نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٩٢٠ صلاح الدين وبنوه (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٩٢٠ صلاح الدين وبنوه (١)
[١] السلطان الكبير، الملك الناصر، صلاح الدين، أبو المظفر، يوسف ابن
الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي الدويني، التكريتي المولد.
ولد في سنة اثنين وثلاثين وخمس مئة إذ أبوه نجم الدين متولي تكريت
نيابة.
ودون: بليدة بطرف أذربيجان من جهة أران، والكرج، أهلها أكراد هذبانية.
[٢] وكان نور الدين قد أمره، وبعثه في عسكره مع عمه أسد الدين شيركوه،
فحكم شيركوه مصر، فما لبث أن توفي، فقام بعده صلاح الدين، ودانت له
العساكر، وقهر بني عبيد، ومحا دولتهم، واستولى على قصر القاهرة بما حوى
من الأمتعة والنفائس، منها الجبل الياقوت الذي وزنه سبعة عشر درهماً، قال
مؤلف «الكامل» ابن الأثير: أنا رأيته ووزنته.
وخلا القصر من أهله وذخائره. وأقام الدعوة العباسية.
وكان خليقاً للإمارة، مهيباً، شجاعاً حازماً، مجاهداً كثير الغزو، عالي
الهمة، كانت دولته نيفاً وعشرين سنة.
وتملك بعد نور الدين، واتسعت بلاده.
ومنذ تسلطن، طلق الخمر واللذات، وأنشأ سوراً على القاهرة ومصر (٢)،
وبعث أخاه شمس الدين في سنة ثمان وستين، فافتتح برقة، ثم افتتح اليمن،
وسار صلاح الدين، فأخذ دمشق من ابن نور الدين.
[٣] وفي سنة إحدى وسبعين وثبت عليه الباطنية، فجرحوه.
وفي سنة ثلاث كسرته الفرنج على الرملة، وفر في جماعة، ونجا.
(١) انظر السير: ٢١ / ٢٧٨-٢٩١.
(٢) يعني فسطاط مصر، وكانت لفظة (مصر) وحتى اليوم تطلق على الفسطاط.
1489
وفي سنة خمس التقاهم وكسرهم.
وفي سنة ثمان عدى الفرات، وأخذ حران، وسروج، والرقة، والرها، وسنجار، والبيرة، وأمد، ونصيبين، وحاصر الموصل، ثم تملك حلب، وعوض عنها صاحبها زنكي بسنجار، ثم إنه حاصر الموصل ثانياً وثالثاً، ثم صالحه صاحبها عز الدين مسعود.
[١] وفي سنة ثلاث وثمانين فتح طبرية، ونازل عسقلان، ثم كانت وقعة «حطين» بينه وبين الفرنج، وكانوا أربعين ألفاً، فحال بينهم وبين الماء على تل، وسلموا نفوسهم، وأسرت ملوكهم، وبادر، فأخذ عكا وبيروت وكوكب، وسار فحاصر القدس، وجد في ذلك فأخذها بالأمان.
[٢] ثم إن الفرنج قامت قيامتهم على بيت المقدس، وأقبلوا كقطع الليل المظلم براً وبحراً وأحاطوا بعكا ليستردوها وطال حصارهم لها، وبنوا على نفوسهم خندقاً، فأحاط بهم السلطان، ودام الحصار لهم وعليهم نيفاً وعشرين شهراً، وجرى في غضون ذلك ملاحم وحروب تشيب النواصي، وما فكوا حتى أخذوها، وجرت لهم وللسلطان حروب وسير. وعندما ضرس الفريقان، وكل الحزبان، تهادن الملتان.
[٣] وكانت له همة في إقامة الجهاد، وإبادة الأضداد، ما سمع بمثلها في دهر. [٤] قال ابن واصل في حصار عزاز: كانت خيمة كان السلطان يحضر فيها، ويحض الرجال، فحضر باطنية في زي الأجناد، فقفز عليه واحد ضربه بسكين لولا المغفر الزرد (١) الذي تحت القلنسوة لقتله، فأمسك السلطان يد الباطني بيديه، فبقي يضرب في عنق السلطان ضرباً ضعيفاً، والزرد تمنع، وبادر الأمير بازكوج، فأمسك السكين، فجرحته، وما سيبها الباطني حتى بضعوه، ووثب
(١) زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة.
1490
آخِرُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ ابْنُ مَنْكَلَانَ، فَجَرَحَهُ الْبَاطِنِيُّ فِي جَنْبِهِ، فَمَاتَ، وَقُتِلَ الْبَاطِنِيُّ، وَقَفَزَ ثَالِثٌ، فَأَمْسَكَهُ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ، فَضَمَّهُ تَحْتَ إِبْطِهِ، فَطَعَنَهُ صَاحِبُ حَمَصٍ، فَقَتَلَهُ، وَرَكَبَ السُّلْطَانُ إِلَى مُخَيَّمِهِ، وَدَمُهُ يَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ، وَاحْتَجَبَ فِي بَيْتِ خَشَبٍ، وَعَرَضَ جَنْدَهُ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ، أَبْعَدَهُ.
[١] قَالَ الْمَوْفُوقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ: أَتَيْتُ، وَصَلَاحُ الدِّينِ بِالْقُدْسِ، فَرَأَيْتُ مَلَكًا يَمْلَأُ الْعُيُونَ رَوْعَةً، وَالْقُلُوبَ مَحَبَّةً، قَرِيبًا بَعِيدًا، سَهْلًا، مُحِبًّا، وَأَصْحَابُهُ يَتَشَبَّهُونَ بِهِ، يَتَسَابَقُونَ إِلَى الْمَعْرُوفِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ (الحجر: ٤٧). وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ حَضَرَتْهُ وَجَدْتُ مَجْلِسَهُ حَفْلًا بِأَهْلِ الْعِلْمِ يَتَذَاكَرُونَ، وَهُوَ يُحْسِنُ الِاسْتِمَاعَ وَالْمُشَارَكَةَ، وَيَأْخُذُ فِي كَيْفِيَّةِ بِنَاءِ الْأَسْوَارِ، وَحَفْرِ الْخَنَادِقِ، وَيَأْتِي بِكُلِّ مَعْنًى بَدِيعٍ، وَكَانَ مُهْتَمًّا فِي بِنَاءِ سُوَرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحَفْرِ خَنْدَقِهِ، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَيَنْقُلُ الْحِجَارَةَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَتَأَسَّى بِهِ الْخَلْقُ حَتَّى الْقَاضِي الْفَاضِلُ، وَالْعِمَادُ إِلَى وَقْتِ الظَّهْرِ، فَيَمُدُّ السَّمَاطَ، وَيَسْتَرِيحُ، وَيَرْكَبُ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فِي ضَوْءِ الْمَشَاعِلِ، قَالَ لَهُ صَانِعٌ: هَذِهِ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُقَطِّعُ مِنْ أَسْفَلِ الْخَنْدَقِ رَخْوَةً، قَالَ: كَذَا تَكُونُ الْحِجَارَةُ الَّتِي تَلِي الْقَرَارَ وَالنِّدَاوَةَ، فَإِذَا ضَرَبَتْهَا الشَّمْسُ، صَلَبَتْ. وَكَانَ يَحْفَظُ «الْحَمَاسَةَ»، وَيَظُنُّ أَنَّ كُلَّ فَقِيهٍ يَحْفَظُهَا، فَإِذَا أَنْشَدَ، وَتَوَقَّفَ، اسْتَطْعَمَ فَلَا يُطْعَمُ، وَجَرَى لَهُ ذَلِكَ مَعَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْفَظُهَا، وَخَرَجَ، فَمَا زَالَ حَتَّى حَفِظَهَا.
وَكَانَتْ وَقْعَتُهُ بِمِصْرَ مَعَ السُّودَانِ، وَكَانُوا نَحْوَ مِثْقَلِ أَلْفٍ، فَنُصِرَ عَلَيْهِمْ، وَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ.
حُمَّ صَلَاحِ الدِّينِ، فَقَصَدَهُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ، فَخَارَتِ الْقُوَّةُ، وَمَاتَ، فَوَجَدَ النَّاسُ عَلَيْهِ شَبِيهًا بِمَا يَجِدُونَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا رَأَيْتُ مَلَكًا حَزِنَ النَّاسُ لِمَوْتِهِ
1491
سواه، لأنه كان محبباً، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر، ثم تفرق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، وتمزقوا. ولقد صدق العماد في مدحه حيث يقول: [١] وللناس بالملك الناصر الصلا ح صلاح ونصر كبير هو الشمس أفلاكه في البلا د ومطلعه سرجه والسير إذ ما سطا أو حبا واحتبى فما الليث من خاتم ما ثبير [٢] وفي سنة ثلاث وثمانين افتتح صلاح الدين بلاد الفرنج، وقهرهم، وأباد خضراءهم، وأسر ملوكهم على «حطين». وكان قد نذر أن يقتل أرناط صاحب الكرك، فأسر يومئذ، كان قد مر به قوم من مصر في حال الهدنة، فغدر بهم، فناشده الصلح، فقال ما فيه استخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقتلهم، فاستحضر صلاح الدين الملوك، ثم ناول الملك جفري شربة جلاب ثلج، فشرب، فناول أرناط فشرب، فقال السلطان للترجمان، قل لجفري: أنت الذي سقيته، وإلا أنا فما سقيته، ثم استحضر البرنس أرناط في مجلس آخر، وقال: أنا أنتصر لمحمد صلى الله عليه وسلم منك، ثم عرض عليه الإسلام، فأبى، فحل كتفه بالنيمجة. (١) وافتتح عامه ما لم يفتحه ملك، وطار صيته في الدنيا، وهابته الملوك.
توفي بقلعة دمشق سنة تسع وثمانين وخمس مئة. محاسن صلاح الدين جمة، لا سيما الجهاد، فله فيه اليد البيضاء ببذل الأموال والخيل المثمنة لجنده. وله عقل جيد، وفهم، وحزم، وعزم. [٣] قال العماد: لا يلبس إلا ما يحل لبسه كالكتان والقطن، نزّه المجالس من الهزل، ومحافله أهله بالفضلاء، ويؤثر سماع الحديث بالأسانيد، حليماً، مقيلاً للعثرة، تقياً نقياً، وفيّاً صفياً، يغضي ولا يغضب، ما رد سائلاً، ولا خجل قائلاً،
(١) خنجر مقوس يشبه السيف القصير.
1492
كثير البر والصدقات، أنكر علي تحلية دوائي بفضة، فقلت: في جوازه وجه ذكره أبو محمد الجويني. وما رأيته صلى إلا في جماعة. قلت: وحضر وفاته القاضي الفاضل.
[١] وذكر أبو جعفر القرطبي إمام الكلاسة (١): إني انتهيت في القراءة إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (الحشر: ٢٢) فسمعت صلاح الدين وهو يقول: صحيح. وكان ذهنه قبل ذلك غائباً (٢)، ثم مات، وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعظم الضجيج، حتى إن العاقل ليخيل له أن الدنيا كلها تصيح صوتاً واحداً، وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه، وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفاته.
[٢] وفي «الروضتين» لأبي شامة: أن السلطان لم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً، وديناراً صورياً، ولم يخلف ملكاً، ولا عقاراً رحمه الله، ولم يختلف عليه في أيامه أحد من أصحابه وكان الناس يأمنون ظلمه، ويرجون رفده، وأكثر ما كان يصل عطاؤه إلى الشجعان، وإلى العلماء، وأرباب البيوتات، ولم يكن لمبطل ولا لمزاح عنده نصيب. قال الموفق: وكان إذا نازل بلداً، وأشرف على أخذه، ثم طلبوا منه الأمان، آمنهم، فيتألم لذلك جيشه، لفوات حظهم.
[٣] وكتب القاضي الفاضل تعزية إلى صاحب حلب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١). ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: ١). كتبت إلى مولانا الملك الظاهر أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف من السلف في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون زلزالاً
(١) كان الشيخ أبو جعفر قد استدعي ليبيت عنده يقرأ القرآن، ويلقنه الشهادة عند حضور الوفاة، وتوفي أبو جعفر هذا سنة ٥٩٦.
(٢) وتمام الخبر أن القاضي الفاضل جاءه عند أذان الصبح، وكان في آخر رمق، فلما قرأ القارئ «لا إله إلا هو عليه توكلت» تبسم، وتهلل وجهه، وأسلم روحه إلى ربه سبحانه.
1493
شديداً، وقد حَضَرَتِ الدموعُ المَحَاجِرَ، وَبَلَغَتِ القلوبُ الحَنَاجِرَ، وقد وَدَّعَتِ أَبَاكَ ومَخْدُومِي وداعاً لا تَلاقي بَعْدَهُ، وَقَبَّلْتُ وَجْهَهُ عَنِّي وَعَنْكَ، وَأَسْلَمْتُهُ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ مَغْلُوبَ الحِيلَةِ، ضَعِيفَ القُوَّةِ، رَاضِياً عَنِ اللهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. وَبِالبَابِ مِنَ الجُنُودِ المَجْنَدَةِ، وَالأَسْلِحَةِ المَعْمَدَةِ مَا لَمْ يَدْفَعْ البَلاَءَ، وَلا مَا يَرُدُّ القَضَاءَ، تَدْمَعُ العَيْنُ، وَيَخْشَعُ القَلْبُ، وَلا نَقُولُ إِلا مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بَلَكَ يَا يُوسُفُ لِمَحْزُونُونَ.
وَلِلْعَلَمِ الشَّاتَانِيِّ فِيهِ قَصِيدَةٌ مُطْلَعُهَا:
أَرَى النَّصْرَ مَقْرُوناً بِرَايَتِكَ الصَّفْرَا فَسِرْ وَامْلِكِ الدُّنْيَا فَأَنْتَ بِهَا أُخْرَى
1494