تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٤١٠ - وَكِيع (ع) (٢)

الصفحات 696–701 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٤١٠ - وَكِيع (ع) (٢)

[٣] ابْنُ الْجَرَّاحِ، بْنُ مَلِيحٍ، الْإِمَامُ الْحَافِظُ، مُحَدِّثُ الْعِرَاقِ، أَبُو سُفْيَانَ الرُّؤَاسِيُّ،

الْكُوفِيُّ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِئَةٍ. وَكَانَ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ وَأَئِمَّةِ

الْحِفْظِ.

[٤] الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ: صَحِبْتُ وَكِيعًا فِي

الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ.

قُلْتُ: هَذِهِ عِبَادَةٌ يَخْضَعُ لَهَا. وَلَكِنَّهَا مِنْ مِثْلِ إِمَامٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَثَرِيَّةِ مَفْضُولَةٌ،

(٢) انْظُرِ السَّيْرَ: ٩/١٤٠-١٦٨.

696

قد صَحَّ نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَصَحَّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَالدِّينُ يُسَرُّ، وَمُتَابِعَةُ السُّنَّةِ أَوْلَى، فَرْضِيَ اللَّهُ عَنْ وَكِيعٍ، وَأَيْنَ مِثْلُ وَكِيعٍ؟! وَمَعَ هَذَا فَكَانَ مُلَازِمًا لِشُرْبِ نَبِيذِ الْكُوفَةِ الَّذِي يُسْكِرُ الْإِكْثَارُ مِنْهُ فَكَانَ مُتَأَوِّلًا فِي شُرْبِهِ، وَلَوْ تَرَكَهُ تَوَرُّعًا، لَكَانَ أَوْلَى بِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَوَقَّى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ وَالتَّحْرِيمُ لِلنَّبِيذِ الْمَذْكُورِ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ هَذِهِ الْأُمُورِ، [١] وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ، فَلَا قُدْوَةَ فِي خَطَأِ الْعَالِمِ، نَعَمْ، وَلَا يُؤْخَذُ بِمَا فَعَلَهُ

بِاجْتِهَادٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَهُ الْمُسَامَحَةَ.

قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: وَكِيعٌ فِي زَمَانِهِ كَالْأَوْزَاعِيِّ فِي زَمَانِهِ.

قُلْتُ: كَانَ أَحْمَدُ يُعَظِّمُ وَكِيعًا وَيُفَخِّمُهُ.

[٢] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْمِصِّيصِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ: وَكِيعٌ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَوْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ؟ فَقَالَ: وَكِيعٌ. قُلْتُ: كَيْفَ فَضَّلْتَهُ عَلَى يَحْيَى، وَيَحْيَى وَمَكَانَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ مَا قَدْ عَلِمْتَ؟ قَالَ: وَكِيعٌ كَانَ صَدِيقًا لِحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءُ، هَجَرَهُ، وَإِنَّ يَحْيَى كَانَ صَدِيقًا لِمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءُ، لَمْ

يَهْجُرْهُ يَحْيَى.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ: عُرِضَ الْقَضَاءُ عَلَى وَكِيعٍ، فَامْتَنَعَ.

[٣] مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ الْبِيكَنْدِيُّ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ كَمَا جَاءَ

فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وَمِنْ طَلَبِهِ لِيُقَوِّيَ بِهِ رَأْيَهُ، فَهُوَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ.

[٤] وَقَالَ بِشْرُ بْنُ مُوسَى: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ قَطُّ مِثْلَ وَكِيعٍ فِي

الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ وَالْإِسْنَادِ وَالْأَبْوَابِ مَعَ خُشُوعٍ وَوَرَعٍ.

قُلْتُ: يَقُولُ هَذَا أَحْمَدُ مَعَ تَحْرِيقِهِ وَوَرَعِهِ. وَقَدْ شَاهَدَ الْكِبَارُ مِثْلَ هُشَيْمٍ، وَابْنِ

عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ، وَأَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي وَأَمْثَالُهُمْ.

[٥] يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ وَكِيعٍ الَّذِينَ كَانُوا يَلْزَمُونَهُ. أَنَّ وَكِيعًا كَانَ

697

لا ينام حتى يقرأ جزءه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس، فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.

[١] قال علي بن خشرم، ما رأيت بيد وكيع كتاباً قط، إنما هو حفظ، فسألته عن أدوية الحفظ: فقال: إن علمتك الدواء استعملته؟ قلت: إي والله. قال: ترك المعاصي ما جربت مثله للحفظ.

[٢] سئل أبو داود: أيما أحفظ وكيع أو عبد الرحمن بن مهدي؟ قال: وكيع أحفظ، وعبد الرحمن أتقن، وقد التقيا بعد العشاء في المسجد الحرام، فتوافقا حتى سمعا أذان الصبح.

[٣] قال يعقوب الفسوي - وبلغه قول يحيى: من فصل عبد الرحمن على وكيع فعليه اللعنة -: كان غير هذا أشبه بكلام أهل العلم، ومن حاسب نفسه، لم يقل مثل هذا، وكيع خير فاضل حافظ.

[٤] قال حنبل بن إسحاق: سمعت ابن معين يقول: رأيت عند مروان بن معاوية لوحاً فيه أسماء شيوخ: فلان رافضي، وفلان كذا، وكيع رافضي، فقلت لمروان: وكيع خير منك، قال: مني؟ قلت: نعم. فسكت، ولو قال لي شيئاً، لوثب أصحاب الحديث عليه. قال: فبلغ ذلك وكيعاً، فقال: يحيى صاحبنا، وكان بعد ذلك يعرف لي، ويرحب.

[٥] والظاهر أن وكيعاً فيه تشيع يسير لا يضر إن شاء الله، فإنه كوفي في الجملة، وقد صنف كتاب فضائل الصحابة، سمعناه، قدم فيه باب مناقب علي على مناقب عثمان، رضي الله عنهما.

[٦] قال الحسين بن محمد بن عفير: حدثنا أحمد بن سنان قال: كان عبد الرحمن ابن مهدي لا يتحدث في مجلسه، ولا يقوم أحد، ولا يبري فيه قلم، ولا يبتسم أحد، وكان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة فإن أنكر من أمرهم شيئاً انتعل ودخل، وكان ابن نمير يغضب ويصيح وإن رأى من يبري قلماً، تغير وجهه غضباً.

698

[١] وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدثت عنه بالفاظه، لكانت

عجباً، كان يقول: حدثنا مسعر عن «عيشة».

وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد يقول: ما رأت عيتاي مثل وكيع قط،

يحفظ الحديث جيداً، ويذاكر الفقه، فيحسن مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في

أحد.

[٢] قال سلم بن جنادة: جالست وكيعاً سبع سنين، فما رأيته بزق، ولا مس حصاة،

ولا جلس مجلساً فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله.

[٣] وروي عن وكيع أن رجلاً أغلظ له، فدخل بيتاً، فعفر وجهه ثم خرج إلى

الرجل، فقال: زد وكيعاً بذنبه، فلولاه ما سلطت عليه.

[٤] قال مروان بن محمد الطاطري: ما رأيت فيمن رأيت أخشع من وكيع، وما

وُصف لي أحد قط إلا رأيته دون الصفة إلا وكيعاً، رأيته فوق ما وصف لي.

[٥] قال سعيد بن منصور: قدم وكيع مكة سميناً، فقال له الفضيل بن عياض: ما

هذا السمن، وأنت راهب العراق؟ قال: هذا من فرحي بالإسلام، فأفحمه.

[٦] وقال إسحاق بن راهويه: حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف، وحفظ وكيع

أصلي، قام وكيع، فاستند، وحدث بسبع مئة حديث حفظاً.

[٧] أبو زرعة الرازي: سمعت أبا جعفر الجمال يقول: أتينا وكيعاً فخرج بعد ساعة،

وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به، فزعنا من النور الذي رأيناه يتلألأ من وجهه،

فقال رجل بجنبي: أهذا ملك؟ فتعجبنا من ذلك النور.

[٨] وقال أحمد بن سنان: رأيت وكيعاً إذا قام في الصلاة، ليس يتحرك منه شيء، لا

يزول ولا يميل على رجل دون الأخرى.

[٩] قال الفلاس: ما سمعت وكيعاً ذاكراً أحداً بسوء قط.

قلت: مع إمامته، كلامه نزر جداً في الرجال.

[١٠] قلت: أصح إسناد بالعراق وغيرها، أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن سفيان،

699

عن منصور، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، وفي «المُسند»

بهذا السند عِدَّة مُتُون.

علي بن خَشْرَم: سمعتُ وكيعاً يقول: لا يكمل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه

وعمن هو مثله، وعمن هو دونه.

[1] محنة وكيع - وهي غريبة - تورط فيها ولم يرد إلا خيراً، ولكن فاتته سكتة، وقد

قال النبي ﷺ «كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع، فليتق عبد ربه، ولا يخافن

إلا ذنبه».

قال علي بن خَشْرَم: حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله

البهِي، أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي ﷺ بعد وفاته، فأكب عليه، فقبله،

وقال: (بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتك)، ثم قال البهي: وكان ترك يوماً وليلة

حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه - قال ابن خَشْرَم: فلما حدث وكيع بهذا بمكة،

اجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبة لصلبه، فجاء سفيان بن

عُيَيْنَة، فقال لهم: الله الله! هذا فقيه أهل العراق، وابن فقيهه، وهذا حديث

معروف. قال سفيان: ولم أكن سمعته إلا أني أردت تخليص وكيع.

قال علي بن خَشْرَم: سمعت الحديث من وكيع، بعدما أرادوا صلبه فتعجبت

من جسارته، وأخبرت أن وكيعاً احتج، فقال: إن عدة من أصحاب رسول الله ﷺ

منهم عمر قالوا: لم يمت رسول الله. فأراد الله أن يريهم آية الموت.

فهذه زلة عالم، فما لوكيع ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد! كادت

نفسه أن تذهب غلطاً، والقائمون عليه معذورون، بل مأجورون، فإنهم تخيلوا من

إشاعة هذا الخبر المردود، غضاً ما لمنصب النبوة، وهو في بادئ الرأي يوهم ذلك،

ولكن إذا تأملته، فلا بأس إن شاء الله بذلك، فإن الحي قد يربو جوفه، وتسترخي

مفاصله، وذلك تفرع من الأمراض، و «أشد الناس بلاء الأنبياء»، وإنما المحذور

أن تجوز عليه تغير سائر موتى الآدميين ورائحتهم، وأكل الأرض لأجسامهم،

700

والنبي ﷺ فمفارق لسائر أمته في ذلك، فلا يبلُ، ولا تأكل الأرض جسده، ولا يتغير ريحه، بل هو الآن، وما زال أطيب ريحاً من المسك، وهو حي في لحده حياة مثله في البرزخ، التي هي أكمل من حياة سائر النبيين، وحياتهم بلا ريب أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وهؤلاء حياتهم الآن التي في عالم البرزخ حق، ولكن ليست هي حياة الدنيا من كل وجه، ولا حياة أهل الجنة من كل وجه، ولهم شبه بحياة أهل الكهف، ومن ذلك: اجتماع آدم وموسى، لما احتج عليه موسى، وحجه آدم بالعلم السابق كان اجتماعهما حقاً، وهما في عالم البرزخ، وكذلك نبينا ﷺ أخبر أنه رأى في السماوات آدم وموسى وإبراهيم وإدريس وعيسى، وسلم عليهم، وطالت محاوراته مع موسى، هذا كله حق. والذي منهم لم يذق الموت بعد هو عيسى عليه السلام، فقد تبرهن لك أن نبينا ﷺ ما زال طيباً مطيباً، وأن الأرض محرم عليها أكل أجساد الأنبياء، وهذا شيء سبيله التوقيف، وما عنف النبي ﷺ الصحابة رضي الله عنهم لما قالوا له بلا علم: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - يعني بليت - فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ».

وهذا بحث معترض في الاعتذار عن إمام من أئمة المسلمين، وقد قام في الدفع عنه مثل إمام الحجاز سفيان بن عيينة، ولولا أن هذه الواقعة في عدة كتب، وفي مثل «تاريخ الحافظ ابن عساكر» وفي «كامل الحافظ ابن عدي» لأعرضت عنها جملة، ففيها عبرة.

قال علي بن عثام: مرض وكيع، فدخلنا عليه، فقال: إن سفيان أتاني، فبشرني بجواره، فأنا مبادر إليه.

مات وكيع سنة سبع وتسعين ومئة يوم عاشوراء. قلت: عاش ثمانياً وستين سنة سوى شهر أو شهرين.

701

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080