نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٥٧ عماد الدولة بن هود (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٥٧ عماد الدولة بن هود (١)
[٢] كان أحد ملوك الأندلس في حدود الخمس مئة، وهو من بيت مملكة تملّكوا شرق الأندلس، فلما استولى الملتّمون على الأندلس، أبقى يوسف بن تاشفين على ابن هود، فلما تملّك علي بن يوسف بعد أبيه كان فيه سلامة باطن، فحسّن له وزراؤه أخذ الملك من ابن هود، حتى قالوا له: إن أموال المستنصر العبيدي صارت في غلاء مصر المفرط تحوّلت كلها إلى بني هود، وقالوا: الشرع يأمرك أن تسعى في خلعهم لكونهم مسالمين الروم، فجهّز لهم الأمير أبا بكر بن تيفلوت فتحصّن عماد الدولة بروطة (٢)، وكتب إلى علي بن تاشفين يستعطفه في المسالمة، ويقول: لكم فيما فعله أبوكم أسوة حسنة، وسيعلم مبرم هذا الرأي عندكم سوء مغنّته، والله حسيب من معي وحسبنا الله وكفى، فأمر علي بن يوسف بالكف، وأنى ذلك وقد أدخلته الرعية سرقسطة، وكان ابن رذمير اللعين صاحب مملكة أرغونة من شرق الأندلس قسيساً مجرباً داهية مترهبا، فقوي على بلاد ابن هود، وطواها وقنع عماد الدولة بن هود بدار سكناه، وكان ابن رذمير لا يتجهّز إلا في عسكر قليل كامل العدة، فيلقى بالألف آلافاً.
[٣] قال اليسع بن حزم: حدثني عنه أبو القاسم هلال أحد وجوه العرب قال: كان بيني وبين المرابطين أمر الجاني إلى الوفود على ابن رذمير، فرحب بي، وأمر لي براتب كبير، فحضرت معه حرباً طعن عنه حصانه، فوقفت عليه ذاباً عن حوزته،
(١) انظر السير: ٢٠/٣٧-٤١
(٢) روطة: حصن من أعمال سرقسطة حصين جداً.
1396
فلما انصرفنا إلى رشقة أمر الصواغين بعمل كأس من ذهب رصّعه بالذّرّ، وكتب عليه: «لا يَشْرَبُ منه إلا من وقف على سلطانه». فحضرت يوماً، فأخرج الكأس، وملاءه شراباً، وناولني بحضرة ألف فارس، ورأيت أعناقهم قد اسودّت من صدأ الدّروع. قال: فناديت، وقلت: غيري أحقّ به، فقال: لا يَشْرَبُ هذا إلا من عمل عملك. وكان هلال هذا من قرية هلال بن عامر، تاب بعد وغزا معنا، فكان إذا حضر في الصفّ جبلاً راسياً يمنع تهائم الجيوش أن تميد، وقلباً في البسالة قاسياً، يقول في مقارعة الأبطال: هل من مزيد، أبصرتُه رحمه الله أمةً وحده، يتحماه [1] الفوارس، فحدثني عن ابن رذمير وإنصافه قال: كنت معه بظاهر روطة وقد وجّه إليه عماد الدولة وزيره أبا محمد عبد الله بن همشك الأمير رسولاً، فطلب فارس من ابن رذمير أن يُمكن من مبارزة ابن همشك، فقال: لا، هو عندنا ضيف، فسمع بذلك ابن همشك، وأمضى ابن رذمير حاجته، وصرفه فقال: لا بدّ لي من مبارزة هذا، فأمر الملك ذاك الفارس بالمبارزة وقال: هذا أشجع الروم في زمانه، فانصرف عبد الله يريد روطة وخرج وراءه الرومي شاكاً في سلاحه، وما مع ابن همشك درع ولا بيضة فأخذ رمحه وطارقته من غلامه، وقصد الرومي، فحمل كل منهما على الآخر حملات، ثم ضربه ابن همشك في الطارقة، فأعانه الله فانقطع حزام الفارس، فوقع بسرجه إلى الأرض، فطعنه ابن همشك، فقتله والملك يشاهده على بعد، فهمت الروم بالحملة على ابن همشك فمنعهم الملك، ونزل غلام ابن همشك، فجرد الفارس، وسلبه، وأخذ فرسه، وذهب لم يلتفت إلى ناحيتنا، فما أدري ممّ أعجب، من إنصاف الملك، أو من ابن همشك كيف مضى ولم يُعرّج إلينا؟!
وأقام ابن رذمير محاصراً سرقسطة زماناً، وأخذ كثيراً من حصونها فلما رأى أبو عبد الله محمد بن غلبون القائد ما حلّ بتلك البلاد من الروم، ثار بدورقة وقلعة
1397
أيوب وملينة، وجمع وحشد، وكافح ابن رُذمير واستولى أبو بكر بن تيفلوت على سَرْقُسْطَة، وأقام بقصرها في لذّاته، وأما ابن غَلْبُون، فأحسن السيرة، وعدل، وجاهد ورُزق الجند، رأيته رجلاً طوالاً جداً، واجتمعت به، أقام مُناغراً لابن رُذمير شجي في حلقه، التقى مرة في ألف فارس لابن رُذمير، والآخر في ألف، فاشتد بينهما القتال، وطال، ثم حمل ابن غَلْبُون على ابن رُذمير، فصرعه عن حصانه، فدفع عنه أصحابه فسلم، ثم انهزموا، ونجا اللعين في نحو المئتين فقط، وأما ابن تيفلوت فإنه راسل ابن غَلْبُون، وخدعه، حتى حَسَن له زيارة أمير المسلمين علي ابن يوسف، فاستخلف على بلاده ولده أبا المُطرف، وكان من الأبطال الموصوفين أيضاً، فقدم محمد مراكش، فأمسك، وألزم بأن يخاطب بنيه في إخلاء بلاده للمرابطين، فأخلوها طاعة لأبيهم، وترحلوا إلى غرب الأندلس، ففرح بذلك ابن رُذمير، وحصر سَرْقُسْطَة، وصنع عليها برجين عظيمين من خشب، وإن أهلها لما يئسوا من الغياث، خرجوا وأحرقوا البرجين، واقتتلوا أشد قتال، وكتبوا إلى ابن تاشفين يستصرخون به، ومات ابن تيفلوت، وذلك في سنة إحدى عشرة وخمس مئة، فأنجدهم بأخيه تميم ابن يوسف، فقدم في جيش كبير، وعنى ابن رُذمير جيوشه، ففرح أهل سَرْقُسْطَة بتميم، فكان عليهم لا لهم.
جاء مواجهة المدينة، ثم نكب عنها، وكان طائفة من خيلها ورجلها قد تلقوه، فحمل عليهم حملة قتل منهم جماعة كثيرة، ثم نكب عن لقاء العدو، وانصرف إلى جهات المورالة، واشتد البلاء على البلد ثم سلموه بالأمان، على أن من شاء أقام به [1] وكان ابن رُذمير معروفاً بالوفاء، حدثني من أثق به أن رجلاً كانت له بنت من أجمل النساء ففقدها، فأخبر أن كبيراً من رؤوس الروم خرج بها إلى سَرْقُسْطَة، فتبعه أبواها وأقاربها، فشكوه إلى ابن رُذمير، فأحضره، وقال: علي بالنار، كيف تفعل هذا بمن هو في جواري؟ فقال الرومي: لا تعجل علي، فإنها فرّت إلى ديننا، فجيء بها، فأنكرت أبويها، وارتدت. ولما دخل سَرْقُسْطَة، أقرهم على الصلاة في
1398
جامعها سبعة أعوام، وبعد ذلك يعمل ما يرى، وحاصر قُتندة (١) بعد سَرْقُسْطَة ستين، فلما كان في آخر سنة أربع عشرة، قصده عبد الله بن حيوة في جيش فيهم قاضي المَرِيَّة أبو عبد الله بن الفراء، وأبو علي بن سُكْرَة، فبرز لهم اللعين، فقتل خلقاً، وأُسِرَ آخرون، واستُشْهِدَ المذكوران، فبنى عليهم ابنُ رذمير قبوراً، ثم سُلِّمَ البلدُ إليه وأخذ في تلك المدة دورقة، وقلعة أيوب، وطَرْسُونَة، وأكثر من مئتي مُسَوَّر، ولم يبق أكثر من ثلاثة مدائن لم يأخذها، وبقي من أعمال بني هود لآردة، وإفراغة، وطُرْطُوشَة، وغير ذلك معاملة عشرة أيام لم يظفر اللعين بها، فقام بآردة الهُمَام البَطَل أبو محمد، وقام بإفراغة الزاهد المجاهد محمد مردنيش الجذامي جَدُّ الأمير محمد بن سعد.
(١) وهي ثغر سرقسطة من قرى مرسية
1399