تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

حياء المرأة

المبحث السادس: علاج قضية قلة حياء البنات

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 117-140 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 15 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابحياء المرأة

المبحث السادس: علاج قضية قلة حياء البنات

إن لهذه القضية علاجات عديدة، وعلاجها أمر لابد منه لا يؤخر، فلا يُحْسُنُ إلا المبادرة؛ حفاظاً على المجتمع المسلم، فمن ذلك:

١. العلاج الإيماني:

وهو أحسن العلاج وأعظمه، فإنه إن زُرع الخوف من الله في قلوب النساء كان ذلك أدعى إلى ردعهن وأدنى ألا ينجرفن في الذي يجره عليهن قلة الحياء من مصائب، وهذا هو صنيع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وهو صنيع نبينا الأعظم ﷺ حيث إنه بغرس الإيمان في نفوس أصحابه t حقق بهم ما يشبه المستحيل في دنيا الناس، وصاروا سادة قادة بعد أن كانوا في الجاهلية لا قيمة لهم ولا رسالة عندهم.

وكذلك صنع بمند بنت عتبة رضي الله عنها التي كانت أشد النساء عداوة للإسلام فداواها بالإيمان حتى أصبح بيت النبي ﷺ أحب البيوت إلى قلبها واستقام أمرها رضي الله عنها.

والناظر إلى تاريخ نسوة الجاهلية يعجب من صنيع الإسلام بمن ومسارعتهن إلى الطاعة والحجاب والخفر والحياة، فهذه عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن وقالت لهن معروفاً، وقالت:

لما نزلت سورة النور عَمَدْنَ إِلَى حُجُورٍ أَوْ حُجُوزٍ فَشَقَقْنَهُنَّ فَاتَّخَذْنَهُ خُمُرًا". (١)

(١) أخرجه الإمام أبو داود في سننه: كتاب اللباس: باب في قول الله تعالى ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾ (سورة الأحزاب: آية ٥٩). وذكر الإمام الخطابي بعد أن نصر رواية حجوز -بالزاي- أن الحجوز هي ما تشد به أوساط النساء: وانظر "عون المعبود": ١١/١٥٨.

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت [ ʔ ʔ ʔ ʔ ] خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية". (١)

فإن أريد علاج امرأة ما من مرض قلة الحياء فليس هناك أجل ولا أعظم من البدء بتعميق الإيمان في قلبها وغرس اليقين في صدرها ثم لتعالج بعد ذلك من أي مرض خُلقي أو انحراف سلوكي.

٢. التربية القوية:

إن للتربية الجادة القائمة على قواعد الإسلام وضوابطه العظام وآدابه الجليلة هي من الوسائل الناجعة في تنشئة الفتيات على الحياء؛ ذلك أن العود الرطب يمكن تعديله أما إن صلب واشتد وقسا فهيات هيئات أن يعالج إلا أن يشاء الله تعالى.

(١) المصدر السابق والأكسية جمع كساء، وشبهت الأكسية بالغربان لسوادها، وانظر "عون المعبود": ١١/١٥٩.

والتربية لابد أن تقوم على دعائم من الإسلام متينة، وتأخذ بأصوله في تعهد البنات، وهذا أمر معلوم.

ولابد من اجتماع البيت والمدرسة على التربية بحيث يكمل البيت عمل المدرسة، وتكمل المدرسة عمل البيت، فهذا من أهم عوامل إحسان التربية وضبطها.

لكن يثور سؤال هاهنا: هل البنت التي لا تستجيب لهذه التربية -لسبب ما- تُترك فلا تؤخذ بغيرها، وأقول: إن هذا السؤال يثور في بعض الأحيان، وهناك من الصالحين من يذهب إلى أن المرأة -سواء أكانت بنتاً أم زوجاً أم أختاً- إن تُعهدت بالتربية فلم تقبل فليس لأحد إجبارها على الالتزام بحدود الإسلام والحياء، وهذا مذهب غريب في التربية، وقد رأيته عند بعض الصالحين في أوروبا وأميركا كثيراً وفي بعض البلاد العربية، ونسي هؤلاء أن الله تعالى يزع -أي يدفع ويمنع- بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وأنه ينبغي على السلطان

القائم على المرأة -وهو هاهنا وليها- أن يأخذها بتعاليم الإسلام فإن أبت فلا بد أن يقسرها على الالتزام بما تؤدي إليه التربية والحياة، وإلا فهل يتركها لتعيث في الأرض الفساد بدعوى أنها غير مقتنعة، وأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأين مسؤولية الولي عن موليته؟

ولقد رأيت زوجات وبنات يمشين في الشارع بلا حجاب فلما سأل من كان ينبغي أن يقوم عليها بالاحتساب، أجاب: إنما غير مقتنعة، وأنا لا أريد أن أجبرها.

فسبحان الله ما أبرد هذا الجواب وما أبعد عن الصواب، لكن التبعة في هذا على نمط التفكير الغربي الذي أشربه هؤلاء وأعجبوا به، ونسوا تعاليم الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيدي السفهات المتمردات، وقسرهن على الحق قسراً.

وإنه ينبغي في أمثال أولئك النسوة أن يستعمل معهن اللين والوعظ والنصح فإن لم ينفع فالشدة والحزم الذي لابد منه في حفظ

شعائر الإسلام وشرائعه، فالإسلام دين فيه اللين والرقة واللطف وفيه الحزم والشدّة والقوة، فكما أنه لا ينبغي أن يوضع الحزم مكان اللين فلا يصح أن يوضع اللين مكان الحزم، فكلا الصنيعين خطأ محض.

— وإن من التربية للنفس على الحياء مخالطة النساء الحَيِّيَّات، والأخذ من سمتهن وهديهن، والتعرف على طرائقهن في باب الحياء، فهذا من أعظم وأحسن أنواع العلاج، والله المستعان.

٣. القدوة الحسنة:

إن النشء الجديد من الفتيات إذا وجدن قدوة حسنة من النساء اقتدين بها غالباً، نحو الأمهات، والأخوات الكبيرات، والمدرسات، وإن وجدن من أولئك قهاوناً قهاوناً غالباً كتهاونهن وربما أشد.

ولذلك كان من المهم جداً أن تحافظ القدوات من النساء —وأولهن الأمهات— على مكانتهن في المجتمع، خاصة أمام الصغيرات

والناشئات، فلا يصنعن إلا الصنيع اللائق بمن، فلا يلبسن إلا اللائق المحتشم أمام بنات جنسهن، ولا يفعلن إلا ما يمليه عليهن صحيح الحياء، ولا يتهاون بدعوى جذب قلوب البنات فإن لهذا غيرهن من النساء أما هُنَّ فلا يفعلن، فإنهن منظور إليهن من قبل سائر الفتيات، مُحْصِيٌّ عليهن أفعالهن، مُراقبة حركاتهن وسكناتهن، فإن ضيعن أو قُمان أو قصرن كان غيرهن إلى النقائص أسرع وبها أولع، وعليها أحرص، فاللهُ اللهَ أيتها الأخوات القُدوات لا تُؤتى صغار الفتيات من قبلكن وبسببكن.

وكم ينقل عن بعض من انتصبن قُدوة في المجتمع لباسٌ غير لائق في الأفراح والحفلات، أو إدامةٌ للمزاح بحيث تسقط الهبة، أو ذكر للنكات التي لا تليق وتجرح الحياء.

وربما صنع أولئك النسوة ذلك بدافع كسب قلوب الفتيات الصغار ودعوتهن لكن ينبغي أن يُحذر من هذا المنهج فإنه لا يصلح من

القدوات إلا الرزانة، أما إن خلون بنظائرهن وأهل ودهن من أمثالهن فلهن التخفف وترك التحفظ، والله أعلم.

٤. التغيير بالدعوة:

إن من الأساليب الناجحة في هذا الباب الدعوة بالرفق واللين، وبيان الخطأ في موضعه زماناً ومكاناً، فلا يترك الأمر المخل بالحياء إن ظهر بلا تصحيح، بل يُسارع إلى سد الثغرة وتدارك الثلمة قبل الاستفحال، واتساع الخرق على الراقع، ولات حين مناص.

وإن من أهم الوسائل الدعوية المحاضرات والندوات والدروس الخاصة والعامة، والمسابقات التربوية، والمخيمات إلخ ...

والأساليب الدعوية النافعة كثيرة فليؤخذ بها أو بأحدها في علاج هذه الظاهرة.

٥. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

إن خلق الحياء هو من المعروف الذي يحبه الله تعالى ورسوله ﷺ، وإن ترك الحياء هو من المنكر الذي يبغضه الله تعالى ورسوله ﷺ، ولهذا فإن الاحتساب على مضيعات هذا الخلق إنما هو أمر شرعي لا يستغرب ولا يستنكر.

والمجتمع المسلم في هذا العصر قد قلّ فيه الاحتساب، ونذر الأمر فيه بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك فشا فيه المنكرات وقلّ فيه الحياء، ولا علاج لهذا الأمر إلا بالقيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يدي مضيعات الحياء بدون تهاون، وهذا مرده إلى رجال الحسبة وإلى النساء الداعيات القدوات أيضاً، فلا يتهاون في هذا الأمر، فقد قال النبي ﷺ:

"والذي نفسي بيده لتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم"(١).

ولو أن أول امرأة حضرت الأفراح والحفلات بلباس غير شرعي أنكر عليها إنكاراً جاداً لفكرت النساء الأخريات ألف مرة قبل تقليدها، ولو أن كل من فعلت فعلاً مخلاً بالحياء بودر بالاحتساب عليها لما انتشر السوء بين المسلمات وقلة الحياء.

٦. عودة القوامة للرجل:

إن الله سبحانه وتعالى جعل القوامة على المرأة للرجل، فإن نزل الرجل عن هذه القوامة للمرأة فسد حال المجتمع واضطرب شأنه، وتفسخت عراه، والرجل مسؤول أن يأخذ على أيدي محارمه

(١) أخرجه الإمام أحمد وغيره عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو حديث حسن: انظر المسند: ٣٨/٣٣٢.

ويقيمهن على سواء الصراط، ولا يأخذه في ذلك ضعف ولا يؤخره عنه لوم لائم.

وإن أعجب فإني أعجب لحال بعض النساء في الأسواق ولباسهن المزري فأقول: وأين آباؤهن وإخوانهن وأزواجهن -إن كن ذوات أزواج- وعندي أن الرجل ينبغي إذا سمح لبناته أو زوجه أن ينزلن إلى الأسواق أو إلى أي مكان خارج المنزل أن يراعي الآتي:

  1. أن ينظر في لباسهن، وما يلبسنه تحت العباءة.

  2. ألا يسمح لهن بالنزول إلا معه أو مع الموثوق به من إخوانهن أو أبنائهن.

  3. أن يغلب على ظنه سلامة المكان الذي يذهبن إليه من الآفات والسوء.

  4. أن ينزلن في النهار ويتعدن عن النزول في الليل قدر الإمكان.

إنه إن صنع ذلك كان حرياً أن يبرأ من التبعة، ويسلم من التقصير.

٧. إقامة حملات للحفاظ على الحياء في الجامعات والمدارس والأحياء:

إن من الأساليب الناجحة في هذا الباب إقامة ما يسمى بـ "الحملات" التي تطالب المرأة بالحياء وتلح عليه، وتزينه لها، وتنفرها من ضده، وتبين لها عواقب التفريط فيه، والتساهل والتهاون شأنه، فمثل هذه الحملات لها فوائد جليلة.

وإن الحملات التي تستهدف مدارس البنات لها مزايا عديدة لكن إذا اجتمعت على تنفيذها الإدارة والمدارس، وكن جميعاً في هذا الأمر قدوات.

وينبغي استهداف الأحياء بحملات مماثلة، يقوم عليها المسجد والبيت، ففي المسجد يُذكر الآباء والرجال عامة بمسؤولياتهم في هذا

الأمر، في الخطبة والدروس، وفي البيت يقوم على هذه الحملة الأبوان ومن استطاع من الأبناء والبنات.

وهذه الحملات تثير في النفوس الاهتمام بمضمونها، وهي تقوم مقام النذير العريان الذي يحذر قومه الخطر الداهم، وأقرب وصف لها هو حالة الطوارئ التي تنذر من شر أو تحذر من وقوعه.

وقد قام أحد المشايخ الفضلاء في مصر -وهو الدكتور محمد المسير، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالأزهر- قام بإطلاق "حملة قومية لنشر الحياء في الشارع المصري بعد انتشار ظاهرة خدش الحياء والممارسات المثيرة والمستفزة في الشارع سواء في الملابس أو السلوك، وقال الدكتور إن الحملة تدعو إلى الحياء، وتنادي بالأخلاق، وتطارد الذين يشيعون الفاحشة في وسائل الإعلام، وتحتقر هؤلاء الذين يخدعون الشباب باسم الفن، مشيراً إلى أن ظهور الفنانات والراقصات بملابس مثيرة تخدش الحياء ويشجع الشابات على تقليدهن

وارتداء تلك الملابس والظهور بما في المناسبات والحفلات العامة دون مراعاة للقيم والتقاليد، بصورة تتحدى مشاعر الشرفاء ذوي الحياء"(١).

ثم قال الدكتور في موضع آخر عن سبب الحملة إنه "تردي الأوضاع الأخلاقية التي وصلت إليها الأمة الإسلامية، واختفاء صفة الحياء من الشارع العربي، لافتاً النظر إلى أن كثيراً من الفتيات يقلدن بعض الفنانات اللاتي يظهرن بشكل سافر على الفضائيات العربية مما يدعو إلى الفجور، مما حدا لإطلاق حملة مضادة تدعو إلى الحياء.

وسوف تمتد الحملة إلى باقي الأقطار العربية عبر مناصرين لها وللفكرة التي تحمس لها دعاة آخرون رأوا أهمية وضرورة لطرحها بهذا الشكل عبر إعلام ربما لا يلتفت إلى الجنون مما يدعو إلى مبادرة من

(١) موقع أمان على الشبكة العنكبوتية: "الانترنت"، ونقل الموقع عن جريدة الجمهورية المصرية بتصرف يسير..

شأنها إصلاح حال الأسرة$^{(١)}$، والتي يمثل الحياء النصيب الأكبر فيها، حيث يُعد قسيم التربية الأول وعامل البناء نحو مجتمع راقٍ.

وقال: كثيراً ما يتحدث الدعاة عن الحياء دون أن يتغير الوضع الحالي الذي عليه حال الأمة، ففكرنا جاهدين لإطلاق حملة يكون من شأنها مخاطبة المجتمع بلغة أفضل ولا تقتصر الحملة على الخطب والمواعظ كما كان يقوم الدعاة بذلك.

وقال الدكتور:

إن لغة الحياء أصبحت بعيدة تماماً عن اجتماعاتنا، حتى أننا نجد فتياتنا -إلا من رحم ربي- في بعض الجامعات سواء كانت المصرية أو العربية غير محتشمات بل يتباهين بملابس بعيدة كل البعد

(١) السياق مضطرب لكن معنى الكلام مفهوم.

عن الاحتشام، بل تدعو إلى إثارة بعض الشباب المسلم وترفع من شأن الرذيلة في مجتمعاتنا..."(١).

٨. إقامة حملات من خلال القنوات الفضائية الجيدة:

إن للقنوات الفضائية تأثيراً غير منكور في طبقات المجتمع كلها، ولكن لها في النساء تأثير خاص ومهم، فهن أكثر الناس متابعة لها ونظراً إليها، فلو استطيع الوصول إلى القنوات النظيفة التي يغلب خيرها شرها وإلى القنوات الإسلامية وإقناع القائمين عليها بإجازة مثل هذه الحملات في قنواتهم فلربما حصل من ذلك خير كثير إن شاء الله تعالى.

لكن ينبغي في الكلام عن الحملات هنا وفي الفقرة السابقة أن يُعنى باختيار المضمون، حتى يحسن وقعها ويطيب ثمرها، فلا يكون في

(١) موقع "أمان" على الشبكة العنكبوتية.

المضمون تهافت ولا تهاون، ولا مخالفة لما استقر عند الأمة من مفاهيم للحياء.

٩. مراعاة أدب غض البصر:

إن الشارع الحكيم أمر بغض بصر النساء عن الرجال، والرجال عن النساء، وذلك لأن إطلاق البصر بدون ضوابط يورث عواقب وخيمة، وقد قال جل من قال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ (1)

وإن من أهم الأمور التي تورث المرأة قلة الحياء هو إطلاق بصرها في الرجال، وعدم تورعها في هذا الإطلاق بحيث يورثها أمراضاً عديدة على رأسها قلة الحياء أو ضياعه.

(١) سورة النور، آية ٣٠-٣١.

١٠. مقاطعة من تمادين في قلة الحياء:

إن مما يعين على ضبط الحياء في المجتمعات النسائية كالأفراح والحفلات، هو مقاطعة من تمادين في قلة الحياء، وعدم دعوتهن إلى تلك الأفراح والحفلات، وهذا آخر العلاج الذي هو كالكي، وينبغي قبل ذلك دعوتهن إلى الله تعالى ونصحهن وعظتهن مرات وكرات قبل أن يُقاطعن، ثم لا بأس إن قوطعن حتى لا يُعدين غيرهن بسوء فعالهن، وحفظاً لتلك المجتمعات النسائية من الأفعال غير المرضية.

وهذا نوع من الهجر الذي هو -إن كان في الله- قُربة إلى الله تعالى فقد قال النبي ﷺ:

"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا: اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون﴾

(١) ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليعلنكم كما لعنهم"(٢).

(١) سورة المائدة: آية ٧٨-٨١.

(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم: باب الأمر والنهي، وأخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.

ومعنى: لتأطرنه: أي لتردنه إلى الحق.

ولتقصرنه: أي لتلزمه.

وانظر "عون المعبود شرح سنن أبي داود": ١١/٤٨٨.

ولقد هجر جماعات من السلف كثيراً من الناس لذنوبهم التي لا يرتدعون عنها، فينبغي أن نصنع هذا وألا تأخذنا في الله لومة لائم. ولقد جربت منهج الهجر هذا فوجدته مفيداً نافعاً في الارعواء والكف، وقد عاد إلي أشخاص ممن هجرت وقد صاروا أحسن حالاً، ولله الحمد والمنة.

١١. الابتعاد عن أماكن الترفيه السيئة:

إن مما يحفظ على النساء والبنات حياهن حفظهن ووقايتهن من أماكن الترفيه والترويح السيئة التي ترتادها النسوة قليلات الحياء أو اللواتي ضيعنه بالكلية(١)، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، وتُعدى النسوة والبنات الحيات بأولئك النسوة اللواتي لم يُعَدَّن يُقمن وزناً للحياء.

(١) ضربت الدكتورة زينب الشرقاوي -حفظها الله تعالى- مثلاً على هذه الأماكن أنها المطاعم المختلطة، و"الكبائن" البحرية المختلطة، والأسواق والمجلات التجارية التي ترتادها كثير من النسوة لا لحاجتهن لكن لقضاء الأوقات بلا هدف صحيح ولا غاية حميدة.

هذا وينبغي على ولي الأمر أن يكون حازماً في هذا حتى لا يُضيع من يعول.

١٢. ضبط استخدام وسائل التقنية الحديثة:

لابد أن توضع ضوابط لاستخدام وسائل التقنية الحديثة، فمن ذلك:

أ. الجوال:

وينبغي ألا تقتنيه البنت$^{(١)}$ حتى تبلغ مبلغاً من الرشد يؤمن عليها معه من الانحراف أو سوء الاستخدام، وهذا أمر يعود للوالدين تقديره، فهو متفاوت من بنت لأخرى.

ثم إذا اقتنته البنت فإنها لا تترك دون مراقبة حتى يُتأكد من سلامة استعمالها للجوال، ويمكن أن يقوم بهذا أخواتها الأكبر منها سناً أو أمها.

(١) هذه الضوابط للأبناء أيضاً، لكني لم أذكرهم هاهنا لأن الحديث إنما هو عن البنات.

ب. القنوات الفضائية:

إذا احتيج في البيت لاستقبال البث الفضائي للاطلاع على القنوات الإسلامية فإنه ينبغي أن يكون هنالك جهاز استقبال (تلفاز) واحد يوضع في مكان بارز من البيت، وإذا أريد أن يؤتى بجهاز آخر فيوضع في مكان آخر بارز أيضاً بحيث يسهل مراقبة استعمال هذه الأجهزة.

ولا يصح أن توضع هذه الأجهزة في غرف النوم ولا في الغرف البعيدة عن مجرى الحياة اليومية في البيت.

جـ. الحاسب والانترنت:

وأما الحاسب فإنه يُتعامل معه كما يتعامل مع جهاز التلفاز المستقبل للقنوات الفضائية، وقد بينت هذا آنفاً، والحاسب إذا كان مرتبطاً بشبكة المعلومات "الانترنت" عظم خطره فينبغي أن يُضبط استعماله ضبطاً جيداً.

١٣. مراعاة الضوابط الشرعية في منع الاختلاط:

إن الاختلاط بين الذكور والإناث في الوظيفة والدراسة قد جلب أسوأ العواقب للبلاد الإسلامية التي سلكت هذا المسلك الرديء، ثم إنه من أكبر العوامل التي تضيع الحياء وتذهب به، لذلك لابد من فصل تام بين الذكور والإناث في مراحل الدراسة كلها، وكذلك لابد من الفصل التام - ما استطيع إلى ذلك سبيلاً - بينهما في الوظائف والعمل، وهذا الصنيع - أي الفصل التام - هو السبيل، غالباً، لحفظ حياء الأنثى، وذلك أنها إذا اعتادت لقاء الذكور والحديث معهم وما يجره ذلك من التساهل فإن حياءها سيتأثر ولا شك.

١٤. تضمين المناهج الدراسية خلق الحياء$^{(١)}$:

ينبغي أن يكون في المناهج الدراسية في المدارس والجامعات نصيب وافر من هذا الخلق الكريم، فيدرس على انفراد أو - إن صعب هذا - يدرس

(١) هذه فكرة الأستاذة الدكتورة آمال نصير وقد عبرت عنها بألفاظي.

ضمن مادة الثقافة الإسلامية أو الأخلاق الإسلامية، وينبغي أن يقوم على تدريسه أستاذات ومعلمات ملتزمات بهذا الخلق الجليل، ويُدرَسنه تدريساً يراعي الواقع، ويقف على جوانب الخلل ليعالجها معالجة تربوية قومية.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080