تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨٩٦ نور الدين (١)

الصفحات 1451–1455 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨٩٦ نور الدين (١)

[٣] صاحبُ الشام، الملكُ العادل، نورُ الدين، ناصرُ أمير المؤمنين تقي الملوك، ليثُ الإسلام، أبو القاسم، محمود بن الأتابك قسيم الدولة أبي سعيد زنكي بن الأمير الكبير أقسنقر، التركي السلطاني الملكشاهي.

مولده سنة إحدى عشرة وخمس مئة.

[٤] وكان نورُ الدين حامل رايتي العدل والجهاد، قل أن ترى العيون مثله، حاصر

(١) انظر السير: ٢٠/٥٣١-٥٣٩

1451

دمشق، ثم تملكها، وبقي بها عشرين سنة.

وبنى المدارس بحلب وحمص وبعلبك والجوامع والمساجد وسُلِّمت إليه دمشق

للغلاء والخوف، فحصنها، ووسع أسواقها، وأنشأ المارستان ودار الحديث

والمدارس ومساجد عدة، وأبطل المكوس، ثم أخذ من العدو بانياس والمُنيطرة (١)،

وكسر الفرنج مرات، ودوخهم وأذلهم.

[١] وكان بطلاً شجاعاً، وافر الهيبة، حسن الرمي، مليح الشكل ذا تعبُد وخوف

وورع، وكان يتعرض للشهادة، سمعه كاتبه أبو اليسر يسأل الله أن يحشره من بطون

السباع وحواصل الطير.

وبنى دار العدل، وأنصف الرعية، ووقف على الضعفاء والأيتام والمجاورين،

وأمر بتكميل سور المدينة النبوية، واستخراج العين بأحد دفنها السيل، وفتح درب

الحجاز، وعمر الخوانق والربط والجسور والخانات بدمشق وغيرها. وكذا فعل إذ

ملك حران وسنجار والرها والرقعة ومنبج وشيزر وحمص وحماة وصرخد وبعلبك وتذمر

ووقف كتباً كثيرة مثمنة، وكسر الفرنج والأرمن على حارم وكانوا ثلاثين ألفاً، فقل من

نجا، وعلى بانياس.

[٢] وكانت الفرنج قد استضرت على دمشق، وجعلوا عليها قطيعة، وأتاه أمير

الجيوش شاور مستجيراً به، فأكرمه، وبعث معه جيشاً ليرد إلى منصبه، فانتصر،

لكنه تخابث وتلائم، ثم استنجد بالفرنج، ثم جهز نور الدين رحمه الله جيشاً لجبا

مع نائبه أسد الدين شيركوه، فافتتح مصر، وقهر دولتها الرافضية، وهربت منه

الفرنج، وقتل شاور وصفت الديار المصرية لشيركوه نائب نور الدين، ثم لصلاح

الدين فأباد العبيديين واستأصلهم، وأقام الدعوة العباسية.

وكان نور الدين مليح الخط، كثير المطالعة، يصلي في جماعة ويصوم، ويتلو

ويسبح، ويتحرى في القوت، ويتجنب الكبر، ويتشبه بالعلماء والأخيار، ذكر هذا

(١) حصن بالشام قريب من طرابلس

1452

ونحوه الحافظ ابن عساكر، ثم قال: روى الحديث، وأسمعه بالإجازة، وكان من رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه، رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره حكي من صحبه حضراً وسفراً أنه ما سمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وكان يواخي الصالحين، ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوجهم بجواريه، ومتى تشكوا من ولاته عزلهم، وغالب ما تملكه من البلدان تسلمه بالأمان، وكان كلما أخذ مدينة، أسقط عن رعيته قسطاً.

[١] وقال أبو الفرج بن الجوزي: جاهد، وانتزع من الكفار نيفاً وخمسين مدينة وحصناً، وبنى بالموصل جامعاً غرم عليه سبعين ألف دينار، وترك المكوس قبل موته، وبعث جنوداً فتحوا مصر، وكان يميل إلى التواضع وحب العلماء، والصلحاء، وكاتبني مراراً، وعزم على فتح بيت المقدس، فتوفي سنة تسع وستين وخمس مئة.

[٢] وقال الموفق عبد اللطيف: كان نور الدين لم ينشف له لبد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، ويعمل أغلافاً تارة، ويلبس الصوف، ويلازم السجادة والمصحف، وكان حنفياً يراعي مذهب الشافعي ومالك، وكان ابنه الصالح إسماعيل أحسن أهل زمانه.

[٣] وقال ابن الأثير: طالعت السير، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحرياً منه للعدل، وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا من ملك له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، لقد طلبت زوجته منه، فأعطاها ثلاثة دكاكين فاستقلتها، فقال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما يبدي أنا فيه خازن للمسلمين، وكان يتهجد كثيراً، وكان عارفاً بمذهب أبي حنيفة.

[٤] قال له القطب النيسابوري: بالله لا تخاطر بنفسك، فإن أصبت في معركة لا يبقى للمسلمين أحد إلا أخذه السيف، فقال: ومن محمود حتى يقال هذا؟! حفظ الله البلاد قبلي، لا إله إلا هو.

1453

[١] قال مجد الدين ابن الأثير في نقل سبط الجوزي عنه: لم يلبس نور الدين حريراً ولا ذهباً، ومنع من بيع الخمر في بلاده، قال: وكان كثير الصوم، وله أوراد في الليل والنهار، ويكثر اللعب بالكرة، فأنكر عليه فقير فكتب إليه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن في ثغر، فربما وقع الصوت، فتكون الخيل قد أدمنت على الانعطاف والكر والفر.

وأهديت له عمامة من مصر مذهبة، فأعطاها لابن حمويه شيخ الصوفية فبيعت بألف دينار.

[٢] قال: وجاءه رجل طلبه إلى الشرع، فجاء معه إلى مجلس كمال الدين الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك: اسلك معه ما تسلك مع آحاد الناس، فلما حضر سوى بينه وبين خصمه وتحاكما فلم يثبت للرجل عليه حق، وكان ملكاً، ثم قال السلطان: فاشهدوا أني قد وهبته له.

قال العماد في «البرق الشامي» أكثر نور الدين عام موته من البر والأوقاف وعمارة المساجد، وأسقط ما فيه حرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج والعشر، وكتب بذلك إلى جميع البلاد، فكتبت له أكثر من ألف منشور.

[٣] قال سبط الجوزي: كان له عجائز، فكان يخيط الكوافي، ويعمل السكاكر، فيبعنها له سراً، ويفطر على ثمنها.

[٤] قال ابن واصل: كان من أقوى الناس قلباً وبَدَناً، لم ير على ظهر فرس أحد أشد منه، كأنما خلق عليه لا يتحرك، وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة، فلم أدركها.

قلت: قد أدركها على فراشه، وعلى ألسنة الناس: نور الدين الشهيد. [٥] قال سبط الجوزي: حكى لي نجم الدين بن سلام عن والده أن الفرنج لما نزلت على دمياط، مازال نور الدين عشرين يوماً يصوم، ولا يفطر إلا على الماء، فضعف

1454

وكاد يتلف، وكان مهيباً، ما يجسر أحد يخاطبه في ذلك، فقال إمامه يحيى: إنه رأى النبي ﷺ في النوم يقول: يا يحيى، بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط فقلت: يا رسول الله، ربما لا يصدقني. قال: قل له: بعلامة يوم حارم. وانتبه يحيى، فلما صلى نور الدين الصبح، وشرع يدعو، هابه يحيى، فقال له: يا يحيى، تحدّثني أو أحدثك؟ فارتعد يحيى، وخرس، فقال: أنا أحدثك، رأيت النبي ﷺ هذه الليلة، وقال لك كذا وكذا، قال: نعم. فبالله يا مولانا ما معنى قوله بعلامة يوم حارم؟ فقال: لما التقينا العدو، خفت على الإسلام، فانفردت، ونزلت، ومرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدي من محمود في البين، الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم افعل ما يليق بكرمك، قال: فنصرنا الله عليهم. وتملك بعده ابنه الملك الصالح أشهراً، وسلم دمشق إلى السلطان صلاح الدين وتحول إلى حلب فدام صاحبها تسع سنين ومات بالقولنج وله عشرون سنة، وكان شاباً ديناً، رحمه الله.

1455

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080