَا الْجُمُعَةَ، فَيَتَلَقَّاهُ أَهْلُهَا خَارِجَ الْبَلَدِ، الْمُسْلِمُونَ عَلَى حِدَةٍ، وَالْيَهُودُ عَلَى حِدَةٍ، يَدْعُونَ لَهُ، إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ.
وَكَانَ يُفْتَحُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا جُمَلٌ، فَلَمْ يُدْخِرْهَا، بَلْ يُنْفِقْهَا عَلَى تَلَامِذَتِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ رُسُومٌ لِأَقْوَامٍ، وَمَا كَانَ يَبْرَحُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِينَارٍ هَمَذَانِيَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الدُّنْيَا، مَعَ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُفْتَحُ عَلَيْهِ.
وَكَانَ يَطْلُبُ لِأَصْحَابِهِ مِنَ النَّاسِ، وَيُعِزُّ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَلُوذُ بِهِ، وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً حَتَّى يَحْضُرَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَمْوَالِ الظُّلْمَةِ، وَلَا قَبْلَ مِنْهُمْ مَدْرَسَةٌ قَطُّ وَلَا رِبَاطًا، وَإِنَّمَا كَانَ يُقْرِيءُ فِي دَارِهِ، وَنَحْنُ فِي مَسْجِدِهِ سُكَّانٌ.
1465
وكان يُقْرِيءُ نصف نهاره الحديث، ونصفه القرآن والعلم، ولا يَغْشَى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يُمَكِّنُ أحداً في محلَّته أن يفعل منكراً، ولا سماعاً، وكان يُنَزِّلُ كلَّ إنسان منزلته، حتى تألفت القلوب على محبَّته وحسن الذكر له في الآفاق البعيدة، حتى أهل خوارزم الذين هم مُعْتَزِلَةً مع شدَّته في الحنبلة.
وكان حسن الصلاة لم أر أحداً من مشايخنا أحسن صلاةً منه، وكان متشدِّداً في أمر الطهارة، لا يدع أحداً يمسُّ مداسه، وكانت ثيابه قصاراً، وأكمامه قصاراً، وعمامته نحو سبعة أذرع.
وكان السنة شعاره ودثاره اعتقاداً وفعلاً، بحيث إنه كان إذا دخل مجلسه رجل، فقدَّم رجله اليسرى كلفه أن يرجع، فيقدِّم اليمنى، ولا يمسُّ الأجزاء إلا على وضوء، ولا يدع شيئاً قط إلا مستقبل القبلة تعظيماً لها. قلت: هذا لم يرد فيه ثواب.
وسمعت الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن يقول، وذكر رجلاً من أصحابه رحل: إن رجع ولم يلق الحافظ أبا العلاء ضاعت رحلته. قلت: كان أبو العلاء الحافظ في القراءات أكبر منه في الحديث، مع كونه من أعيان أئمة الحديث، له عدة رحلات إلى بغداد وأصبهان ونيسابور. توفي أبو العلاء الهمذاني بها سنة تسع وستين وخمس مئة، وله نيف وثمانون سنة.
1466