حياء المرأة
المبحث الثاني: أقوال لأهل الشرع والأدب والشعر في الحياء
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
المبحث الثاني: أقوال لأهل الشرع والأدب والشعر في الحياء
هناك أقوال للعلماء والمشايخ والأدباء في الحياء مبثوثة في كتب الأدب وغيرها، وهناك أبيات للشعراء في أدب الحياء هذا، فمن ذلك: قال الشعبي رحمه الله تعالى:
"تعايش الناس زماناً بالدين والتقوى، ثم رفع ذلك فتعايشوا بالحياة والتذمم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس إلا بالرغبة والرهبة، وأظنه سيجيء ما هو أشد من هذا"(١).
وأقول: قد جاء ما هو أشد وأنكى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقال بعض الصالحين:
(١) "عيون الأخبار": ٣/٢٧٩.
والتذمم: الاستنكاف والاستحياء، وانظر "المعجم الوسيط": ذ م م.
إن العباد عملوا على أربع منازل: على الخوف، والرجاء، والتعظيم، والحياء، فأرفعها منزلة الحياء؛ لما أيقنوا أن الله يراهم على كل حال قالوا: سواء علينا رأيناه أو رآنا، وكان الحاجز لهم عن معاصيه الحياء منه(١).
وقال أبو حاتم البستي، رحمه الله تعالى:
"الواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل العقل وبذر الخير، وتركه أصل الجهل وبذر الشر، والحياء يدل على العقل كما أن عدمه دال على الجهل، ومن لم ينصف الناس منه حياؤه لم ينصفه منهم قَحْتَهُ"(٢).
وقال أيضاً، رحمه الله تعالى:
(١) "المستطرف": ١/٢٨٢.
(٢) "روضة العقلاء": ٨٨-٨٩.
"الواجب على العاقل أن يُعَوِّدَ نفسه لزوم الحياء من الناس، وإن من أعظم بركته تعويد النفس ركوب الخصال المحمودة ومجانبتها الخلال المذمومة، كما أن من أعظم بركة الحياء من الله الفوز من النار بلزوم الحياء عند مجانبة ما نهى الله عنه؛ لأن ابن آدم مطبوع على الكرم واللؤم معاً في المعاملة بينه وبين الله والعشرة بينه وبين المخلوقين، وإذا قوي حياؤه قوي كرمه وضعف لؤمه، وإذا ضعف حياؤه قوي لؤمه وضعف كرمه"(١).
وقال أيضاً، رحمه الله تعالى:
"إن المرء إذا اشتد حياؤه صان عرضه، ودفن مساويه، ونشر محاسنه، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على الناس ومُقت، ومن مُقت أوذي ... ولا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء
(١) المصدر السابق: ٩١.
لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ومن قل حياؤه صنع ما شاء وقال ما أحب"(١).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"الحياء هو من أعظم الأخلاق وأكرمها، ذلك لأنه مصدر الفضائل، فالولد يبر بوالديه بسبب الحياء، وصاحب الدار يكرم ضيفه بسبب الحياء ..."(٢).
وقال ابن القيم أيضاً معلقاً على كلام يحيى بن معاذ: "سبحان من يذنب عبده ويستحي هو"، و"من استحي من الله مطيعاً استحي الله منه وهو مذنب" فقال:
"من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يدي ربه إطراق مُستح خجل، فإذا واقع ذنباً استحي الله
(١) المصدر السابق.
(٢) "مفتاح دار السعادة".
— عز وجل — من أن ينظر إليه في تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحي أن يرى من وليه ومن يُكرم عليه ما يشينه عنده، وفي واقع الحياة ما يشهد لذلك؛ فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه من ولد أو صاحب، أو ممن يحب من غيرهم وهو يخونه فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع حياء عجيب حتى كأنه هو الجاني، وذلك غاية الكرم$^{(١)}$.
وقال بعض الحكماء:
"أحبوا الحياء بمجالسة من يُستحيا منه"$^{(٢)}$.
وقال آخر:
"القناعة دليل الأمانة، والأمانة دليل الشكر، والشكر دليل الزيادة، والزيادة دليل بقاء النعمة، والحياء دليل على الخير كله"$^{(٣)}$.
(١) "مدارج السالكين": ٢٦٠/٢.
(٢) "عيون الأخبار": ٢٧٨/٣.
(٣) "التذكرة الحمدونية": ٢٢٧/٢.
وقال الأحنف بن قيس، رحمه الله تعالى:
"أربع من كن فيه كان كاملاً، ومن تعلق بواحدة كان من صالحى أهله: دين يرشده، أو عقل يسدده، أو حسب يصونه، أو حياء يفثأه"(١).
ومعنى يفثأه: أي يكسر من حدته، والفثء: الكسر(٢).
وقال أعرابي:
"من كساه الحياء ثوبه، خفي على الناس عيبه"(٣).
وقيل هو لعلي t، ولفظه:
"من كسا بالحياء ثوبه لم ير الناس عيبه"(٤).
(١) "التذكرة الحمدونية": ٢/٢٢٨.
(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٣/٤١٢.
(٣) "التذكرة الحمدونية": ٢/٢٢٨.
(٤) "المستطرف": ١/٢٨٢.
وقال آخر:
"الوجه المصون بالحياة كالجوهر المكنون في الوعاء"(١).
وقال أحد الحكماء:
كفى بالحياة على الخير دليلاً، وعن السلامة مخبراً، ومن الذم مُجِيراً"(٢).
وقال آخر:
الحياة تمام الكرم، وموطن الرضا، ومُمهِّد الثناء، وموفِّر العقل، ومُعظِّم القَدْر، وداع إلى الرغبة.(٣)
وقال وهب بن مُنَبِّه رحمه الله تعالى:
(١) "المستطرف": ١/٢٨٢.
(٢) "صلاح الأمة في علو الهمة": ٥/٥٦٣.
(٣) المصدر السابق: ٥/٥٦٤.
الإيمان عُريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء. (١)
وقال الحسن البصري:
الحياء والتكرّم خصلتان من خصال الخير، لم يكونا في عبد إلا رفعه الله بهما. (٢)
وقال الفُضَيل:
خمس من علامات الشقاء: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل. (٣)
— وقال الماوردي رحمه الله تعالى:
رأيت رسول الله ﷺ في المنام ذات ليلة، فقلت: يا رسول الله: أوصني.
(١) "صلاح الأمة في علو الهمة": ٥٦٣/٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق: ٥٦٢/٥.
فقال: استحي من الله - عز وجل - حق الحياء.
ثم قال: تغيّر الناس.
قلت: وكيف ذلك يارسول الله؟
قال: كنت أنظر إلى الصبي فأرى من وجهه البشر والحياء، وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه.
ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات تصورها، وأذهلني السرور عن حفظها، ووددت أنني لو حفظتها، فلم يبدأ بشيء ﷺ قبل الوصية بالحياء من الله - عز وجل - وجعل ما سُلِبَ الصبي من البشر والحياء سبباً لتغير الناس"(١).
(١) "منهاج اليقين شرح كتاب أدب الدنيا والدين": ٤١٦.
الحياء في شعر العرب
ورد في كتب الأدب ودواوين الشعر جملة وافرة من الشعر عن الحياء، وعن حياء المرأة خاصة، فمن ذلك:
قال الشاعر(١):
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء
وقال الشاعر:
وإنني لأرى من لا حياء له ولا أمانة وسط القوم عرياناً
(١) هو رجل من خزاعة كما في "روضة العقلاء": ٩٠.
وقال الشاعر:
ورب قبيحة ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء
فكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواء
وقال الشاعر(١):
إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه فلا خير في وجه إذا قلّ ماؤه
حياءك فاحفظه عليك وإنما يدل على فعل الكريم حياؤه
وقال الشاعر(٢):
إذا رزق الفتي وجهاً وقاحاً تقلب في الأمور كما يشاء
ولم يك للدواء ولا لشيء يعالجه به فيه غناء
(١) هو محمد بن عبدالله البغدادي، كما في المصدر السابق: ٨٩.
(٢) هو علي بن محمد البسامي، كما في المصدر السابق: ٩١.
فمالك في معاتبة الذي لا حياء لوجهه إلا العناءُ
وقال الشاعر:
فتاة اليوم ضيعت الصوابا وألقت عن مفاتنها الحجابا
فلم تبدي حياءً من رقيب ولم تخش من الله الحسابا
إذا سارت بدت ساق وردف وإن جلست ترى العجب العجابا
وقال الشاعر:
وليس بمنسوب إلى العلم والتقى فتى لا ترى فيه خلائق أربع (١)
فواحدة تقوى الإله التي بها يُنال جسيم الخير والفضل أجمع
(١) أي صفات وطبائع.
(٢) "روضة العقلاء": ٨٩.
وثانيةٌ صدق الحياء فإنه طباع عليه ذو المروءة يُطبع وثالثةٌ حلم إذا الجهل أطلعت إليه خبايا من فجور تَسَرَّعُ ورابعةٌ جود بملك يمينه إذا نابه الحق الذي ليس يدفع(٢)
وختاماً لهذا المبحث أقول:
وقد كان خلق الحياء ولا يزال وسيظل مذهباً لأهل المروءات، لا يمكن أن يفرطوا فيه أو يتهاونوا به، وهذا أبو سفيان t لما كان في جاهليته يتحدث عن حياته أن يُنقل عنه الكذب، وذلك لما كان في مجلس قيصر ودعاه ليسأله فقال: "فوالله لولا الحياء من أن يَأْثِرُوا عليَّ كذباً لكذبت عنه"(١).
(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي.