نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٣٧٤ - عبد الرحمن بن معاوية بن هشام (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٣٧٤ - عبد الرحمن بن معاوية بن هشام (٢)
[٢] ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أمير الأندلس وسلطانها، أبو المطرف الأموي، المرواني، المشهور بالداخل، لأنه حين انقرضت خلافة بني أمية من الدنيا، وقتل مروان الحمار، وقامت دولة بني العباس، هرب هذا، فنجا ودخل إلى الأندلس فتملكها.
[٣] وذلك أنه فر من مصر في آخر سنة اثنين وثلاثين إلى أرض برقة، فبقي بها خمس سنين، ثم دخل المغرب، فنفذ مولاه بدراً يتجسس له، فقال للمضرية: لو وجدتم رجلاً من بيت الخلافة، أكنتم تبايعونه؟ قالوا: كيف لنا بذلك؟
فقال: هذا عبد الرحمن بن معاوية، فأتوه فبايعوه، فتملك الأندلس ثلاثاً وثلاثين سنة، وبقي الملك في عقبة إلى سنة أربع مئة. ولم يتلقب بالخلافة، لا هو ولا أكثر ذريته، إنما كان يقال: الأمير فلان.
وأول من تلقب بأمير المؤمنين منهم: الناصر لدين الله، في حدود العشرين وثلاث مئة، عندما بلغه ضعف خلفاء العصر، فقال: أنا أولى بإمرة المؤمنين.
دخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس في سنة ثمان وثلاثين ومولده بأرض تدمر سنة ثلاث عشرة ومئة، في خلافة جده.
[٤] قال ابن حيان: وحين افتتح المسلمون قرطبة شاطروا أهلها كنيستهم العظمى، كما فعل أبو عبيدة وخالد بأعاجم دمشق، فابتنوا فيه مسجداً، وبقي الشطر بأيدي
(٢) انظر السير: ٢٤٤/٨ - ٢٥٣.
636
الروم إلى أن كثرت عمارة قرطبة، وتداولتها بُعوث العرب، فضاق المسجد وعُلق منه سقائف، وصار الناس ينالون مشقة لقصر السقائف إلى أن أذخر الله فيه الأجر لصحيفة الداخل، وابتاع الشطر الثاني من النصارى بمئة ألف دينار، وقبضوها على ملأ من الناس، ورضوا بعد تمنع، وعمل هذا الجامع الذي هو فخر الأرض، وشرفها من مال الأخماس، وكمل على مراده، وكان تأسيسه في سنة سبعين ومئة، فتمت أسواره في عام. وبلغ الإنفاق فيه إلى ثمانين ألف دينار. [١] وأما الإسلام فكان عزيزاً منيعاً بالأندلس في دولة الداخل، فانظر إلى هذا الأمان الذي كتب عنه للنصارى:
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب أمان ورحمة، وحقن دماء وعصمة، عقده الأمير الأكرم الملك المعظم عبد الرحمن بن معاوية، ذو الشرف الصميم، والخير العميم، للبطارقة والرهبان، ومن تبعهم من سائر البلدان، أهل قشتالة وأعمالها، ما داموا على الطاعة في أداء ما تحملوه، فأشهد على نفسه أن عهده لا ينسخ ما أقاموا على تأدية عشرة آلاف أوقية من الذهب، وعشرة آلاف رطل من الفضة، وعشرة آلاف رأس من خيار الخيل، ومثلها من البغال، مع ذلك ألف درع وألف بيضة، ومن الرماح الدردار مثلها في كل عام، ومتى ثبت عليهم النكت بأسير ياسرونه، أو مسلم يغدرونه، انتكث ما عُوهدوا عليه، كتب لهم هذا الأمان بأيديهم إلى خمس سنين، أولها صفر عام اثنين وأربعين ومئة.
وقال أبو المظفر الأبيوردي في أخبار بني أمية: كان الناس يقولون: ملك الأرض ابنا بربريتين - يعني عبد الرحمن والمنصور. وكان المنصور يقول عن عبد الرحمن بن معاوية: ذاك صقر قريش، دخل المغرب وقد قُتل قومه، فلم يزل يضرب العدنانية بالقحطانية حتى ملك. وقال سعيد بن عثمان اللغوي المتوفى سنة أربع مئة: كانت بقرطبة جنة اتخذها عبد الرحمن بن معاوية، كان فيها نخلة أدركتها.
637
وغزا عدة غزوات.
من ذلك: غزوة قشتالة، جاز إليها من نهر طليطلة، وفرت الروم أمامه، وتعلقت بالحبال، فلم يزل حتى وصل مدينة برنيقة، من مملكة قشتالة، فنزل عليها، وأمر برفع الخيام، وشرع في البناء، وأخذ الناس يبنون، فسلموا إليه بالأمان عند إياسهم من النجدة، وخرجوا بثيابهم فقط، وما يزودهم، ثم كتب لأهل قشتالة ذلك الأمان الذي تقدم، وهو بخط الوزير بشر بن سعيد الغافقي.
[١] ولما صفا الأمر لعبد الرحمن بعد مقتل عثمان بن حمزة، من ولد عمر بن الخطاب، وذلك بعد سبعة أعوام من تمنعه بطليطلة، عظم سلطانه، وامتدت أيامه وعاش ستين سنة، ثم توفي سنة اثنتين وسبعين ومئة، وأبست بنو العباس من مملكة الأندلس لبعد الشقة.
638