نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٣٧٦ - الحكم بن هشام (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٣٧٦ - الحكم بن هشام (٢)
[٣] ابن الداخل عبد الرحمن بن معاوية، ويلقب بالمرتضى. بويع بالملك، عند موت أبيه في صفر سنة ثمانين ومئة.
(٢) انظر السير: ٨/٢٥٣-٢٦٠
638
وكان من جَبَابِرَة الملوك، وفُسَّاقهم، ومُتَمَرِّدِهم، وكان فارساً شجاعاً، فاتكاً، ذا
دهاء وحزم وعُتُو وظُلم، تملَّك سبعاً وعشرين سنة.
وكان في أول أمره على سيرة حميدة، تلافيها أباه، ثم تغيَّر، وتجاهر بالمعاصي.
قال أبو محمد بن حزم: كان من المجاهرين بالمعاصي، سفَّاكاً للدماء، كان
يأخذ أولاد الناس المِلاح، فيخصيهم ويمسكهم لنفسه.
[١] قال اليسع بن حزم: همت الروم بما لم ينالوا من طلب الثغور، فنكثوا العهد،
فتجهَّز الحكم إليهم حتى جاز جبل السَّارة - شمالي طليطلة - ففرت الروم أمامه
حتى تجمعوا بسُمورة، فلما التقى الجمعان، نزل النصر، وانهزم الكفر، وتحصَّنوا
منه بمدينة سُمورة، وهي كبيرة جداً، فحصرها المسلمون بالمجانيق، حتى
افتتحوها عنوة، ومَلَكوا أكثر شوارعها، واشتغل الجند بالغنائم، وانضمَّت الروم إلى
جهة من البلد، وخرجوا على حمية فقتلوا خلقاً في خروجهم، فكانت غزوته من
أعظم المغازي لولا ما طرأ فيها من تضييع الحزم، ورامت الروم السلم، فأبى
عليهم الحكم، ثم خرج من بلادهم خوفاً من الثلوج، فلما كان العام الآتي استعدَّ
أعظم استعداد، وقصد سُمورة، فقتل وسبى كل ما مرَّ به، ثم نازلها شهرين، ثم
دخلوها بعد جهد، وبذلوا فيها السيف إلى المساء، ثم انحاز المسلمون فباتوا على
أسوارها، ثم صبَّحوها من الغد لا يبقون على محتلم.
قال الرازي في «مغازي الأندلس»: الذي أحصي ممن قُتل في سُمورة ثلاث
مئة ألف نفس، فلما بلغ الخبر ملك رومية، كتب إلى الحكم يرغب في الأمان،
فوضع الحكم على الروم ما كان جدُّه وضع عليهم، وزاد عليهم أن يجلبوا من تراب
مدينة رومية نفسها ما يُصنع به أكوام بشرقي قرطبة صغاراً لهم، وإعلاء لمنار
الإسلام، فهما كومان من التراب الأحمر في بسيط مدرتها السوداء.
[٢] قلت: وكشرت العلماء بالأندلس في دولته، حتى قيل: إنه كان بقرطبة أربعة
آلاف متقلِّس متزيِّين بزيِّ العلماء، فلما أراد الله فناءهم، عزَّ عليهم انتهاك الحكم
للحُرمات، واتمروا ليخلعوه، ثم جيشوا لقتاله، وجرت بالأندلس فتنة عظيمة على
639
الإسلام وأهله، فلا قوة إلا بالله، فذكر ابن مزين في تاريخه طالوت بن عبد الجبار المعافري، وأنه أحد العلماء العاملين الشهداء الذين هموا بخلع الحكم، وقالوا: إنه غير عدل ونكثوه في نفوس العوام، وزعموا أنه لا يحل المكث ولا الصبر على هذه السيرة الذميمة، وعولوا على تقديم أحد أهل الشورى بقرطبة، وهو أبو الشماس أحمد بن المنذر بن الداخل الأموي ابن عم الحكم. لما عرفوا من صلاحه، وعقله ودينه، فقصدوه وعرفوه بالأمر، فأبدى الميل إليهم، والبشرى بهم، وقال لهم: أنتم أضيافي الليلة، فإن الليل أستر، وناموا، وقام هو إلى ابن عمه بجهل، فأخبره بشأنهم، فاغتاظ لذلك، وقال: جئت لسفك دمي أو دمائهم، وهم أعلام، فمن أين نتوصل إلى ما ذكرت؟ فقال: أرسل معي من تثق به ليتحقق، فوجه من أحب، فأدخلهم أحمد في بيته تحت ستر، ودخل الليل، وجاء القوم، فقال: خبروني من معكم؟ فقالوا: فلان الفقيه، وفلان الوزير، وعدوا كباراً، والكاتب يكتب حتى امتلأ الرق، فمد أحدهم يده وراء الستر، فرأى القوم، فقام وقاموا، وقالوا: فعلتها يا عدو الله، فمن فر لحينه، نجا ومن لا، قبض عليه، فكان ممن فر عيسى بن دينار الفقيه، ويحيى بن يحيى الفقيه صاحب مالك، وقرعوس بن العباس الثقفي.
وقبض على ناس كابي كعب، وأخيه، ومالك بن يزيد القاضي، وموسى بن سالم الخولاني، ويحيى بن مضر الفقيه، وأمثالهم من أهل العلم والدين، في سبعة وسبعين رجلاً، فضربت أعناقهم، وصلبوا.
وأضاف إليهم عمّيه كلياً، وأمية، فصلباً، وأحرق القلوب عليهم، وسار بأمرهم الرفاق، وعلم الحكم أنه محقود من الناس كلهم، فأخذ في جمع الجنود والحشم وتهياً، وأخذت العامة في الهيج، واستأسد الناس، وتنمروا، وتأهبوا، فاتفق أن مملوكاً خرج من القصر بسيف دفعه إلى الصيقل، فماطله، فسبه، فجاوبه الصيقل فتضاربا ونال منه المملوك، حتى كاد أن يتلفه، فلما تركه، أخذ الصيقل السيف فقتل به المملوك، فتألب إلى المقتول جماعة، وإلى القاتل
640
جماعة أخرى، واستفحل الشر، وذلك في رمضان سنة اثنتين ومئتين، وتداعي أهل قرطبة من أرباضهم، وتألبوا بالسلاح، وقصدوا القصر، فركب الجيش والإمام الحكم، فهزموا العامة، وجاءهم عسكر من خلفهم، فوضعوا فيهم السيف، وكانت وقعة هائلة شنيعة، مضى فيها عدد كثير زهاء عن أربعين ألفاً من أهل الرِّض، وعاينوا البلاء من قدامهم ومن خلفهم فتداعوا بالطاعة، وأذعنوا ولاذوا بالعفو، فعفا عنهم على أن يخرجوا من قرطبة، ففعلوا وهدمت ديارهم ومساجدهم. مات الحكم سنة ست ومئتين، وله ثلاث وخمسون سنة، وولي الأندلس بعده ابنه أبو المطرّف عبد الرحمن، فلنذكره.
641